رشا عوض

السودان يعاني من أزمة مزمنة ذات طابع مركب ومعقد، وبالتالي لا بد أن يتصف العقل الذي يتصدى لمعالجتها بالقدرة على الاستيعاب الشامل والعميق لكل العوامل المسببة لهذه الأزمة والمؤثرة عليها، لاجتراح الحلول الموضوعية التي ترقى لمستوى ذلك “التركيب والتعقيد”.

وفي هذا السياق فإن مناقشة “سؤال الهوية” على خلفية  “خطيئة الاستعلاء العرقي من قبل المجموعات المسلمة المستعربة في الشمال والوسط على شعوب السودان غير العربية بمن فيها من المسلمين ومن ثم هيمنة عقلية الفرز العنصري الموروثة من مؤسسة الرق اجتماعيا وسياسيا ” لا بد أن تحتل    حيزا معتبرا في تحليل  الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كابدها السودان منذ استقلاله عام 1956 ، والتي شهدت العقود الثلاثة الماضية أكثر فصولها دموية وانقساما إذ مرت الدولة السودانية بمنعطفين كبيرين (الحرب الأهلية في دارفور وما ارتكب خلالها من جرائم حرب،  انفصال الجنوب عام 2011 ثم تجدد الحرب في الجنوب الجديد).

ولكن لا بد من التمييز بين  النظر إلى “أزمة الهوية” وما ترتب عليها من عنصرية وتهميش كأحد عناصر الأزمة الشاملة في البلاد وبين اختزال أزمة السودان المركبة والمعقدة في عامل واحد هو عنصرية الشمال والوسط وما يسمى “بثقافة المركز الإسلاموعروبي”، فهذا المنهج مضر جدا بقضية المهمشين في السودان لأنه يؤسس لعقلية الاصطفاف السياسي على أسس عرقية وجهوية ويصور الصراع السياسي كمواجهة ثنائية بسيطة بين  “من يعرفون أنفسهم كعرب” و”الأفارقة”، مثل هذه الثنائيات يمكن أن تنجح في التعبئة للحرب أو تغذية النزعات الانفصالية، ولكنها يستحيل ان تنجح في بناء مؤسسات سياسية ذات فاعلية وجدوى في قيادة شعوبها نحو التقدم عبر مكافحة أمراض التخلف المستوطنة في السودان وهي أمراض عابرة للأعراق والثقافات والمناطق، ولا سبيل لمعالجتها إلا بتكريس مبادئ الحكم الراشد وعلى رأسها قيم الشفافية والمحاسبة والمؤسسية وسيادة حكم القانون في سياق توجه ديمقراطي وتنموي، وهذا بكل أسف ظل غائبا عن حركات الهامش السوداني المسلحة وعلى رأسها الحركة الشعبية بجناحيها الحاليين وكل أجنحتها السابقة!

وغياب الرؤية الواضحة والبرامج الاقتصادية والتنموية والافتقار للتقاليد السياسية الديمقراطية في إدارة الاختلاف هو السبب الرئيس في نموذج الحكم الفاضح الذي قدمته الحركة في جنوب السودان: فساد أرعن أدى إلى نهب  موارد شعب مسحوق لصالح ترف الثوار الذين فضحت فسادهم مبادرة “سنتري” المتفرعة من مشروع “كفاية” بقيادة جورج كلوني، فشل تام في التنمية والخدمات،    ثم صراع دموي على السلطة ارتكبت فيه  جرائم حرب وفظائع أذهلت العالم، استبداد غليظ وغياب لحكم القانون بصورة مروعة، ولوردات الحرب مواصلون في جمع المال بملايين الدولارات والشعب يتعذب في جحيم التشرد والأوبئة والمجاعات.

ظننا – وليس كل الظن إثم- أن الجرائم التي ارتكبتها الحركة الشعبية والجيش الشعبي في جنوب السودان ستكون نقطة تحول تاريخي تدفع مثقفي الهامش تحديدا وكل مثقف سوداني انتمى أو تعاطف مع ما يسمى “بمشروع السودان الجديد” إلى إعادة النظر في هذا المشروع وتناوله بصورة نقدية تستكشف جذور أزمته، فبعد الذي حدث في جنوب السودان أصبح التشكيك في أهلية الحركة الشعبية لخدمة قضايا المهمشين مشروعا جدا، ولكنني في اليومين الماضيين فوجئت ان كثيرا من الرفاق في الحركة الشعبية ما زالوا يظنون أن الأشياء هي الأشياء!

