نبيل أديب

كانت الكلمة التي ألقاها السيد عبد الرحمن الصادق المهدي، مساعد رئيس الجمهورية، على بوابة سجن كوبر ( باستيل السودان ) لتسبق إطلاق سراح المعتقلين، تدعو للتفاؤل. بالتحديد حين ذكر أن قرار رئيس الجمهورية بإطلاق السراح يشمل جميع المعتقلين، وكرر ذلك أكثر من مرة، ثم ذكر أن تلك الخطوة ستتبعها خطوات وإن رئاسة الجمهورية تعمل على إزالة الأسباب التي تؤدي للاعتقالات والاحتجاجات. وقد أشار إلى أنه سيتم الاتصال بكل الأطراف الفاعلة في ذلك دون تمييز لأحد، والعمل على صيانة حقوق الإنسان، وإزالة الاستقطاب السياسي في البلاد لصالح الوطن. وأكد المهدي أن الحوار والتراضي الوطني هما الأيسر، والسبيل لمواجهة المستقبل، وأن أفراح الوطن ستتوالى لتمحو الأحزان، مثمناً قرار الرئيس البشير، منوهاً بأنه يمثل رسالة لها ما بعدها من القيادة لمواطنيها الكرام، داعياً لإشاعة روح التعافي والتصافي وطرد الحقد والغضب.

ورغم أن السلطات قد افرجت في تلك الأمسية عن 80 معتقلاً من الذين تم إعتقالهم بسبب الاحتجاجات الشعبية ضد موجة الغلاء، إلا أن ما ذكره السيد مساعد مساعد رئيس الجمهورية لم يتحقق، فلم يتم إطلاق سراح باقي المعتقلين حتى كتابة هذا المقال. ثم جاءت إجابة مدير الأمن الفريق أول صلاح عبدالله “قوش” على تساؤلات صحيفة “الانتباهة” في عددها الصادر، يوم الثلاثاء، حول مواعيد اطلاق بقية المعتقلين السياسيين، مخالفة لما ذكر السيد المساعد، فقد شدد مدير الأمن على أن الرئيس وجه باطلاق بعض المعتقلين وليس كلهم ثم أضاف “إذا تحسن سلوك أحزاب المعتقلين السياسي في التعامل مع ما يجري في الساحة من تحول ديمقراطي، سننظر حينها في اطلاق سراحهم”. وأنا أستبعد صدور هذا الكلام عن السيد مدير الأمن، لأنه مخالف لقانون الأمن، والذي قصر سلطة الإعتقال على حالات التحري في جريمة، ولا شأن لسلطة الإعتقال، حسب القانون، بتعامل أحزاب المعتقلين مع ما يجري في الساحة من تحول ديمقراطي. بالإضافة لأنه لا فائدة للحوار الشامل إذا تم القبول به إستجابة لضغوط. عموما أعتقد أن هذه المسألة لا يجب الوقوف عندها كثيراً، وسننظر فيما بعد لشروط الحوار الشامل، الذي طرحه مساعد رئيس الجمهورية ولنبدأ بأن نلقي نظرة لما ذكره السيد مدير الأمن حين أشار لما يجري في الساحة من تحول ديمقراطي.

مؤشرات لا مظاهر

لا أعتقد أن هنالك مظاهر واضحة لتحول ديمقراطي في الساحة، ولكن هنالك مؤشرات لذلك رغم أن ما ذكر السيد مساعد رئيس الجمهورية لم يتم تنفيذه على النحو الذي أعلنه، إذ تم إطلاق سراح بعض المعتقلين دون البعض الآخر، إلا أن المؤشرات التي أحدثتها التغييرات الأخيرة تحمل إشارات بإحتمال أن يكون هنالك تحركاً جاداً من جانب السلطة لإحداث وفاق وطني تبدو في بعض التغييرات في الجهاز التنفيذي، أهمها التغييرات التي تمت في جهاز الأمن، والتي نرى أنها تغييرات توحي بأن هنالك إتجاه لقبول الآخر، والتعاون معه. ونقول هذا بسبب أن جهاز الأمن قد لعب دوراً كبيراً في الفترة الماضية في توسيع شقة الخلاف بين المعارضة والحكومة، بما كان يتخذه من إجراءات ضد المعارضين، والمجتمع المدني، كنا نراها مخالفة حتى لقانون الأمن على ما به من عوار دستوري.

أعادت إعادة ترتيب البيت الأمني إلى الأذهان أيام مفوضية الأمن، وما كانت تقوم به من محاولة لسماع رأي المعارضين في الأحداث، والتعامل معهم كمواطنين وليس كأعداء.

