خالد فضل

مائة اسم تنقص أو تزيد  قليلا هي جملة الأسماء التي ظلّت تتنقل بين وظائف السلطة ومراقي الإدارات العليا في كلّ مرافق الدولة منذ أن آلت بفقه (الفتح ) ومبدأ الفيئ والغنيمة الإسلامي لجماعة التنظيم السياسي الإسلامي السوداني ؛ الذي تبدّلت عناوينه ولم تتغيّر أفعاله الضارة بالوطن والشعب , فمنذ انقلاب 30يونيو 1989م وحتى صباح الناس هذا ظلّ اسم عمر حسن البشير مثلا يتصدّر نشرات الأخبار البروتكولية , والإجتزاءات من خطبه تختم بها التقارير الإخبارية المصاحبة لزيارته لأي جهة أو منشط حتى لو كان افتتاح مصنع حلويات أو مركز تدريب مهني يعاد افتتاحه عدة مرّات ! لقد ملّت آذان الناس من سماع ذات الخطاب لثلاثين عاما والناس كلّ عام يرزلون وأحوال حياتهم وأوضاعهم الوجودية من مأكل وغذاء وماء وكهرباء ونقل ومواصلات تزداد ضنكا وسؤا , ثلاثون عاما ليس عمرا هيّنا في حركة التاريخ ’ فقد انتقلت في مدى أقلّ منه بكثير عديد الدول من مصاف الفقر إلى تخوم الكفاية ولامست شعوبها ملامح الرخاء , أمّا بلادنا التي ترزح تحت نير سلطة ظالمة فاسدة باطشة قاصرة  عن بلوغ المكارم والغة في حضيض المؤامرات الصغيرة  فقد تدحرجت من مصاف الوعد والآمال إلى مرتبة التسول ومرمطة السمعة , متهومة بكل شين ؛ من الإبادة الجماعية إلى دفن النفايات . واستوطنت الأمراض مترقية من الملاريا والحمى أم برد إلى تصلب الشرايين  والسرطانات , وتقلّصت المساحة المرسومة منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى حدود مطامح المتسلطين في النقاء العرقي والعقدي واللغوي ’ بذريعة أنّ التعددية (دغمسة ) .

  المؤامرة المستمرة ضد الوطن والشعب منذ ذاك اليوم البعيد وقبله , تقلّبت أطوارا في الظاهر واستمرت كما هي في أصلها وممارساتها  , والأسماء التي تُذاع كل حين بتسنمها المواقع والمناصب تسبقها دوما سيرة تسنُّم مواقع قيادية سابقة حتى لو كانت منسقيات الدفاع الشعبي أو  جمعيات القرآن الكريم , وكأنّما حواء السودان عقمت أو تمّ ربط رحمها الولود في فجر يوم الإنقلاب فلم تنجب سوى هولاء من السادة والسيدات ’ لم يأت القادمون برؤية جديدة أو فكر متقدم لكنهم يسيرون على نفس خطة الفشل ويمارسون البؤس الفكري وضمور الخيال وإن كانت نوايا بعضهم سليمة إلاّ أنّهم يصطدمون لأول وهلة بمتاريس القبح , ونسج المؤامرات , والحفر , ليس في الوظائف الصغرى والدرجات الدنيا في هرم الإمتيازات بل , والإقتباس هنا من خطبة عصماء لجنرال الأمن والمخابرات (سابقا ولاحقا ) صلاح قوش , من دهاقنة السلطة وأركان النظام وحرّاس عدالته ممن يسبق جورهم عدلهم يمشون للحكام بنميم ! قال صلاح قوش ما قال في دار أهله الشايقية من نواحي مروي صبيحة اطلاق سراحد من معتقل ظلّ فيه حبيسا ل7أشهر تقريبا متهما عند إخوانه في التنظيم والحكم بتدبير إنقلاب ضد البشير , وجرجر للمحاكمة رفقة أخيه ود ابراهيم الجنرال الآخر في الجيش وآخرين , صلاحآوى إلى عصبة أهله وحتى العفو الرئاسي عنه جاء نتيجة وساطة من أعيان القبيلة لذلك كانت رحلته إلى ديار قومه بمثابة استعراض نفوذ , إذ سار في موكبه مئات السيارات شاقة طريق الصحراء في موكب احتفالي ذي رسالة واضحة المعاني خاصة لبريد ( أركان ) النظام وحماة عدالته المذكورين .

