د.الشفيع خضر

الحروب، ظاهرة تسيطر على تاريخ وحاضر العالم. لكن، مع كل حقبة زمنية جديدة ظلت دوافع الحرب تتشكل وفق محاذير أكثر صرامة، متجاوزة فكرة أن النار يمكن أن تشتعل من مستصغر الشرر. فلم يعد يكفي مثلا أن تصرخ امرأة «وا ذلاه..، يا لتغلب»… حتى تندلع الحرب بين القبائل، أو يقتل قومي صربي ولي عرش هيبزبورغ حتى تقوم حرب عالمية أخرى!
أما آلة الحرب وأدواتها، فأيضا مع توالي الحقب الزمنية، ظلت تتطور بسرعة هائلة وفي تناسب طردي مع درجة هلاك البشر والدمار في العالم، محدثة مفارقة عجيبة.
فبدل البتار الذي كان مع كل حركة واحدة يزهق نفسا واحدة فقط، جاء السلاح الفتّاك الذي بحركة واحدة فقط منه ينهي مئات الأرواح. ومع ذلك، ظل ديدن الناس دائما الولاء لشعورهم الغريزي والطبيعي الرافض للحرب وما تخلفه من موت ودمار وشل للقدرات، غض النظر عن مسببات ودوافع هذه الحرب. وقديما كتب كروزوس «في السلام الابناء يدفنون آباءهم، اما في الحرب فالآباء يدفنون ابناءهم». ولعله من البديهي القول أن هذا الشعور الغريزي والطبيعي الرافض للحرب، لا ولن ينهي أو يتجاوز الخلافات والصراعات، ولكنه يدفع بتطوير وسائل حلها إلى الحوار والتفاوض بدلا عن الاقتتال، في تناغم تام مع معنى التطور الحضاري، كما جاء في إشارة دورثي ثومبسون القائلة بأن «السلام ليس هو غياب النزاع بل وجود البدائل الخلاقة للاستجابة للنزاع، البدائل لردود الفعل السلبية أو العدائية، البدائل للعنف».
وبالفعل، ومع مرور الزمن، تبلور هذا الشعور وتجسد في تقاليد ومواثيق وعهود ظلت تدريجيا تكتسب إحتراما وأنصارا بهدف منع الحرب والحفاظ على السلام العالمي. أنظر، مثلا، إلى حالة الحرب الأمريكية ضد الشعب الفيتنامي في ستينات القرن الماضي. فرغم الجهود المكثفة التي بذلتها القيادة الأمريكية آنذاك، ورغم استنفار الآلة الإعلامية الضخمة، والتي ظلت تعمل ليل نهار لتعبئة جميع قطاعات الشعب الأمريكي وإقناعها بمبررات وأسباب الحرب، ومن أجل توحيد الجبهة الداخلية خلف الآلة العسكرية الضخمة للولايات المتحدة وهي ترسل حمم الموت على مقاتلي الفيتكونغ، رغم كل ذلك، انتفض الشعب الأمريكي وأنتظم في حركة قوية مناهضة للحرب ورافضة لتورط الجيش الأمريكي في فيتنام.
واستخدمت تلك الحركة المناهضة للحرب سلاح المظاهرات واحتجاجات الشوارع والندوات والمخاطبات، والتي كانت تتغذى وتتقوى من إبداعات الشباب المتمثلة في المنشورات والشبكات العديدة للصحف المستقلة والمخصصة ضد الحرب، والتي كانت تعرف باسم «الأوراق السرية»، وكذلك من الافلام السينمائية ومهرجانات «الروك أند رول» الكبيرة التي نظمت في كل المدن الأمريكية تحت شعار «لا للحرب»…، ثم الرفض المباشر لتأدية الخدمة العسكرية في فيتنام، ومن شخصيات مرموقة في المجتمع، مثل الملاكم محمد علي كلاي، وكذلك الدعوة المحرضة ضد الحرب من قبل حركة قدامى المحاربين العائدين من فيتنام، والتي كان السيناتور جون كيري على رأسها آنذاك. تلك الحركة النشطة المعادية للحرب، والتي جاءت استجابة لذلك الشعور الغريزي والطبيعي المناهض للحرب، إضافة إلى صمود الشعب الفيتنامي وإلحاقه الهزائم بالقوات المعتدية، كانا من أهم الاسباب التي لجمت الآلة العسكرية للقيادة الأمريكية ودفعتها لمائدة التفاوض.