من الجهة الثانية فإنه قد ظهرت على لسان وزير الخارجية تصريحات حول محاولة السودان لمواصلة التقارب مع أمريكا، وذلك عن طريق حلول المسائل التي تمنع من رفع إسم السودان من قائمة الإرهاب، وقد كان حديث السيد نائب وزير الخارجية الأمريكي حول هذه المسألة واضحاً في أن توفير الحريات العامة، بما في ذلك الحريات الدينية، وحرية الصحافة هي مسألة هامة لتقريب وجهات النظر بين الحكومتين، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

هذه التغييرات في المراكز والسياسات، لن تؤتي أكلها فوراً، فهي تحتاج لوقت، حتى تنعكس على سياسات السلطة. كما وأنه يستبعد تماماً أن تتغير مواقف المعارضة من الحكومة بسبب إجراء واحد، أو تغييرات في أروقة السلطة، فإن هذه المسألة أيضاً تحتاج لزمن، ولإعادة بناء الثقة، وإتصالات مباشرة بين الطرفين.

 

التسوية السياسية
“لا يجوز لنا مخالفة أي حكم في الدستور. لأن الدستور هو الضمان الوحيد لحرياتنا “.
ابراهام لنكون

ما نحتاج إليه في واقع الأمر هو تسوية سياسية، تمنع المخاشنة بين الحكومة والمعارضة، لأنه لا يمكن أن تخضع الحكومة المعارضة لبرنامجها وسلطتها عنوة ،دون أن تتوقع من المعارضة أن تقاوم ذلك بجميع السبل المتاحة لها. إذا كان الغرض من الحوار الشامل الوصول إلى الوفاق الوطني، فعلينا أن نذكر أن أرضية اي وفاق وطني لا بد أن تتم داخل حوش الدستور. لا مجال أصلاً للوصول إلى وفاق وطني إلا بالإلتزام الحرفي بأحكام الدستور، الوفاق لا يعني وحدة البرامج ولا التصورات، وإنما يبدأ عند قبول أساسيات إدارة الصراع، ويسير منها إلى الإتفاق المرحلي لإنجاز المهام العاجلة والأساسية، أما بعد ذلك فلكل تصوراته وخططه.

التسوية السياسية حدودها هو الإتفاق على أساسيات إدارة الصراع. وهذه الأساسيات لا يمكن إيجادها خارج الإلتزام القاطع بالدستور، والدستور يفترض أنه يحكم كل التصرفات السياسية التي تقوم بها الحكومة والمعارضة معاً. هذا يعني أنه لا يستطيع أي طرف أن يطلب من الطرف الآخر الإلتزام بالدستور، دون أن يلتزم هو به، والطرف الذي يجب أن يبادر بذلك هو الحكومة. لماذا؟ لأنها هي الممسكة بزمام الأمور، وهي التي تملك قوة السلطة وتحتكر العنف القانوني، فإذا لجأت لإستخدام القوة والعنف الذي يوفرهما لها الدستور في غير الغرض منه، لا يمكن أن تطلب من المعارضة أن تقف مكتوفة الأيدي، قابلة لذلك. إذاً فإن المسألة تبدأ من جانب الحكومة بتوفير الحريات العامة المنصوص عليها في الدستور، وفي إلتزاماتها الدولية، وما لم تفعل ذلك فليس لها أن تطالب المعارضين بالإلتزام بأحكام الدستور، لأن الدستور هو في أساسه قيد على السلطة، وعلى ممارسة السلطة، فإذا لم تتقيد بذلك ماذا يبقى من الدستور؟

الدستور وأحكامه هو صفقة متكاملة بين الحاكمين والمحكومين، وإلتزام الحكومة بأحكام الدستور، وقبولها للخضوع للمحاسبة، والتبادل السلمي للسلطة، وتوفير الحريات العامة، يلزم المعارضة تلقائياً بعدم اللجوء لأي أسلوب غير دستوري في ممارستها لحقوقها السياسية، وهذا أمر مفروغ منه.

