التغيير: الخرطوم

شهد منتدى كتاب الشهر والذي نظمه معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم الإسبوع الماضي جلسة مناقشة لكتاب “الهوية والوحدة الوطنية في السودان – جدلية الثقافة والسياسة” للبروفيسور سيد حامد حريز شارك فيها البروفيسور “محمد المهدي بشرى” والبروفيسور “إدريس سالم الحسن”، فيما أدار الجلسة الأستاذ “عباس الحاج الأمين” أمين إرشيف الفلكلور بالمعهد.

منهج علمي:

البروفيسور “محمد المهدي بشرى”، رئيس قسم الفلكلور بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، قال أن الكتاب مكتوب بمنهج علمي، متناولاً الهوية والثقافة السودانية والفهم السائد لهما، والذي ولد عدد كبير من المشكلات منها انفصال الجنوب، وحرب دارفور. وكثرت الكتابات التي تتناول قضية الهوية، وهي قضية مصيرية في ظل تنوع السودان، والفشل في إدارة هذا التنوع. وعمد المؤلف للكتابة في موضوع الهوية بسلاسة ولغة مبسطة مفهومة للجميع، وبشكل يمكن أن يقال عنه أنه “مدرسي”، لجهة ترتيبه فتناول إشكاليات القضايا المعقدة على طريقة السهل الممتنع ووضع جداول مع رسومات توضيحية واستعان في ذلك بعدد من العلوم الإنسانية مع التركيز على الأنثربلوجيا واللغة. وأوصى بروفيسور”بشرى” بوضع الكتاب كمقرر في الجامعات السودانية لأهميته وكون المؤلف إطلع على ما سبق أن كُتب في هذا الخصوص، وأشار إليه في ثنايا فصول كتابه ،متخذاً الثقافة مدخلاً للحديث عن القضايا السياسية والإجتماعية، والتعاطي معها من هذا الباب. نسبة لدخول السياسة في هذا الجانب، ولتأكيد أطروحاته أورد المؤلف عدداً من الأسانيد العلمية مع إشارات للعديد من المصادر مما أكسب حجته قوة كبيرة.

فشل النخب:

ولفت بروفيسور “بشرى” إلى أن المؤلف يؤكد أن سوء إدارة التنوع الثقافي عامل مهم أوصل الوضع في البلاد لهذا الحال، لكنه لم يشر للوضع الإقتصادي الذي أسهم في هذه الردة إلا في عجالة، ورأى أن المؤلف لم يستوفي الحديث حوله، ومشيراً لكتاب “السودان .. حرب الموارد والهوية” لمؤلفه “د. محمد سليمان محمد”، والذي أورد فيه معدلات الأمطار خلال الخمسين سنة الماضية والتأثيرات البيئية التي أسهمت في قلتها كمهدد أساسي من مهددات الوحدة الوطنية، كما أشار أبو سليم في كتابه “في الشخصية السودانية” وهو ملخص لمحاضرة قدمها أبو سليم، أشار للحرب بين قبيلتي المعاليا والرزيقات، وما بين الرعاة والمزارعين، وكيف أن واحدة من بطون المعاليا لم تكن تشارك بقية البطون المهنة، بل نأت بنفسها عن الصراع فلم تنتصر الإثنية في هذه الحالة، بل انتصرت المصالح عندما وقفوا مع مصالحهم كرعاة على حساب الإثنية.

وشدد بروفيسور “بشرى” على أن القول بفشل النخب في إدارة التنوع مُجحف، وغير عادل، ويريح مناصري نظام الإنقاذ الحالي على طريقة “لسنا وحدنا من فشل”، لكنا نعلم أنه وفي العام 1953 “” كان اقتصاد السودان أقوى من الاقتصاد الكوري!! وغني عن القول أن جامعة الخرطوم نفسها كانت واحدة من مقومات الوحدة الوطنية، لما كان فيها من تنوع، وكذلك عندما أنشئ مشروع “امتداد المناقل” الزراعي بعد تعلية خزان الروصيرص حدث تكامل بين الإثنيات على امتداد المشروع، وفي ذلك الحين اتخذ السودان قرارات كبيرة وهامة وكان مؤثراً في محيطيه الإقليمي والعالمي فاعترف بالصين وبألمانيا الشرقية، فالقول بفشل النُخب غير دقيق وفيه كثير من التجني.  