ينسب إلى كلاوز فتز قوله أن «الحرب هي استمرار للسياسة، ولكن بوسائل أخرى»، وهو قول صحيح عموما، لكن، في تقديري، تنقصه الإشارة إلى أن الحرب هي أول علامات الفشل السياسي. أنظر إلى تجربة الحرب الأهلية في السودان، حيث أن السؤال حول لماذا تندلع الحرب تحديدا في الهلال الدامي الممتد من غرب البلاد فجنوبها وحتى شرقها، بدلا من أن يقود إلى توضيح العجز في التنمية وفشل السياسات المتعاقبة وضرورة توزيع السلطة والثروة بشكل عادل، نجده يوظف لصالح بقاء النظام وتعزيز قبضته الأمنية. وبسبب آلة الإعلام الموجه، تحولت الحرب إلى مظهر قوة زائف تدعيها السلطة، وهي تستخدم لغة تخويف المواطن السوداني العادي من القادم، بالاستفادة من معطيات كثيرة، أولها تفاقم الاختلافات الإثني في البلاد، فتنشر خطاب أن الحرب المندلعة هي حرب عنصرية، وإذا أتيح للحركات المسلحة المعارضة أن تدخل الخرطوم، فسوف تتم مجازر اشبه بما حدث في رواندا، وسيختلط الحابل بالنابل، وسيضيع حق أبناء الوسط والشمال التاريخي في حكم البلاد. أي، تواصل الإنقاذ، من جديد، تعيشها على أنها حامي حمى البلاد والدين واللغة العربية. وتستخدم الإنقاذ سلسلة من الروابط القسرية تصل حد ربط حرب الهلال الدامي بالمخططات الإسرائيلية تجاه السودان، وتصوير المقاتلين من الطرف الآخر وكأنهم أذرع لأجندة خارجية تستهدف الوطن، في محاولة بائسة لإخفاء معالم أي حقوق وقضايا مطلبية ينادي بها هؤلاء المقاتلون. وبتصويرها الحرب الأهلية من هذه الزاوية، تسعى الإنقاذ لإطلاق يدها لتوصم كل من ينادي بوقف الحرب بين أبناء الوطن الواحد بالخيانة، وكل من يتحدث عن تسوية سياسية عليه أن يبلع كلامه، مما يعني أن تسيطر الذهنية العسكرية التقنية الصرفة على مسألة سياسية بحتة. وهكذا ينخفض صوت الحلول السياسية ليعلو صوت المعركة، ويضاف قرن استشعار آخر بغرض التحسس والتجسس على كل من يتحرك لوقف الحرب، تحركا يستدعي إجراء اتصالات بالحركات المسلحة، وعلى كل من يتحرك لكبح جماح النظام، حامي الحمى والمدافع الأول عن الوطن!
صحيح أن الحرب الأهلية الدائرة الآن في البلاد، قد تؤثر سلبا في حركة الشارع السياسي. لكن، تاريخيا، كانت الحرب الأهلية في السودان عاملا مساعدا في سقوط وتغيير الأنظمة الحاكمة، مثلما حدث في ثورة اكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985. فمن جهة، هي تهلك النظام ذاتيا، ومن جهة أخرى تعمق الشعور الوطني المعارض للحرب، في أوساط الشعب وأفراد القوات المسلحة، ليتجسد تعبئة شعبية ضد النظام. ورغم ذلك، نؤكد رفضنا لأي استنتاج يفترض ضرورة استمرار الحرب حتى يحدث التغيير.