خالد فضل

هل يستطيع أجعص اقتصادي في العالم وصف الحالة الاقتصادية الراهنة في السودان ؟ أشكُّ في ذلك ؛ إذ لا توجد في الواقع أي ملامح لبرامج أو سياسات أو خطط إقتصادية واضحة المعالم يمكن القياس عليها , مجرد تدابير أمنية فقط لمعالجة كارثة حلّت بالشعب , لقد ازداد ضنك الحياة في السودان بصورة غير مسبوقة , وبات الناس تلفّهم الحيرة التامة , ونما القلق ليس على المستقبل البعيد بل في ذات اليوم الذي يعيش فيه المواطن.

 جُبتُ بضع صيدليات في منطقة شرق النيل منتصف الإسبوع الماضي باحثا عن علاج الملاريا لطفلي الصغير , اسم الدواء (كوارتم) عثرت على بديل له هندي الصنع بشق الأنفس , كانت الحمى تهرس في الجسد النحيل هناك في البيت , وكنت ببصيص (شوف) أجوب الصيدليات بحثا عن هذا الكوارتم , هذا الصيدلي يتضامن معي ويصف لي صيدلية هناك , أجد الكهرباء مقطوعة وصوت  المولّد يلعلع , مازحت الصيدلي (كهربتكم قاطعة أوعى الدوا برضو قاطع ؟) أجابني بفتور ؛ حسب الطلب . قلت ذاك الدواء . قال آخر (استوك عندنا انتهى ) لملمت بقايا خيبتي وخرجت . تذكّرتُ أنّ صيدليا آخر كان قد قال لي قبل قليل ( والله يوم يومين تلقانا قاعدين في كراسينا خارج الصيدلية لو ما جاتنا إغاثة !)متى ومن أين تأتي الإغاثة لا أحد يمتلك الإجابة , وتستمر الأوضاع تدهورا , تزداد وتائر السرقات الليلية , والنهب في وضح النهار , وخطف الحقائب والهواتف من الأيادي , ويستمر حبس السياسيين المعارضين كذلك , تنقلات وترقيات ومعاشات العسكريين والأمنيين وكابينة ما يسمى ب (الحزب الحاكم ) , والجمهور يتداول قائمة الأسعار في الحافلات (إن وجدوا فيها موطئ قدم ) الشاي الرطل 120ج , السُكّر نزل شوية الكيلو ب 20ج , اللحم , الزيت , الصابون ….إلخ , تفزعك الأرقام وتدخل مباشرة في أجواء الحيرة والقلق , ويدير سائق الحافلة ؤشر الراديو محطّات الإف إم بلا عدد , كل يوم محطة جديدة , تلك تعظ الناس وتذكرهم بالجنة والنار , أخرى تطرح موضوع (لون زينب ) وثالثة للدعايات وزيوت فوكس , ونشرات الأخبار ما شاء الله , افتتح واستقبل وبحث , لا تجد أثرا لاصطفاف الناس منذ الثالثة ظهرا حتى أواخر المساء انتظارا لبوق سيارة تنقلهم لجزء من المشوار , لم تعد في الخرطوم خطوط مواصلات مباشرة , على الأقل أقف يوميا في شارع الجمهورية في وسط السوق العربي تمرّ بي حوالي 600 حافلة كلّها تقصد صينية بري قبالة كبري كوبر , المحظوظون يكتشفون بعد وصولهم إلى هناك أنّ حافاتهم تتجه إلى مقصدهم في الحاج يوسف أو الدروشاب . تلك قصة أخرى عجز عن حلّها الوالي وتحدى من يستطع حلّها في قولته المشهورة عن (الصلعة ) .