  عودة صلاح لموقعه الذي أُقيل منه تعسفا _كما يرى _ ليس بدعا في سجل المؤامرة التي تأكل بعضها بعضا ثم يتم إجترار البعض مرّة أخرى أو تتم محاولة اجترارهم ولو عبر الأشكال الصورية مثل تنظيم الحركة الإسلامية وشورى المؤتمر الوطني وهلمجرا , فقد سبق أن تمّ نشر وتوزيع صور المتهم الهارب الحاج آدم , ليتم اجتراره من خانة الخيانة والهروب إلى ردهات القصر الجمهوري متهكما ومتوعدا ومستهزئا بالشعب , لينزل مرّة أخرى إلى خانات التنظيم في ولاية الخرطوم , بالطبع ليس بالضرورة أن يتم كسب مزيد من الناس للحزب فليس هناك في الواقع حزب يمشي بين الناس بالبرامج والقدوة , بل هناك مصطلح حكومي بمسمى حزب يزول أثره بزوال السلطة دون ريب . وأمثال هولاء كثر في دائرة المائة المتداولين للسلطة والوظائف في بلد يفوق تعداد سكانه ال30مليون نسمة , لكن في الحقيقة تمّ تشريد وطرد غالبية القادة في المجتمع بقانون الإزاحة قصد التمكين وبالملاحقات الأمنية للباقين ومصادرة أسباب الرزق والتضييق على كل كادر محتمل من غير الموالين , ولهم في ذلك فنون وضروب يندى لها الجبين , يعود قوش من منصة المحاكمة الجائرة _بزعمه_ إلى موقع الرقيب الأول في أكثر الأجهزة ارتباطا في أذهان الناس بالتعسف , والسيرة المعطونة في المواجع لأسر وأبناء وبنات فجعوا عبر السنوات بارتباط وثيق في الذهن بفعائل جهاز الأمن , فهل تكون مرحلته القادمة مغايرة , وقد خبر على المستوى الشخصي كيف أنّ الدسائس والمؤامرات في القصور وبين الكبار يمكن أن تُجّرم بريئا وتبرئ المجرمين ؟ هل يستقبل قوش عهده الثاني بفكر مستقيم مغاير بعد أن عاشر أحوال السوق في عمله الخاص , وخالط عامة الناس دون تقرير ؟ هل يواصل ما كان قد بدأه في مستشارية الأمن القومي رفقة زميله حسب الله عمر لينقل جهاز الأمن من خانة الضد لتطلعات الشعب ولو كانت في حدود (اتحاد طلبة جامعة ) إلى ممارسة أخرى تعيد الأمن للشعب ؟ هل في مقدور قوش أن يقاوم دون بطش بالطبع ودون انتهاك لحقوق الخصوم في الحزب والتنظيم وأركان النظام هل في مقدوره هدم الفساد المؤسسي وتغيير بنية السلطة من حاضنة ومفرّخة لكل النقائص إلى بيئة أخرى متحضرة وديمقراطية تخضع للمحاسبة العدلية والإعلامية وفق دستور ديمقراطي واطفاء الحرب باتفاقات سلام عادلة ومشرّفة … أعتقد أن ذلك في خانة المستحيل إلاّ في حالة حدوث تغيير جذري في السلطة وليس نقل هذا من الحزب والقصر والإتيان بهذا ضمن دائرة ال100الكرام , ولأنّ قوش لا يعمل في وسط شفّاف ولا يخضع للرقابة الشعبية فإنّ الإصلاح على يدي صلاح قد يصبح أملا غير قابل للتحقيق , لم يبق كما هو واضح من البداية غير (عبّوا ضراعكم يا رجّالة ومع تحريف بسيط لقول حمّيد الشفيف يرحمه الله ويا نساء ) فالوطن ليس ضيعة وحقوق الإنسان ليست مزحة .