الإنتخابات ومستحقاتها

في حوار تلفزيوني بين الأستاذين محمد وداعة و الهندي عزالدين ذكر الأخير أن التسوية السياسية يجب أن تقوم على الإحتكام للإنتخابات في 2020 . وقد ذكر ذلك بشكل مختلف قليلا الفريق أول صلاح قوش في التصريح الذي أوردناه أعلاه، ولا يمكن لعاقل أن يرفض الإحتكام للإنتخابات، ولكن الإحتكام للإنتخابات له إستحقاقات يجب على الحكومة قبولها. الإنتخابات هي الآلية الوحيدة لتبادل السلطة وفقا للنظام الديمقراطي، والتبادل السلمي للسلطة هو أساس النظام الديمقراطي، لأنه هو حسب تعريف بوبر له ” النظام الذي يسمح بإزاحة الحكام دون اللجوء الي القوة “. وهذا في رأيي أساس الخلاف بين الأنظمة الديمقراطية بمختلف أشكالها، والأنظمة السلطوية بمختلف أشكالها أيضاً. وهو أمر يُلزِم القائمين على الأمر، اكثر مما يلزم المحكومين، لانه ما لم يقبل القائمون على الأمر ان ينزلوا على ما يقضي به صندوق الانتخابات، فإن احد الوسائل التي تكتسب شرعية سياسية نتيجة لذلك، هو لجوء المعارضين لصندوق الذخيرة.

حتى نصل لمرحلة الإنتخابات فإنه يتوجب علينا من جهة تمكين الصندوق الإنتخابي، ومن جهة أخرى إنجاز المهام العاجلة.

تمكين الصندوق الإنتخابي

لكي يصبح صندوق الانتخابات، هو الآلية الديمقراطية للتدوال السلمي للسلطة، يجب أولا ان يكون دورياً، وأن يكون فيه وحده العلاج لأي أزمة دستورية. ولكن هذا لايعني شيئا مالم يكن معلوماً يشكل قاطع، ماهو المطروح في صندوق الانتخابات. حتى يكون لصندوق الانتخابات اية فاعلية، فإنه يجب ان تكون السلطة السياسية مطروحة فيه بشكل منصف لكل القوى المتنافسة عليها، ولذلك متطلبات لايمكن تجاهلها. فيجب ان تكون حرية التنظيم والتجمع متاحة بشكل يسمح، على وجه الخصوص، للقوى السياسية المعارضة للحكومة القائمة، بأن تجمع صفوفها، وتناقش أجندتها علنا ودون خشية. كما يجب ان تكون حرية التعبير، وعلى رأسها حرية الصحافة، متاحة بشكل لايعرف الخطوط الحمراء، وذلك دون مساس بحق الدولة في حماية امنها الوطني (والذي لا يشمل الدفاع عن الحكومة القائمة، ولا سياسات الحزب الحاكم)، كما ويجب ان يكون الحق في عقد الإجتماعات العامة متاحا للجميع، سواء أكان ذلك  في دور الأحزاب، أو في القاعات أو الميادين العامة، وأن لا يتطلب عقدها أكثر من إخطار السلطات لتقوم بواجبها في حماية تلك الإجتماعات. ونفس هذه القواعد يجب أن تحكم المسيرات، والمواكب السلمية. كما ويجب ان تكون اجهزة الدولة الثابتة، كالشرطة، والأمن، اجهزة محايدة، لا صلة لها بالنزاع السياسي الحزبي، و تكون مهامها مبرءة من اي غرض سياسي حزبي.

من الجهة الثانية فان قبول صندوق الانتخابات كآلية تُطرح فيها السلطة السياسية، يعني أن الهوية الثقافية، والدينية، غير مطروحة في الصندوق، والا كان ذلك استدعاءً مبطنا لصندوق الذخيرة، لأن الهوية لا تقررها نتيجة الانتخابات. وهذا مبدأ ينبع في الاساس من دورية الانتخاب والتي تفترض ان تكون المشاريع المطروحة في الصندوق محددة فعلا بأجل التفويض الممنوح، فاذا كان الصندوق الانتخابي يمنح تفويضا لمدة خمس سنوات، فإن المشاريع المتجاوزة لذلك الأجل لا تكون قابلة للطرح فيه، ولا يجوز فرضها بسبب نتيجة أي إنتحابات. السبب في ذلك أن الإنتخابات تمنح تفويضاً محدودا بالزمن وبالدرجة، فهو من جهة تفيضاً ينتهي بإنتهاء الأجل الزمني المحدد له، ومن الجهة الأخرى هو محدد بحدود السلطات الدستورية للحاكم. ويعني ذلك بحقوق المحكومين التي لا يجوز للسلطة إنتهاكها.  لأنه إذا كانت الديمقراطية تعني ان يكون القرار للاغلبية، إلا أن ذلك القرار يجب ان لا يشمل، وبشكل صارم، ما يؤدي لاهدار حقوق الاقلبية.  وعليه فإن محاولة فرض المشاريع المتعلقة بالهوية مخالف لأسس الديمقراطية، ولا صلة له بالتفويض المطروح في الصندوق. ولذلك فقد أخذ على الحركات الإسلامية أنها تؤمن بصوت واحد للشخص الواحد، حتى يتم لهم الفوز بالانتخابات، وبعد ذلك يتحول الشعار ليصبح صوت واحد، للشخص الواحد، مرة واحدة .

