خالد فضل

  في السودان الآن يمكن تقسيم الشعب إلى فئتين رئيستين وثالثة مع هذه أو تلك , الفئة الأولى يمكن وصفها بأصحاب المصلحة في استمرار نظام الحكم الحالي بطبيغته المعادية لأبسط قواعد الحكم الرشيد , والفئة الأخرى يمكن وصفها بأصحاب المصلحة في بناء الوطن على أسس موضوعية تحقق معايير حقوق الإنسان في حدّها الأدنى على الأقل , أمّا الفئة  الثالثة فهي تلك التي تميل مع هذا أو ذاك من الفئتين المار ذكرهما دون مرجعية فكرية أو أخلاقية ضابطة .

   الفئة الأولى تتمتّع حاليا بكل الإمتيازات التي تمنحها طبيعة السلطة التي ترتبط مصالحها بها , المناصب السياسية والتنفيذية والإدارية في كلّ المرافق العامة تقريبا , النفوذ الإجتماعي المرتبط في أذهان الناس بالسلطة , السطوة والجبروت في اختيار الموظفين ومنح التسهيلات وحل المشاكل وتذليل العقبات التي تواجه من يهمهم أمرهم من الناس ؛ يحدث ذلك في كافة أوجه النشاط اليومي لحركة الحياة بما في ذلك توفير  سرير في غرفة العناية المكثّفة  في مستشفى أو استعادة هاتف مسروق , في بلد انهارت فيه ملامح (السيستم) تماما وباتت القدرات الفردية والشخصية هي التي تصنع الحدث وتسيّر الوقائع , لم تعد المعايير في أذهان الناس ترتبط بالكفاءة أو الدقة أو الأولوية  أو إلتزام الدور في أبسط خدمة ولو في حجم الحصول على تذكرة سفر إلى ودمدني من الميناء البري بالخرطوم , هذه الوضعية تجعل من المسؤول في أي مرفق بطلا في مخيلة الناس أو على الأقل (زول ود ناس ) ونجد في الغالب أنّ مسألة (الحق )  كمواطن قد اختفت من قواميس التداول اليومي , كل شئ صار يٌنظر إليه كمنحة وتفضُّل من الرئيس أو الوزير أو الوالي أو حتى المعتمد , فليس غريبا البتّة والحال كذلك أن نجد الرئيس البشير في خطبه الأخيرة في مدني والأبيض يحدّث المواطنين في ولايتي الجزيرة وشمال كردفان عن تأبيد بقاء الواليين محمد طاهر إيلا في الجزيرة وأحمد هارون في شمال كردفان , مع إضفاء مسحة قداسة على الأخير ببناء (قُبّة) تحتها فكي ! ! قد تكون رسائله في الحاضرتين موجهة بصورة أساسية إلى فئة أخرى من ذات كبار التسلّط والإستبداد تروم احتلال مقاعد خليلي البشير الراهنين , ولكن ما تستبطنه تلك الرسائل مما يهم فئة أصحاب المصلحة في الوطن هو أنّ الإستبداد باق , وخلف كل قيصر يفوت قيصر جديد , ومن يأبى فـ(ناسي) في الدعم السريع جاهزين .  