فقد دار نقاش على الفيسبوك حول هذا الموضوع على خلفية صورة نشرها الأستاذ ياسر الناير لهيئة أركان الجيش السوداني وعلق عليها قائلا” قيادة هذا الجيش لاتعبر عن السودانيين بتنوعهم الاثني والثقافي والديني …..الخ ، وقطاع واسع من السودانيين لم يرو أنفسهم في “مراية السودان” علي حد تعبير الدكتور جون قرنق دى مبيور ، وإمكانية تكسير هذه المراية وارد اذا ما استمر هذا الوضع المستفز ، تمسك الحركة الشعبية _شمال باستقلالية جيشها لم يأتي من فراغ لضرورة وجود جيش وطني شريف يعبر عن كل السودانيين جنوبا،شمالا ، غربا، شرقا ، وسطا يحقق توازن الرعب علي مستوى الدولة ويحفظ المكتسبات السياسية لجميع السودانيين ويحفظ كرامتهم” انتهى البوست الذي علقت عليه بقولي” جيش الحركة الشعبية نفسه  لو عرضت لنا صورة لقياداته سيكون نفس صورة جيش البشير ! بمعنى (انو ما كل السودان حيشوف نفسه فيهو)! والمصيبة الاكبر ان الجيشين الاتنين نفس الملامح والشبه في سلوكهم تجاه المواطنين والسبب هو التشابه بين القيادات! وشفنا عمايل الجيش الشعبي في جنوب السودان! فعلا القصة توازن رعب ولكن ليس لصالح جميع السودانيين! بل هو توازن رعب لصالح نخب سياسية أنانية وفاسدة وليس لديها اي برنامج لصالح مواطنيها”! .

هذا هو تعليقي فماذا كان رد الرفاق؟

السيد عمار نجم الدين فسر انتقادي للحركة الشعبية بأنه موقف عنصري ضد تيار عبد العزيز الحلو لأنه ليس من بني جلدتي!! وزعم انني أدافع عن ياسر عرمان لذات الأسباب العنصرية! رغم أنني لم أدافع عن عرمان مطلقا بل على العكس تماما انتقدته وحملته مسؤولية الانقسام الذي حدث ولكن السيد عمار لا يقرأ!  ليس هذا فحسب بل دبج قائمة شملت كلا من الأستاذ محجوب محمد صالح والدكتور حيدر ابراهيم علي والأستاذ كمال الجزولي والدكتور عمر القراي والاستاذ الحاج وراق إضافة إلى شخصي الضعيف وأطلق على هذه القائمة مسمى “أحفاد كرام القوم” ضد علي عبد اللطيف!! ووصفنا جميعا بالعنصريين المركزيين!

فأي كاتب إما أن يكون “حكّامة” لتيار الحلو وإما أن يكون عنصريا!

وكل حجة عمار ضدي بناها على كذبة بلقاء  وهي انني لم انتقد الجيش الشعبي إلا بعد تاريخ 17 مارس 2017 م اي بعد الانقسام ومغادرة عرمان، لأن دوافعي عنصرية وليست أخلاقية!  وعندما أرسلت له روابط لمقالات كتبتها منذ عام 2014 في انتقاد الحركة الشعبية والجيش الشعبي وارسلت له بالنص مقالي المنشور والمتضمن لانتقادي لعرمان أصر على المغالطة! وقفز إلى ان صحيفة التغيير نشرت فيديو مبتور لعبد العزيز الحلو يتحدث فيه عن الانفصال وان هذا ترويج لحملة عرمان ضد الحلو التي تتهمه بالانفصال!  ويبدو ان السيد عمار غير مطلع على وثائق حركته التي تبنت تقرير المصير والذي لا يعني في السودان سوى تقرير الانفصال!