جدلية الثقافة والسياسة:

البروفيسور “إدريس سالم الحسن” عميد كلية الآداب بجامعة أفريقيا العالمية، والباحث في علم الاجتماع والأنثربولوجيا قال إن الكتاب يعتبر من أهم ما نُشر في السنوات الماضية في موضوع الثقافة، وفيه رؤى وافكار ومناهج جديدة، وقال أنه كمتخصص اندهش لهذا الكم المعرفي وطريقة عرضه، مشيراً لعمق الأفكار التي وصفها بأنها تحتاج لخلفيات ثقافية ومعرفة بالسودان ومجموعاته الاثنية عبر الحقب التاريخية الطويلة وصولاً لقضية دارفور وانفصال الجنوب، طوعها المؤلف لتوضيح فكرته حول الثقافة وجدلية الثقافة والسياسة، وهي القضية الاساسية والتي ركز عليها مع اشارات بسيطة لمواضيع أخرى بما يخدم قضية الكاتب. وأضاف:”تعريف الهوية بالانتماء والإثنية يرجع للثقافة، وهي الهدف الرئيسي لكينونة الانسان من الفرد للانسانية، ويعتمد على المكان والزمان وفي إطارهما يأتي إنتماء الفرد ومجموعته من مرحلة لأخرى، وهذه الإنتماءات متراكمة ومتغيرة في الزمان والمكان، فالذي يحدد هوية الشخص هو الطريقة التي يرى بها نفسه، والطريقة التي يراه بها الاخرون وكذلك الجماعة، وقال بروفيسور “إدريس” أن “حريز” أضاف في كتابه أن الذات متغيرة في نفسها من زمن وآخر كما أن الآخر متغير أيضاً. ومن النادر أن مثل هذه الافكار التفاعلية في نقاش الهوية ورؤية الآخر لنا”.

 البيئة الطبيعية:

وقال إدريس:” قبل أن ندخل في تاثيرات الهجرة والعولمة وغيرها نسأل إلى أي مدى تؤثر البيئة الطبيعية بأبعادها السياسية في هذه التحولات من قبيل سياسية الإستيلاء على أراضي المواطنين التي تغير بالضرورة من نمط حياة الناس وتؤثر في رؤيتهم لأنفسهم وللآخرين. فتفاعل “حريز” مع كل هذه المكونات والمجموعات المختلفة حتى أشار لمجموعات “النيقرز” في العاصمة، مما يجرنا للحديث عن موضوع القبيلة ومستوياتها المختلفة. فارتباط السودان بهوياته وإثنياته يتأثر بما يدور حوله محلياً واقليمياً، وأنت تجد أن انفصال الجنوب أثر على قضية دارفور بشكل كبير، ولنا أن نسأل لماذا تغيرت رؤية الناس لبعضهم ورؤيتهم للاخرين إن لم تكن الهوية والثقافة انتماءات متغيرة ومفتوحة؟ وأنت تجد أن الألحان المصرية والاثيوبية دخلت زفة العرسان السودانيين، وليس في هذا “خراب مالطا” بحسب المؤلف، بل ووصفها بأنها “وقد تبشر بخير”، لأن التقوقع غير مُحبذ، وأي ثقافة تقوقعت تجد أنها قد تقزمت واضمحلت، كون الثقافة مبنية على التواصل، وهي جسر التواصل الإنساني، والسياسة أيضاً تأخذ هذه الابعاد لكن السياسة “ضيقة”، سواء كانت أيدلوجيات أو مجموعات إثنية ،وبالتالي فإن الثقافة هي أساس القضايا، وليس معنى ذلك إهمال قضايا التنمية وأثرها على الوحدة الوطنية، لكن المؤلف يتساءل عن ماذا يحدث لو اتسع مدى الإنفتاح بين هذه المجموعات إنفتاحاً حقيقياً، يتيح فرصة الحوار مع الآخرين على أساس المصالح المشتركة، كيما نتفق على قضايا المساواة والعدالة وغيرها، فـ”حريز” هنا لم ينظر للثقافة في تعريفاتها الضيقة والمُعلبة.

تأثير السلالة:

ويمضي “إدريس” للقول أنه وللإجابة على سؤال كيف نفهم واقعنا الاجتماعي السوداني لننظر الحلول الممكنة وضع المؤلف توصيات وصفها بروفيسور “إدريس” بأنها تصلح كنواة لدستور السودان الدائم في الجانب الثقافي كونه لم يدخل في مساجلات كثيرة في قضايا شائكة، بل ركز على الحوار أكثر من الجدل، مستشهدا بعدد من المصادر من التراث العربي والأفريقي والعالمي من مجالات علمية مختلفة وحتى العلوم الطبيعية.

وأكد إدريس أنه لم يثبت أي علاقة بين الحمض النووي والمعتقدات الثقافية على الرغم من الحديث عن أن السلالة جزء اصيل في تكوين الانتماءات وقال بأن اليونسكو أبعدت العرق في العام “1951”عن دراساتها الثقافية، لكن بعض العلماء ما زالوا يعتقدون ان للسلالة والعرق تأثيرها على المستوى الأيدلوجي، فالآن القضايا الموجودة هي بعيدة عن السلالات وتأثيرها، وهناك قضايا أيدلوجية سببها الإنغلاق وأسباب سياسية أخرى  وهنالك جدول مقابلة بين الثقافي والسياسي يعتبر السياسة ضيقة بعكس الثقافة لكن هذا عندما يكون السياسي غير مهموم بقضايا الوطن والمواطن فلو أن هؤلاء السياسيون مرتبطين بالتراث والانتماء السوداني لن يكون هناك مشكلة، نسبة لوعي السياسي حينها بأهمية الثقافة وأنهما ليسا ضدين أو على طرفي نقيض.