محمد بدوي

(1)

 حملت وسائل الإعلام خلال الإسبوع المنصرم  خبرين  كشف عن موقف جديد للخرطوم تجاه العلاقة مع  الجماعات الإسلامية، أشار الأول  إلي طلب  الخرطوم  لقادة الأخوان المسلمين المصرييين الذين يستضيفهم الحزب الحاكم سراً إلي مغادرة البلاد في وقت وجيز ، الخبر الثاني كشف عن إعتقال  أسامة أحمد عبدالسلام الذي إشير إليه وفقاً للخبر  بالعقل المدبر لخليتي “السلمة و الدندر  الإرهابيتين “، كلا الخبرين كشفا عن  تحولات تكتيكية في سياسة الخرطوم في تقديري تستهدف مغازلة العلاقات مع كل من مصر و الولايات المتحدة الأمريكية  ، بل بشكل أدق التواصل مع واشنطن  بشكل مباشر  كما في السابق بعيد عن الإستعانة بوساطة طرف ثالث كما حدث في ملف رفع العقوبات الإقتصادية ، فقد كشفت وسائل الإعلام عن مساعي بذلتها كل من المملكة العربية السعودية و إسرائيل ، العلاقة المباشرة مع واشنطن تستهدف قطع الطريق علي الفريق طه عثمان والحد من نفوذه في الملفات الخارجية  و لا سيما بعد حملة الإبعاد و الإحلال لبعض قادة الوحدات بجهاز الأمن علي خلفية صراع الحزب الحاكم مراكز النفوذ  الموالية “للفريق طه “و الدكتور نافع علي نافع

(2)

كلا الخبرين جاء توقيتهما مع إعادة تعيين صلاح عبدالله قوش  مديرا لجهاز الأمن و المخابرات الوطني  الامر الذي يكشف عن فلسفة الخرطوم في التعامل مع القضايا المختلفة من زاوية امنية ، ردة فعل الحركة الاسلامية السودانية  تجاه ذلك عبر عنه  موقفي  حسن عبدالله و حسن رزق الرئيس الاسبق لمجلس شوري الحركة الاسلامية بإستهجان ورفض لما حدث ، فيبدو أن قوش يقف علي راس العديد من الملفات منها  العلاقة مع مصر  و التي شهدت تراجعا غادر علي إثرها السفير السوداني القاهرة عقب زيارة الرئيس التركي رجب طيب أوردغان للخرطوم في الإسبوع الأخير من ديسمبر 2017، من جانب لم تنتظر القاهرة كثيراً لتعبر عن إرتياحها للخطوة  فجاء  رد فعلها في 18 فبراير بإيقاف وصلة البث الخاصة بإذاعة راديو دينقا التي تعمل علي بث  الأحداث السياسية و الإنتهاكات المرتبطة بحالة حقوق الإنسان في السودان علي القمر نايل سات . التوترات التي اعترت العلاقة بين السودان ومصر منذ العام 1995  ظلت تشير الي  تعامل كل طرف بحذر تجاه الاخر .

 (3)

عودة  صلاح عبدالله “قوش” مديرا لجهاز الأمن والمخابرات الوطني بسلطات بدأت واسعة تمثلت في مغادرة عدد من قادة الوحدات بجهاز الامن  لمناصبهم  في إطار  فك إرتباط علاقة الفريق طه المتبقة و في ذات الوقت في تاتي في سياق صراع الحزب الحاكم و تبديل مراكز النفوذ  بما يرجح ميلانها دفتها  لصالح موقف الرئيس البشير  ، أما علي المستوي الخارجي فيبدو أن دور قوش سيصب في العمل علي تسويق العلاقة التاريخية والراهنة مع الجماعات الإسلامية بما يصب في  الترويج للخرطوم ” كمركز للمعلومات ” التي تحتاجها الاستخبارات الغربية ، فلقوش تجربة سابقة تمثلت في  مغادرة  أسامة بن لادن  مغادرة الخرطوم و تسليم كارلوس الي فرنسا، بالرغم  من  كل ما يحدث إلا أنه يظل معزول الإنعكاس الايجابي ه علي الأزمة الإقتصادية “الازمة  الحقيقية ” ، صراعات السلطة بين الاسلاميين السودانيين ظلت دائرية ، تتسم بتبادل الاشخاص مع بقاء السياسات الامر الذي يحصن ملفات الفساد التي ترتبط علاقاتها و شخوصها الامر الذي يضعها تحت مظلة ” خلوها مستورة” .