  من ذاك الماجد من أهل الإقتصاد يصف نوع السياسات الإقتصادية منذ مطلع هذا العام على الأقل , أهي سياسات وبرامج السوق الحُر ؟ ذلك البرنامج القاسي الذي ارتبط ب (عبدالرحيم حمدي ) وملخصه , التخلُّص من كل المؤسسات العامة المملوكة للدولة (تُقرأ المملوكة للشعب ) إمّا بالخصخصة أو الإلغاء , وتخلي الدولة عن واجباتها في كفالة حقوق الشعب في التعليم والصحة والعلاج وسائر الخدمات الأساسية    مقابل ذلك تمّ تدمير مشروع الجزيرة الزراعي وبيعت ممتلكاته في بورتسودان وبريطانيا وقوز كبرو ومارنجان والملكية والحصاحيصا وبركات , ممن المشتري ومن الرابح ؟ كلو في عُرف السوق الحر مباح , شركة الأقطان تُباح , سودانير والبحرية والأشغال والمخازن والمهمات وكناف أبي نعامة ونسيج شندي والصداقة وحتى مستشفى الخرطوم ! يُستخرج النفط وتقوم عشرات الشركات , تنبت البنوك والمستوصفات والجامعات والمدارس ذات الأسماء الانجليزية , وشركات الطرق والاتصالات والمولات في المساجد وخارجها , وتمتلئ الشوارع الثرية بلافتات محلات المشويات وكل أصوات (الدجاج ) , والصرافات والدولارات والدراهم واليورو التي يتم سرقة بعضها من المنازل , كما حدث لأكثر من شخص من  الشخصيات البارزة في سلطة الإنقاذ الاسلامية ذات السوق الحُر !  لم تتوقف الحروبات في أخصب وأغنى أقاليم السودان , لأنّ( 1,8) مليار من الوديعة القطرية الدولارية تمّ صرفها ودخولها في الجيوب المنتفخة في الخرطوم , والقول للدكتور تاج الدين نيام أحد الوزراء السابقين في السلطة الإقليمية لدارفور التي كان يرأسها د. تجاني السيسي , معلّقا في ورشة عمل عقدت في نيالا قبيل ثلاث سنوات وكان السؤال عن 2مليار دولار قطرية كيف صُرفت . تمّ اعتماد الكُرباجالجنجويدي كحل لقضية المظالم التنموية والاجتماعية في دارفور , وصار الدولار يعلو وهبط في سوق الخرطوم , وحمدي يعد بجنازة معتبرة للصناعة السودانية بعد أن أمّن مستقبل أبنائه ب (بنك ) ! لم تكن جنازة حمدي تشاؤما لكنها الحقائق التي كشفت عورة ما ارتكب (الإخوان ) من جُرم في حق السودان , حتى أوصلوا شعبه إلى هذه المراحل المريرة من الذل والهوان . ضحكت الإسبوع الفائت عند مشاهدتي لمقطع فيديو على تطبيق الواتساب لأحد الساخرين وهو يعلن ترشحه لرئاسة الجمهورية وبرنامجه (غنماية لكل مواطن ) المواطن غنماية ,المواطنة غنماية, أي وزير غنماية والرئيس ذاتو غنماية , بمناسبة الغنم أين الإكتفاء من الفراخ؟ أ لم يك وعد المتعافي المشهور (سنجعل الفراخ طعاما للفقراء ! ) أين إنتاج مزارع الألبان والتسمين التي يمتلكها رهط من المسؤولين والإسلاميين والإنقاذيين لماذا لا يتم بيع منتجاتها للجمهور بسعر رمزي سدّا لفجوة الغذاء الطاحنة , والسوق الُحر وما أدراك ما هو , والدولة التي قيل بانسحابها من السوق تنشئ في الشركات التجارية لتصبح المنافسة معدومة , والنقود التي تدخل النوك تتحكّم الحكومة في صرفها لأصحابها , ختى مرتبات العاملين تّ صرفها بعد ملاواة ووساطات , والسوق حُر ومعظم الموردين وقطاع الأعمال قد توقف , أي سياسات تلك وأي خطة هذه العقيمة , فهل تمّ التخلي عن برامج السوق الحر ؟ هل تمّ العودة لبرامج اقتصاد الدولة أو الإشتراكية ؟ أ لا أحد يعرف شيئا وليس في وسعه معرفة شئ لأنّ الأهم لنتخابات 2020 تقوم أم لا تقوم , والدستور يعدّل أم يظل خيال مآتة , ولولئح الحزب أتواكب أم تتخلّف , هذا هو الأهم .