 

إنجاز المهام العاجلة

يجب أن تشمل التسوية السياسية  الإتفاق على المهام العاجلة وأن يتم تكوين حكومة الوفاق الوطني لإنجازها. وهي مهام كما سنرى حالاً متداخلة.

يأتي السلام علي رأس تلك الأولويات لأن تاريخ السودان المستقل، هو تاريخ الحروب الأهلية التي لم تتوقف إلا لإلتقاط الأنفاس. يتطلب ذلك تفاوض جاد مع الحركات المسلحة، كما ويتطلب في المدى الطويل إدخال إصلاحات جذرية على النظام الفيدرالي يسمح بإنتقال حقيقي للسلطة من المركز للولايات، والقبول الحقيقي، وليس مجرد القبول اللفظي للوحدة عن طريق التنوع. ولكن في المدى القصير لا بد من العمل الجاد للتوصل لإتفاق على وقف الحرب الأهلية، والبدء في إجراءات تضميد الجراح، والتي تتمثل في آليات الحقيقة والمصالحة، بحيث يمكن أن تنتهي كل آثار الحرب الأهلية في دار فور والمنطقتين.

كما ويجب التوصل لإتفاق على الخطوط العريضة للسياسة الخارجية التي تحقق للسودان ليس فقط قبولاً دولياً، بل أيضاً معاملات إقتصادية تسمح بالخروج عن الأزمة الإقتصادية التي نعيشها الآن.

لا تنصلح السياسة الخارجية إلا بإنهاء الأزمة مع المحكمة الجنائية الدولية. وهذه المسألة يسهل حلها بمجموعة من المسائل والإجراءات تشمل الحل النهائي لآثار الحرب الأهلية، وإقرار الخضوع للمحاسبة داخلياً وفق آلية الحقيقة والمصالحة، وفي إتفاق القوى الرئيسية على تجاوز ما أحدثه دخول العنف والإجراءات السلطوية من مرارات، ووضع اللبنات الأساسية لوطن متعافي.

 لا شك أن حل الأزمة الإقتصادية يتطلب التكاتف من الجميع، ولكن الوفاق الوطني بما يستند عليه من قبول دولي، وخضوع للمحاسبة، وسيادة حكم القانون، كفيل بإستقطاب الدعم الإقتصادي اللازم من المجتمع الدولي، والإستثمار الأجنبي، مع عودة تدفق مدخرات المغتربين. يجب أن يشمل الإصلاح الإقتصادي التوصل لإتفاق حول الخطوط العريضة لتحرير الإقتصاد من قبضة الفساد، ومن تدخل الأجهزة التنفيذية في العمل التجاري، ومن إخضاعة لإعتبارات الصرف على الأجهزة التنفيذية.

 كما ولا بد من تحديد فترة تتم فيها إبعاد النفوذ الحزبي عن الأجهزة التنفيذية وتأكيد حياد أجهزة الدولة وبعدها تماماً عن الإنتماء الحزبي.

 هذه هي مهام حكومة الوفاق الحزبي وكانت مجموعة ال 52 التي تشرفت بعضويتها، قد إقترحت من قبل تفادياً للنزاع الحزبي حول الكراسي، وحتى لا يسود تشكيل الحكومة المحاصصة، فقد إقترحنا أن تتكون حكومة الوفاق الوطني من مهنيين مشهود لهم بالبعد عن اللون الحزبي الصارخ، مع وقوفهم في جانب ما يحقق المهام المذكورة، وبروزهم في ممارستهم لمهنتهم.

وعلى تلك الحكومة بعد إنتهاء الفترة المحددة لها، أن تشرف على إنتخابات حرة نزيهة يتولى بعدها الحكم من يختاره الشعب.

إذا سارت الأمور وفقاً لهذا السيناريو فإن تحقيق الوفاق الوطني لا يبدو بعيد المنال، أما خلق سراب وإطلاق أسماء عليه ،فلن يحركنا من المكان الذي نقف فيه قيد أنملة.

نبيل أديب عبدالله

المحامي