(4)

إعادة  اعتقال أسامة أحمد عبدالسلام  تشير إلي أن قوش  سيبدأ من الملفات التي كانت بيده قبل إقالته من إدارة الجهاز ،وعلي ذات النسق يبدو ان قوش يريد الايحاء بان سياسته ستخالف سلفه ” محمد عطا المولي ”  فاختار  حادثتي ” السلمة والدندر ” كنقطة بداية حيث جري اطلاق سراح المقبوض عليهم في وقت لاحق تحت ادعاءات تراجعهم عن الأفكار الأرهابية الامر الذي تبعه إسقاط التهم الجنائة عنهم ، أضف إلي ذلك حادثة هروب المدانيين في مقتل الدبلوماسي الامريكي جون قرانفيل و السوداني عباس ابراهيم الذي جاء رد فعل السلطات تجاهه بالامبالاه فقد تمت محاكمة المتهم بتسهيل هرب المدانيين بالسجن ليطلق سراحه بعفو بعد إنقضاء نصف المدة “6” سنوات ليغادر بعدها إلي المملكة العربية السعودية .

 (5)

منهج التوبة و الرجوع عن الافكار ” شكل حصانة دينية للمتورطين في حوادث علي صلة بالارهاب، لكن سرعان ما اثبتت الاحداث بان المنهج ليس سوي مبرر للافراج عنهم  ليلتحق بعضهم بالتنظيمات الارهابية ،  ففي تواريخ لاحقة للافراج عنهم  قتل  كل من “مصطفي عثمان فقيري ،  ومؤيد محمد عبداللطيف ” من المفرج عنهم في حادثة  خلية الدندر في صفوف تنظيم الدولة الاسلامية – بليبيا ، كما قتل المدانيين الاربعة في حادثة مقتل “غرانفيل وعباس” في احداث مشابهه حيث لقي ثلاثة منهم حتفهم اثناء القتال الي جانب تنظيم الشباب  السلم الصومالي  وهم ”  عبد الباسط حاج الحسن،  محمد مكاوي و مهند عثمان يوسف ” بينما قتل الرابع  قصي الجيلي بالعراق بعد انضمامه لصفوف تنظيم القاعدة بالعراق .

(6)

 في تقديري ان ما اقدمت عليه الخرطوم تصب في خانة  الخطوات التكتيكية  التي قد لا تفلح في تجسير العلاقة مع المحيط الاقليمي و الدولي عبر الكشف عن الاهتمام بالانضمام الي “نادي مكافحة الارهاب الدولي ، فسجل السودان منذ العام 2015 يشير إلي إلتحاق ما فاق ال400 سوداني أو اشخاص منحدرة اصولهم من السودان  معظمهم من طلاب الجامعات و حديثي التخرج  بتنظيم الدولة الاسلامية “داعش”  و جماعة انصار الشريعة بكل من سوريا والعراق ،ليبيا و مالي  ، تم تجنيدهم داخل السودان  وفقا لتصريحات رسمية لمسئولين سودانيين  “بالرغم من عدم الكشف عن  تلك الجهات ” .

(7)

أخيراً التعامل مع ملف الإرهاب الدولي لا يحتمل المناورة  وليس  السهل إدارته من أجل  الحصول علي مكاسب سياسية اَنية  لأن العلاقة بين البنية الايدلوجية للنظام و التطرف هي علاقة سببية ، من جانب اخر هنالك تطورات متسارعة منذ العام 2014 إرتبطت بصعود تيارات دينية  في الساحة السودانية   يمثلها  قادة دينيين امثال الدكتور محمد علي الجزولي و محمد مساعد السديرة الذان تعرضا للاعتقال عده مرات علي خلفية الادعاءات بعلاقتهم ببعض المجموعات الاسلامية المتطرفة ” مثل تنظيم الدولة الاسلامية ”  لكن برغم ذلك ظلا يحظيان بعدد متزايد  من التلاميذ والأتباع ، الامر الذي يشير إلي أن اعتقال أسامة أحمد عبدالسلام لا يمثل حلاً لأزمة النظام في علاقته مع الارهاب ، بشكل عام المنهج الأمني المرتبط بالإعتقالات و الاحتجاز لفترات طويلة بمعزل عن العامل الخارجي يضع الأمر أمام مفاضلة مكافحة الارهاب  و إنتهاك الحقوق و هو أمر لا يجد ما يسنده قانوناً ، فالسياسات والمناهج و الفلسفات التي تغذي ذلك هي ذات الايدلوجية التي تستند عليها السلطة  .بل يمكن الحل في اطار الحل الشامل للازمة السودانية و بالضرورة سيادة الدولة المدنية المرتبطة بالمواطنة والحقوق .