التغيير- هولندا

تحت رعاية مركز (فنار)، و(مشروع سلام لاهاي)، أقيمت مساء الجمعة الموافق 23 فبراير 2017 بمدينة لاهاي بهولندا، ندوة عن حرية التعبير في السودان، وتطرقت الندوة لمواضيع مختلفة ومتشعبة شملت الأوضاع الاقتصادية والدينية وقضايا الهوية، حيث تحدث فيها كل من: الدكتور أحمد حسين آدم، الأستاذ الكاتب فتحي الضو، الناشط محمد حسن التعايشي، الدكتور أبكر آدم إسماعيل، الأستاذة نمارق عبد النعيم والدكتور سامي موسى. أدار الندوة الأستاذ محمد عبدالحميد وقدمت له الأستاذة شهد الملك، وحضر الندوة لفيف من السودانيين والأجانب.

ابتدر الحديث الدكتور أحمد حسين آدم، الباحث بمدرسة القانون بلندن والناشط في قضايا دارفور، موضحاً أن الوضع الراهن في السودان مأزوم تماما، وأشار إلى أنه وفي لحظات انعقاد هذه الندوة هناك أعداد كبيرة من المعتقلين داخل زنازين النظام، ليس من أجل شيء سوى أنهم خرجوا للتعبير عن حقوقهم التي يكفلها الدستور والمواثيق الدولية. وقال آدم أنه صحيح قد تم إطلاق سراح البعض ولكن لا تزال أعداداً كبيرة منهم رهن الاعتقال. وأشار في معرض حديثه لتصريحات رئيس جهاز الأمن والمخابرات الوطني الفريق أول ركن صلاح قوش، عن تحسين سلوك الأحزاب حتى يتم إطلاق سراح منسوبيها، ووصف ذلك بأنه سلوك قمعي يجسد انتهاك حريات التعبير التي درج النظام على مواصلتها، وربط قياس حرية التعبير في السودان بما حدث ويحدث من إبادة جماعية في إقليم دارفور، والملايين الذين قتلو وجرحوا وشردوا في تشاد، وتغطية الإعلام لتك الانتهاكات، منوهاً لأن الآلاف في إقليم جبال النوبة لا تصلهم الإغاثات. وذكر في معرض حديثه كيف أن دول العالم الأول تسمح بحرية التعبير على كافة المستويات دون قيد أو شرط، ولكن في السودان فإن التعبير غير مسموح به ويعاقب عليه بالقانون خاصة فيما يتصل بقضايا الهوية والحريات الدينية وحقوق الإنسان، وهو ذات الأمر الذي أدى لانفصال جنوب السودان الأمر الذي جعل الرئيس السوداني عمر البشير، والملاحق بواسطة محكمة الجنايات الدولية،  يتحدث مباهياً عقب الانفصال بأن السودان الآن قد أصبح عربياً خالصاً. وذكر بأن الانتهاكات مستمرة وتحدث يومياً في في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، انتهاكات تطال الأطفال والنساء والشيوخ، وأشاد بالدور الكبير الذي يقوم به راديو دبنقا في توثيقها وفضحها، وقال أن تلك الانتهاكات والمجازر تحدث يومياً والحكومة تغض الطرف عنها بل وقد تحولت إلى حكومة (بزنس) من قمة هرمها الرئيس عمر البشير وأسرته حتى أصغر مسؤول بعد أن إمتلكوا الفلل الفارهة في دبي. وقال بأن الحكومة أفلست ولا تمتلك أي رؤية للحل، وما قالوه عن تنفيذ توصيات مخرجات الحوار الوطني كان مجرد وعود واهية، فأكثر من مائة توصية لم تنفذ على أرض الواقع خاصة التوصيات المتعلقة بحرية التعبير، مجرد حبر على ورق، والحكومة أدمنت توقيع الاتفاقيات والمعاهدات الكثيرة وفي جوهر الأمر لا تلتزم إطلاقاً بتنفيذ أي شيء، فالنشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان أوضاعهم مزرية، وحريات التعبير والدين والهوية شعارات في دولة دكتاتورية تستعبد شعبها،  فلا بد من تهيئة البيئة وانتزاع الديمقراطية ولابد من دفع الثمن لذلك، ونبه الجميع إلى النهوض بمسؤولياتهم في الدعم والتدويل وتنسيق حملات وطنية واقليمية ودولية مستمرة لانتزاع الحق في حرية التعبير، وختم حديثه قائلاً: وبرغم كل مايحدث فلا زلنا متفائلين.

من جانبه قال الأستاذ الكاتب والصحافي فتحي الضوء، إن حرية التعبير في السودان تعاني منذ سطو الإسلاميين على السلطة في السودان عام 1989، حيث قاموا ابتداءً بإغلاق الصحف، وضيقوا على النشاطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وحتى فترة اتفاقية السلام الشامل (CPA) 2005-2011 والتي من المفترض أن تشهد تحسناً في أوضاع حرية التعبير لم تضف شيئاً يذكر ماعدا القليل. وبعد انفصال جنوب السودان تردت حريات التعبير والتضييق بصورة بشعة حيث تم اعتقال وتعذيب وتشريد مئات الإعلاميين حتى تفرقوا في أصقاع الأرض المختلفة، واشتد التضييق على الصحف، كما تم منع الصحفيات والصحفيين من الكتابة بواسطة جهاز الأمن، وتعاظمت المراقبة الذاتية الداخلية للصحف، حتى بدأت الصحف المستقلة في الانهيار، خاصة بعد محاربتها وحرمانها من الإعلانات، وأصبح جهاز الأمن مهيمناً ومسيطراً على معظم الصحف يصححها كيف يشاء عن طريق الرقابة القبلية والاستدعاءات والمحاكم، ويتحكم في مدخلات الطباعة وأسعار الأحبار والورق كيف يشاء، ويعتقل بدون محاكمات، وقال إنه في الوقت الراهن هناك الكثير من الصحفيين معتقلين وغير مسموح حتى لذويهم بالزيارة.