أما الأستاذ عثمان نواي فاستنكر الاستدلال  بتجربة الحركة الشعبية في جنوب السودان على فشل حركات الهامش السوداني ولا سيما الحركة الشعبية شمال وقال بالحرف الواحد” ما يعاني منه الجنوب الان ليس سوى آلام شعب يعبر عن صدمته النفسية الداخلية من حروب مستمرة منذ 200 عام فشلت نخب ومثقفين المركز من إدراك أهمية وضع نهاية لها بعد الاستقلال وحتى حدوث الإنفصال لأنها جبنت عن محاربة العنصرية داخلها وداخل كياناتها ” فالاستاذ عثمان حتى بعد ان أصبح جنوب السودان دولة مستقلة يتهرب من تحميل مسؤولية الفشل في إدارته لنخبة الحركة الشعبية الفاسدة والمستبدة ويقسم المسؤولية بين المركز ونخبه والشعب المصدوم اما ناس سلفاكير (فطلعوا من الموضوع زي الشعرة من العجين)! بل وكان في غاية الضيق من استعراض فشل وفساد نخب الجنوب حرصا على إنقاذ نظرية “المفاصلة العرقية” التي يتبناها والتي حتما ستنهار أمام مشاهد قتل المهمشين بأيدي بني جلدتهم وفي دولتهم المستقلة!

والغريبة ان الاستاذ عثمان كتب باستفاضة عن ان عدم التنوع في الجيش الشعبي أمر طبيعي جدا لأنه جيش يعبر عن المضطهدين من إثنيات محددة وأهل هذه الإثنيات هم الممثلون الطبيعيون لقضية الهامش!! أما الآخرون فهم متضامنون!! ولكن السيد عثمان لكي يصل بحديثه الغريب هذا إلى نهايته المنطقية كان عليه ان يطالب “الجيش الشعبي لتحرير السودان” بتغيير اسمه إلى “الجيش الشعبي لتحرير النوبة والانقسنا ” مثلا! وتمتد المطالبة لحركات دارفور بأن تكف عن تسمية نفسها بحركات تحرير السودان وتتسمى بحركات تحرير الفور أو الزغاوة أو المساليت!!

ولكن السياسة السودانية سواء في المركز أو الهامش  بطبيعتها ساحة اللامعقول واللامنطق!

وفي سياق الهروب من مواجهة السؤال الأخلاقي والسياسي الذي يحاصر نخب الهامش على خلفية مأساة الجنوب يلجأ عثمان نواي وعمار نجم الدين لرفع الفزاعات المعهودة أمام الآراء الناقدة لحركات الهامش والصادرة ممن ينتمون عرقيا للشمال أو الوسط، فعثمان   استبطنت كل ردوده الاتهامات المجانية بأن النقد هو مؤامرة تستهدف تجريد قضية الهامش من المشروعية وإدانة النضال والمقاومة انطلاقا من انحياز مستتر للمركز! وتلغيم الحوار كله بإيحاءات التشكيك في النوايا والأهداف من طرق قضية اخفاقات نخب الهامش وسبب التشكيك هو الانتماء العرقي للمركز! وعندما أرد على عبارة مثل” لماذا لا تحاربي العنصرية في المجموعة المهيمنة في المركز الذي تنتمين إليه” بأن كل كتاباتي في هذا الاتجاه يقفز الاتهام بالمن والأذى على أهل الهامش!!

ومثل هذا الخطاب هو وجه آخر من وجوه الأزمة في الثقافة السياسية للهامش السوداني المرتبطة بعقلية المفاصلة العرقية التي لا تتصور ان المنتمي للمركز يمكن أن يكون جزء أصيلا من مشروع إنصاف الهامش والنهوض به والدفاع عن مصالحه لاعتبارات فكرية او اخلاقية أو من باب العقلانية السياسية ومن هذا المنطلق يحق له توجيه النقد السياسي  لنخب الهامش، فحسب الفرز العرقي لابد ان يكون الشمالي منحازا لبني جلدته! وفي حالة شذوذه عن القاعدة فلا يمكن ان يكون فاعلا إيجابيا في قضايا الهامش إلا عبر الإذعان التام والانقياد الأعمى للقيادات المنتمية عرقيا للهامش وتبديل سيئاتها حسنات! واي كلمة نقد هي عنصرية وتواطؤ آيدولوجي!

وبهذا الابتزاز تسعى  حركات الهامش ولا سيما الحركة الشعبية لاكتساب حصانة مطلقة من اي نقد وهيهات!

في السودان ماضي عنصري ولكي يتقدم لا بد من تصفية حساب مع هذا الماضي عبر مصالحة تاريخية عناصرها الاعتراف والاعتذار والعدالة الانتقالية والتدابير السياسية والاقتصادية والتنموية والتعليمية والتربوية للعبور إلى دولة المواطنة المتساوية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومثل هذا المشروع يتوقف انجازه على وجود كتلة تاريخية راغبة ومؤهلة لذلك ومثل هذه الكتلة لن تتشكل في ظل سيادة عقليات المفاصلة العرقية في كل من المركز  والهامش.