التغيير: الاناضول

بعد انتخابه رئيسًا لحزب “الجبهة الديمقراطية لشعب أورومو”، الخميس الماضي، بات السياسي الشاب “أبي أحمد” البالغ من العمر 42 عامًا، والمنحدر من إقليم “أوروميا” وسط اثيوبيا، قاب قوسين أو أدنى من الترشح لرئاسة الائتلاف الحاكم، وهو ما قد يؤهله لأن يصبح رئيسًا للحكومة المقبلة، خلفًا لرئيس الوزراء المستقيل هايلي ماريام ديسالين.

والمرشح المرتقب لرئاسة الوزراء، هو حلقة في سلسلة من الأحداث المتسارعة التي شهدتها البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، والتي بدأت باحتجاجات شهدتها بعض الأقاليم في البلاد تنديدًا بتهميشها وإقصائها.

 ودفعت الاحتجاجات قيادة البلاد نحو إصلاحات ترمي لتخفيف الاحتقان بينها إطلاق سراح موقوفين، غير أنها لم تكن كافية على ما يبدو، قبل أن يعلن ديسالين استقالته من منصبه في الـ 15 من الشهر الجاري، في قرار قبله الائتلاف الحاكم باليوم نفسه، ليعلن مجلس الوزراء، في اليوم التالي، حالة الطوارئ بالبلاد.

ومنذ استقالة ديسالين، يجري الائتلاف الحاكم اجتماعات متواصلة، لاختيار خليفة له، ولإحالة اسم المرشح الذي سيكون – وجوبًا من أحزاب الائتلاف – للبرلمان للمصادقة على التعيين.

تلك التطورات، بحسب مراقبين، دفعت إلى الواجهة بـ”الجبهة الديمقراطية لشعب أورومو” (يطلق عليه حزب الأورومو)، أحد أحزاب الائتلاف الحاكم الذي تشكّل عام 1989، ويضم أيضًا “جبهة تحرير شعب تجراي”، و”الحركة الديمقراطية لقومية أمهرا”، و”الحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا” (حزب ديسالين).

ويرى محللون، أن صعود حزب “الأورومو” لم يكن وليد الصدفة، ويرجع إلى جاهزية هذا الحزب واستكماله للإصلاحات الداخلية، علاوة على وجود قيادات شبابية فاعلة على سدة الحكم، تمثل رأس الحربة في الإصلاحات التي شهدها الائتلاف الحاكم نفسه.

وجرت ترجمة جاهزية الحزب لتلك التطورات في الاجتماع الاستثنائي الذي عقدته لجنته المركزية الخميس الماضي، وانتخبت خلاله “أبي أحمد” (من أب مسلم وأم مسيحية)، خلفًا لـ”لما مغرسا” (تولى المنصب في 2016)، حاكم إقليم “أوروميا”، الذي أصبح نائبًا لرئيس الحزب.

وبما أن لوائح الائتلاف الحاكم تنص على أن أي مرشح لرئاسة الائتلاف من الأحزاب الأربعة المكونة له يجب أن يكون رئيسًا للحزب، فإن خطوة اختيار “أبي أحمد”، تضعه في صدارة لائحة الأوفر حظًا لتقلّد منصب رئاسة الوزراء بالبلاد، بحسب مراقبين مطلعين على الأوضاع بإثيوبيا.

هذا الطرح أكده مصدر سياسي إثيوبي مطلع، وقال إن “أبي أحمد” الذي تم انتخابه خلفًا لـ”لما مغرسا”، أمامه فرصه كبيرة لاختياره رئيسًا للوزراء؛ لكونه -أيضًا- نائبًا في البرلمان؛ ولأن الأحزاب الثلاثة الأخرى بالائتلاف الحاكم تواجه عقبات تتمحور حول تراجع الأداء أخيرًا.

وفي هذا الصدد لا يمكن إغفال أن قومية “الأورومو” التي ينحدر منها “أبي أحمد”، هي الأكبر في إثيوبيا، إذ تتراوح نسبتهم، وفق تقديرات غير رسمية، بـ 50% من عدد السكان البالغ أكثر من 100 مليون نسمة.

ويتمتع إقليم “أوروميا” بحكم شبه ذاتي، وهو يتبع الكونفدرالية الإثيوبية المكونة من 9 أقاليم.

من هو أبي أحمد؟

وولد “أبي أحمد “، في منطقة أغارو، بمدينة جيما بإقليم “الأورومو”، والتحق بالنضال المسلح وهو صغير عام 1990 مع رفاقه في “الجبهة الديمقراطية لشعب الأورومو”، إحدى جبهات الائتلاف ضد حكم نظام “منغستو هايلي ماريام” العسكري (1974 – 1991)، حتى سقط حكم الأخير بعد دخول الائتلاف إلى أديس أبابا.

وترتكز مؤهلات وإمكانيات “أبي أحمد”، على ثلاثة محاور رئيسة في حياته هي التي شكلت تجربته في العمل السياسي.