  أصحاب المصلحة في استمرار النظام فئة لا يمكن الإستهانة بقوتهم ونفوذهم وتأثيرهم , هناك أبواق إعلامية عالية الصدى وبعض الظرفاء والأدباء كذلك ينتمون لهذه الفئة ومغنيين ومطربات يتصدرن شبابيك التذاكر , موظفون من القصر إلى رئاسة المحليات النائية , كل من يتقلد منصبا قياديا في أي مؤسسة يعلم علم اليقين أنّه يجلس على طرف أرجوحة يمكن أن تصعد به إلى أعلى ويمكن أن تهبط به إلى أسفل سافلين , يستوي في ذلك اتباع النظام ومؤيديه أو غير التُبّع الذين جاءوا إلى الموقع بقدراتهم ومؤهلاتهم ولكنهم مع ذلك غير مطمئنين إلى ما يحوزون من قدرات بسبب غياب (المعايير ) وانفراط عقد سيستم الدولة كما يعرف ذلك الجميع . فكم من ماهر مستقيم حاذق عصفت به الأرجوحة إلى النسيان لتعلو فوقها (الأوشاب) , أمّا مؤيدي السلطة وزمر الموالين فإنّهم في الواقع أشدّ قلقا من الآخرين لأنّ حجم مؤامرات القصور والوزارات مما لا يحيط بها انسان , وجزر مراكز القوى تنمو فجأة حتى تسد المجرى على آخرين , جماعة نافع تارة وجماعة قوش , أنصار الترابي (يرحمه الله) وفئة علي عثمان , أخدان طه وربائب بكري وعبدالرحيم , جوقة إيلا ومناصري من الله وهكذا دواليك من مظاهر الإستبداد وأيلولة الدولة إلى الضمور والإضمحلال , فلم يبق سوى التمسّك بفلان ورفع شأن علاّن في دوامة البحث عن والحرص على المصالح التي تتعلق بالأفراد , وشأن الوطن غائب ومصالح الشعب محجوبة .

  فئة من يهمهم أمر الوطن , أول أعراض ضعفها تفرُّقها وتشتتها مما يغري بإستدامة القهر والإستبداد , والاّ فقل لي لماذا الحركة الشعبية لتحرير السودان تنسى رفقة الخنادق وبؤس المنافي وقهر القمع وصولة الجبروت لتنطلق بنادق الرفاق إلى صدور الرفاق ؟ وقد كان العشم في تقدُّم الفكرة ونصاعة المشروع والتجربة الباذخة ورفقة (قرنق ) أن تشكّل موانع عصيّة الإختراق , خاب الأمل وخفت الرجاء حقّا شاء الحلو ذاك أم أبى عرمان , وعلى ذلك قس بقية من يمكن وصفهم بأصحاب المصلحة في استعادة الوطن والشروع من ثمّ في اعادة بنائه من جديد , اتحاديون غابرون ومشتتون نقيض عنوانهم , أُمة ضحكت من تفككها الأمم , شيوعيون تتداول وسائط الإعلام قوائم من فُصل وحرد وغادر مأسوفا عليه من شق ومغضوبا عليه من آخرين , وعامة الناس يصيبهم الإحباط مما يتابعون بعضهم يتمسك بالمقولة الانسحابية (مالي والهوى) بعضهم ترتفع آماله إلى حد اسقاط النظام ثمّ سرعان ما تتراجع إلى تخوم المسايرة والرضا بالمقسوم , لكن زُمرا من الشعب تأبى ذلك تستعصي على الترويع والتنكيل والإخضاع , تترفّع عن الإنقسام والتنافر فترتفع قاماتها فوق أسوار السجون , ليس مهما من أي حزب كانوا لكنهم من حزب اسمه الوطن , نساء فارعات كقامة أمل وسارة رجال أعلام كعمر عشاري , طلاب وشباب نرجو أن يتحصنوا جيّدا ضد جرثومة الفرقاء من أصحاب همّ الوطن , لأنّهم قناديل ضياء وسط عتمة ليل بهيم . مجددا كامل التضامن مع المعتقلات /ين السياسيين , التضامن مع صوت الحق ونبض المواجع للمكويين بنار الإستبداد راديو دبنقا , للمرأة في يومها العالمي الذي مرّ قبل يومين لكل من يهمه أمر الوطن ومصالح شعبه دون تردد منحاز إلى قيم التضحية والنبل والجسارة لكل هولاء المجد , وحتما لابد لليل أن ينجل لابد للصبح أن ينبلج ليكشف عورة ما ارتكب المتسلطون في حق وطن وشعب مكانهما فوق هام السحاب رغم ما يحتوش الراهن من صعاب .