محمد حسن التعايشي تطرق لأوضاع حريات التعبير وسط الشباب والطلاب، وأشار إلى أن الوضع الطلابي غير منفصل عن الوضع العام. وقال أن هنالك أكثر من 300 جامعة وكلية ومعهد عالي، كان الموت حاضراً وسط الطالبات والطلاب لا لشيء سوى تعبيرهم عن حقهم وحلمهم بحياة أفضل، وأشار إلى أعداد الآلاف من الطالبات والطلاب الذي اعتقلوا وعذبوا وشردوا وحرموا من الجلوس للامتحانات، بل ورفت البعض منهم لأنه يحمل أفكاراً مختلفة عن التوجه السياسي للجامعة. وأشار إلى إحكام النظام قبضته وسيطرته على الاتحادات الطلابية بغرض تركيعها وكسر شوكتها وتحويلها لتابع له، كما نوه إلى تقرير “أمنستي” الذي وثقت فيه انهيار البيئة الطلابية؛ وكيف أن النظام يستخدم سلطته ويبطش بالطلاب، وقال بأن الحل يكمن في دعم حركة التغيير الشبابية أو الثورة ضد النظام.

من جانبه قال الدكتور الناشط والكاتب أبكر آدم إسماعيل، إن حرية التعبير في السودان ترتبط بالقوانين القمعية المقيدة لها، ولكن في ذات الوقت هنالك دور مجتمعي ينبغي الالتفات إليه وهو ما يتصل بقضايا الأمية واللغة والفقر. وذكر بأن السودان منذ فجر استقلاله وهو في حالة حرب داخلية حتى الآن، وأوضح بأن قطاع كبير من الشعب بات مقتنعاً (إن كنت راغباً أن يكون صوتك مسموعاً فينبغي عليك أن تحمل سلاحاً). وأوضح أن مشكلة الأمية مشكلة قائمة حتى الآن حيث تشير الاحصاءات إلى أن 31% من الشعب السوداني أميين ويجب علينا الانشغال بهذه القضية المهمة ومحاولة خلق حلول لها كيما نضع أنفسنا في الطريق الصحيح.

نمارق عبد النعيم، الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، قالت إنها عندما تسمع جملة حرية التعبير تترتبط عندها بالسياسيين الذين يضعون القوانين المقيدة للحد من تطور المرأة ويسعون حثيثاً للتضييق عليها، وقالت أن هذه واحدة من خصائص المجتمع السوداني البطرياركي. وأضافت أن الاسبوع الماضي تم إطلاق سراح النساء، وهي فخورة أن المرأة السودانية نهضت للدفاع عن حقها ولم تعد تخشى الموت في سبيل ذلك وقد كان صوتها مسموعاً من داخل المعتقل. وعددت التحديات المعيقة للمرأة ومنها قانون زواج الطفلات الذي يسمح بالزواج منذ سن العاشرة، وقضية الختان الذي يشوه النساء، وجرائم الاغتصاب خاصة لنساء الهامش، وقالت بأنها ظلت لفترة طويلة مشغولة بقضية التغير، ليس لأوضاع النساء فحسب بل لكل الوطن، وأعربت في ختام مداخلتها عن أسفها الكبير لدعم الاتحاد الأوربي لقاتل مثل الرئيس عمر البشير، وقالت: رسالتي للاتحاد الأوربي أننا نعيش في عالم واحد ومتى ما تأثرت الأوضاع سلبياً في السودان سوف تنعكس على دول الاتحاد الاوربي آجلاً أم عاجلاً، فينبغي عليكم التوقف فوراً عن دعم نظام الانقاذ.

المتحدث الأخير الباحث سامي موسى، سرد بعض النماذج العالمية على مر العصور المرتبطة بتحديات حرية التعبير، وأشار إلى قصة الرازي في بغداد، وجالليو في إيطاليا، والأستاذ الشهيد محمود محمد طه في السودان. ثم أوضح بأن الحكومة ليست لها رؤية تنهض بالوطن، وضرب مثالاً بالتخبط الكبير الذي صاحب عشوائية الأسلمة والتعريب وإسلام المعرفة، وأوضح أن الانهيار أصبح شاملاً ليس على نطاق حرية التعبير فحسب بل في كل أركان الدولة وختم حديثه بضرورة اجتثاث الفساد في السودان والذي أصبح السمة الملازمة للنظام.

ابتدأت الندوة عند الثالثة مساء وانتهت عند السادسة والنصف. وقدم جميع المتحدثين والمداخلين مشاركاتهم باللغة الانجليزية.