 تجربة عسكرية

بعد أن قضى بداية تجربته في الحياة بالميدان مع رفاقه في النضال المسلح حتى سقوط نظام منغستو، التحق رسميًا بقوات الدفاع الوطني الإثيوبية (الجيش) عام 1991، في وحدة المخابرات والاتصالات العسكرية، وتدرج بها حتى وصل رتبة عقيد عام 2007.

وفي عام 1995، أرسل “أبي أحمد”، ضمن قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في رواندا عقب الإبادة الجماعية التي شهدتها.

وإبان الحرب الإثيوبية الإرتيرية 1998- 2000 ، قاد “أبي أحمد”، فريقًا استخباراتيًا لاكتشاف مواقع الجيش الإرتيري في الجبهات الأمامية للقتال.

وضمن جهوده لتطوير شبكة المعلومات ببلاده، أسس الرجل وكالة أمن شبكة المعلومات الإثيوبية (إنسا) في العام 2007 ، وكان المدير العام للوكالة حتى العام 2010.

وبلا شك أن هذه التجربة العسكرية خاصة في مجال الاستخبارات والمعلومات ستمثل أحد نقاط قوة الرجل داخل المؤسسة العسكرية، التي تتولى الآن عملية الطوارئ في البلاد.

وكان نبوغه في العمل الاستخباري وجمع المعلومات وتحليلها، كما يقول متابعوه، سببًا في التحاقه بجهاز المخابرات بقوات الدفاع الإثيوبية (الجيش).

مشوار أكاديمي حافل

لم يركن “أبي أحمد” وهو أب لثلاث بنات، إلى تجربته العسكرية بوحدة الاستخبارات والمعلومات العسكرية التي مثل فيها إحدى الإضافات في مجاله، وإنما ألحقها بمؤهلات دراسية وأكاديمية، ليحصل على درجة البكالوريوس في هندسة الكمبيوتر من كلية “ميكرولينك لتكنولوجيا المعلومات” بأديس أبابا 2001.

ومن ثم على دبلوم الدراسات العليا المتقدمة في تطبيقات التشفير 2005، من جامعة “بريتوريا”، بجنوب أفريقيا، ثم الماجستير في إدارة التغيير والتحول من جامعة غرينتش، بلندن 2011.

ليضيف إليها درجة الماجستير في إدارة الأعمال 2013، ومن ثم نيله درجة الدكتوراه بالتخصص نفسه في 2017، من معهد دراسات السلام والأمن بجامعة أديس أبابا.

وشغل الرجل منصب رئيس مجلس إدارة جامعة “جيما” بإقليم أوروميا، فضلًا عن رئاسة “بنك أوروميا للتمويل الأصغر”، وشبكة “أوروميا” للإذاعة.

كما عمل أيضًا عضوًا في مجلس إدارة العديد من الوكالات الحكومية العاملة في مجال الإعلام والاتصالات، مثل: “إيثيو تليكوم” وهي شبكة الاتصالات القومية بإثيوبيا، والتليفزيون الإثيوبي، قبل أن يتركها جميعًا.

عين على السياسة

لم يغب “أبي أحمد” عن الساحة السياسة، رغم تجوله ما بين المؤسسة العسكرية وتطوير إمكاناته العلمية والأكاديمية، ففي عام 2010، غادر وكالة أمن شبكة المعلومات الإثيوبية (إنسا) ليتفرغ للسياسة بصورة رسمية ومباشرة، كما أن المهام الأخرى التي تولاها كان يمارس السياسة بجوارها.

وبدأ “أبي أحمد” عمله السياسي التنظيمي عضوًا في “الجبهة الديمقراطية لشعب أورومو”، وتدرج إلى أن أصبح عضوًا في اللجنة المركزية للحزب، وعضوًا في اللجنة التنفيذية للائتلاف الحاكم في الفترة ما بين 2010 – 2012.

وانتخب عضوًا بالبرلمان الإثيوبي عن دائرته “أغارو” بمنطقة جيما في إقليم “الأورومو” في 2010، وخلال فترة خدمته البرلمانية، شهدت منطقة جيما بضع مواجهات دينية بين المسلمين والمسيحيين، وتحول بعضها إلى عنف، وأسفرت عن خسائر في الأرواح والممتلكات.

ولعب “أبي أحمد ” دورًا محوريًا بالتعاون مع العديد من المؤسسات الدينية ورجال الدين، في إخماد الفتنة الناجمة عن تلك الأحداث وتحقيق مصالحة تاريخية في المنطقة.

في عام 2015 أعيد انتخابه في مجلس نواب الشعب الإثيوبي (البرلمان)، كما انتخب عضوًا في اللجنة التنفيذية لـ”الجبهة الديمقراطية لشعب أورومو”.

وفي الفترة من 2016 إلى 2017 تولى “أبي أحمد” وزارة العلوم والتكنولوجيا بالحكومة الفيدرالية، قبل أن يترك المنصب ويتولى منصب مسؤول مكتب التنمية والتخطيط العمراني بإقليم أوروميا ثم نائب رئيس إقليم أوروميا نهاية 2016، وترك الرجل كل هذه المناصب لتولي رئاسة الحزب.