خالد فضل

يشنُّ جهاز الأمن والمخابرات حملات اعتقالات واستجوابات وتحقيقات مع مجموعات من المصرفيين والمسؤولين عن الحسابات في بعض الشركات والمؤسسات الخاصة على خلفية اعلان الرئيس البشير لحربه  ضد الفساد والمفسدين , أو من وصفهم (بالقطط السمان ) ,وقد تزامنت مع عودة صلاح قوش إلى موقعه السابق في إدارة جهاز الأمن والمخابرات بعد ملابسات ووقائع معلومة للجميع ؛ مما يلقي بظلال من الشكوك حول اقتران تلك الحملات الإصلاحية برغبات انتقامية خاصة مع تصاعد الململة في أوساط قيادات حزب السلطة المؤتمر الوطني إزاء مسألة تأبيد بقاء البشير على العرش .

وفي ظل نظام نشأ أساسا وترعرع في  كنف الإستبداد والقمع والقهر  وتعيب عن فضائه ممارسة الحرية والديمقراطية والمحاسبة  وسيادة روح القانون وغيرها من قيم الحياة السياسية السوية  , في أجواء كهذه تختلط الأشياء , إذ لم يعتد الشعب على ممارسة راشدة , لم تجر نواميس الأداء السياسي وفق موجهات أخلاقية رفيعة ؛ بل تمّ ممارسة الحكم قهرا وقسرا والقرارات تصدر جزافا وكيدا لهذا وذاك فإنّ غالبية الناس تنظر إلى ما يجري الآن بشكوك على أفضل تقدير , فالأمر لا يعدو كونه تصفية حسابات بين مراكز قوى متصارعة حول السلطة والإمتيازات , فالقطط السمان أو تلك التي سمنت من الريع العام ومن الإستئثار بالسلطة ومحاباتها طوال ثلاثة عقود من الزمان شكّلت في الواقع الرافعة الأساسية لدوام القهر والإستبداد طيلة هذه الفترة , لقد ظلّت السياسات الإقتصادية والإجراءات الحكومية تصبُّ دوما في مصلحة هذه الطبقة الناشئة بتواز مع هيمنة السلطة وقمعها , وقد جاء زمن استشهد فيه الرئيس البشير نفسه بأنّ الشعب صار يأكل الهوت دوق مما يدلّ على مقدار الرفاه الذي ينعم به الناس , واستشهد في واقعة أخرى على سيادة النمط الإستهلاكي وثقافته بجيرانه الذين يملكون اسطولا من السيارات الخاصة يخرجون به كلّه للذهاب إلى مناسبة إجتماعية واحدة في مكان واحد . قال الرئيس ذلك بمناسبة زيادة أسعار الوقود المتتالية ولتبرير تلك الزيادات , في وقت يصطلي فيه مئات الآ لاف من  المواطنين في الخرطوم وهم يواجهون بالحيل والتدابير صعوبة المواصلات العامة وأزمتها التي تبدو بلا حل حسب تصريحات شهيرة لوالي الخرطوم السيد عبدالرحيم محمد حسين .

  من هم القطط السمان في سوق المال الخرطومي ؟ كيف نمت ثرواتهم المليارية في غضون ثلاثة عقود , فالسودانيون في العاصمة والأقاليم يعرفون من أزمان بعيدة أسماء تجارية لامعة لا يمكن وصفها بأي حال من الأحوال بالقطط السمان , بل يسمون بالرأسمالية الوطنية أو رجال الأعمال أو أثرياء البلد , وتتبع سيرة كل واحد منهم فضائل وقيم وأخلاق رفيعة وتواضع جمّ وسم حياتهم حتى غادروا الدنيا محمولين على آلة حدباء وتوسدوا اللحد  وسط الدعوات بأن يكون بردا روضة في الجنّة , أسمماء ذات رنين , الشيخ مصطفى الأمين , محمد عبدالمنعم , البرير الكبير , النفيدي , داؤود عبداللطيف … إلخ  وفي الأقاليم , المناقل و مدني  وفي الدندر وكسلا وبورتسودان والفاشر وملكال وجوبا والدمازين ومروي وحلفا ونيالا والعباسية تقلي بل حتى في القرى والمدن الريفية ثمّة أسماء لتجار كبار ارتبطت أسماؤهم بالثروة والأخلاق الكريمة وكانوا دوما قدّام , جلّ هولاء كانوا ينتمون سياسيا لحزبي الإتحادي الديمقراطي وحزب الأمّة , ولم يكونوا ليوصفوا أبدا بالقطط السمان أو الهزيلة , (كان عدد الإسلاميين الذين يمتلكون منازلا بالخرطوم يمكن أن تأوي أعضاء اللجنة التنفيذية لإتحاد طلبة جامعة الخرطوم يحسبون بالكاد على أصابع اليد الواحدة ) والقول للدكتور التجاني عبدالقادر ؛ أحد أعضاء تلك اللجان التنفيذية في فترة السبعينات من القرن الماضي ! والقطط السمان التي تنطط الآن في دنيا الدولار والعقارات والتعدين والنفط والمزارع والألبان والجامعات الخاصة والمستشفيات ذات الطوابق ومصانع الأسمنت وعالم الصرافات وشركات المال والإتصالات والأدوية ومستحضرات التجميل والمصارف التي تنشأ بين بنك وبنك والآليات وشركات الطرق والجسور الي تحوز القطاع تلو القطاع تحرسها البنادق , والذين كنزوا الذهب وما فوقه والفلل في دُبي وكوالالمبور , تلك التي حدد أسعارها موسى هلال ب (15)مليون دولار للفيلا الواحدة  ؛ حسب تسجيل صوتي له راج قبل بضع سنوات وقبل أن يكون الصراع حول الذهب في جبل عامر أحد أقوى أسباب الطلاق بينه وبني عمومته, وقادته في مقتلة دارفور, والقطط السمان تدقُّ في عظم الشعب بعد أن وفّرت فتاوي التمكين السكاكين المسنونة لسلب لحمه من زمان , ترعى القطط السمان تحت حماية قانون السوق الحر وسنابك اقتصاد السوق وانسحاب الدولة من أدنى مسؤولياتها الإجتماعية , فسمقت أسماء من عدم وصار اللاعبون الأجانب من غرب إفريقيا يتهافتون على دولارات ذاك الملياردير الجديد ! وصارت أسماء مجهولة النسب في دنيا الأعمال المعروفة تسبقها عبارات التمجيد وتفسح لها المجالس ويشار إليها بهمس السوق وعالم العمولات والتسهيلات أسماء شديدة القربى مع العرش , وأسماء ذات وشيجة بمظان انبعاث حملات التنكيل الجارية الآن , وشركات تحرسها الشبهات , وشحنات ممنوعات , وعبوات , وسمسرة دولية وإقليمية ودولارات  , وبعض المجاهدين السابقين ممن حظوا بالإجارة  بإعتبارهم من المسلمين المطاردين والمستضعفين , ومع الإجارة نشطت التجارة , فلما طُردوا ماذا حملوا ؟ وماذا بقي من آثارهم تذكّر الخاشعين ؟ والقطط القطط الأليفة والمتوحشة تطارد في لقمة العيش وست الشاي وصبي الدرداقة , القطط التي مثلها وحوض الرملة لا تشبع أبدا ولن تستسلم ولو ملأ صلاح قوش البلد عيونا وآذان . فخلف كل هرّ سمين نمر (تخين) والدائرة تدور على الطابور .