التغيير: الخرطوم

تراخت الدولة في السودان عن مد يد العون للمتأثرين بتردي الأوضاع الإقتصادية والصحية، وارتفاع نسبة الفقر، وضعف الميزانية المخصصة للصحة والتعليم، وتقاعست حتى عن إغاثة متضرري الكوارث الطبيعية من قبيل فيضانات “2013”، فظهرت مبادرة “نفير” الشبابية عقب فيضانات خريف “2013” الكارثية، لدرء آثار هذه الفيضانات، ومساعدة المتأثرين بها. وعلى ذات النسق ظهرت مبادرات شبابية عديدة اهتم بعضها بالتعليم مثل مبادرة “تعليم بلا حدود”، و”عديل المدارس”، وأغاثت مبادرة “الحرية أولاً” النازحين من دارفور في أطراف العاصمة، واهتمت مبادرة “راما” بمرضى السرطان، فيما اهتمت مبادرة “شارع الحوادث” بعلاج الأطفال. واعتمدت أغلب هذه المبادرات العون الأهلي عن طريق وسائط التواصل الإجتماعي في سبيل تغطية الفجوة في هذه الخدمات، فمنها من خضع للتسجيل كمنظمات طوعية، ومنها من اشترطت عليه الأجهزة الأمنية شروطاً رفضتها هذه المبادرة أو تلك، الشئ الذي أدى إلى عدم تسجيلها كمنظمة طوعية تتبع لمفوضية العون الإنساني، ومنحها التراخيص اللازمة للعمل. وتعرض بعضها للملاحقة والمضايقة والإعتقالات من جانب الأجهزة الأمنية، بزعم أنها واجهة لعمل سياسي معارض، وتوقف بعضها عن العمل نتيجة لأسباب تتعلق بإنتفاء الغرض أو ضعف الإستجابة، فيما لا يزال بعضها يعمل على الرغم من كل المصاعب والظروف.

مبادرة نفير:

في أغسطس من العام “2013”، أعلنت منظمة الصحة العالمية عن تأثر “320” ألف شخص بسبب الفيضانات في السودان، وقدرت المنظمة أن حوالي “250” ألف شخص أُجبروا على ترك منازلهم، وتعالت أصوات الإنتقاد لتراخي الحكومة عن إغاثة المتضررين حتى من داخل البرلمان، فقامت مبادرة “نفير” اعتماداً على العون الذاتي عبر رسائل على الفيسبوك للمساهمة في مساعدة المتضررين استجابة للحدث.

ويقول الناشط في مبادرة “نفير” سامي صلاح لـ”التغيير الإلكترونية”، أن المبادرة بدأت بخمسة عشر شخصاً في عضويتها قبل أن تتوسع، وتجد استجابة من الكثيرين، وفي الإجتماع الأول لدراسة كيفية مساعدة المتضررين تم تكوين أربعة لجان منها لجنة إعلامية، ولجنة للميدان والمسوحات، وكان هناك حوالي الاربعمائة متطوع في الأيام القليلة التالية لإعلان المبادرة، حيث لقيت تجاوباً كبيراً، لتتوسع وتضم عشرة لجان عملت مناطق كبيرة من السودان، وغطت أكثر من “5%” من الضرر الكلي في الخرطوم والولايات، من خلال توفير المواد الغذائية والخيام والأغطية، وكانت هناك اللجنة الطبية، التي عملت في مجال إصحاح البيئة، وتنظيم أيام صحية في مختلف المناطق، كما عملت اللجنة الهندسية على إقامة المتاريس على النيل لحماية القرى والمدن، فكانت العملية متكاملة وفي إتجاهات مختلفة. وكانت “نفير” مصدر إلهام، وشكلت قيمة عاطفية كبيرة جداً للناس، باعتبارها حراك شبابي أعاد الأمل والثقة في مستقبل أفضل، وتوقفت المبادرة عن العمل مع هبة سبتمبر في العام “2013”.

الحرية أولاً:

الناشطة في مجال العمل الطوعي “هالة تاج السر” قالت لـ”التغيير الإلكترونية” أن مبادرة الحرية أولاً أنشئت من قبل شباب أحزاب ينتمون لتحالف قوى الإجماع الوطني، عقب هبة سبتمبر، وكان لها ثلاثة مسارات للعمل هي “لا للحرب” و”أعرف حقك” و”شهداء سبتمبر”. ففي مسار “لا للحرب” كان  هناك برنامج “أمسح دمعة”، ويتعلق بمساعدة الأطفال النازحين جراء الحرب في دارفور، والتضامن معهم، وصل شباب المبادرة إليهم في مناطق “جبرونا”، و”مايو”، وقاموا بتقديم مساعدات عينية وهدايا ولعب للأطفال. وانضمت للمبادرة في وقت لاحق مجموعات شبابية ومناطقية من أحزاب نداء السودان، وتكونت اللجنة التنفيذية من مناديب الأحزاب، ثم جاء شباب الدالي والمزموم والمناصير، وشباب أمري ومتضرري سد مروي، ولجنة مناهضة السدود، بالإضافة لشباب الخرطوم ومبادرة “التغييرالآن” و”صدقات”، وغيرها وقدمت مجهودات مقدرة في المحاور الثلاثة، لكن عضوية المبادرة ووجهت بحملة اعتقالات وملاحقة أمنية شرسة أدت إلى وأد المبادرة، خصوصاً بعد عملها على توثيق أحداث سبتمبر الدامية والتعريف بالشهداء، وظروف اغتيالهم في سلسلة “ضد مجهول” الوثائقية.  

مبادرة شارع الحوادث:

يقول “كمال معز” المسؤول الإعلامي لمبادرة شارع الحوادث لـ”التغيير الإلكترونية” أن المبادرة إبتدأت من مستشفى “جعفر بن عوف” للأطفال، وبطريقة بسيطة تستهدف عمليات “نقل الدم” التي يحتاج إليها المرضى بصورة عاجلة، فكان المتطوعون يرفعون مثل هذه الحالات على صفحات الفيسبوك الخاصة بهم، وتجد تفاعلاً من الجمهور في سبيل توفير متطوعين بالدم لمواجهة هذه الحوجة، فجاءت فكرة عمل صفحة واحدة بالفيسبوك تجمع كل هذه الجهود. وقال:(في يناير من العام “2013” بدأنا بتنظيم العمل لتتسع المبادرة وتشمل  مستشفيات “حمد النيل”، و”البلك”، ومستشفى “ألبان جديد”، و”أحمد قاسم للأطفال”، وأنشأنا غرفة للعناية المكثفة بمستشفى “محمد الأمين حامد”، بتكلفة بلغت مليارين وستمائة مليون جنيه، ومن ثم انتقلت الفكرة لبعض الولايات بحسب واقع كل ولاية، ونوعية الخدمات التي يحتاجها المرضى فيها، وحققت المبادرة نجاحاً كبيراً على مستوى السودان، كما تشارك في حملات التبرع بالدم مع منظمات أخرى وهناك متطوعين داخل بعض هذه المنظمات، باعتبار أن الهم الأول والأخير هو الإنسان السوداني). وقال “كمال” أنهم ظلوا يواجهون نقصاً في المتطوعين في الفترة الأخيرة نسبة لارتباطهم بالدراسة إن كانوا طلاباً، أو بأعمالهم ووظائفهم، لذا تظل هناك حوجة دائماً للمزيد من المتطوعين، لكنه عاد ليؤكد أن الفكرة وضحت، وتبناها الناس كل في منطقته وبحسب حاجة المرضى فيها وزاد:”على الرغم من أن العمل الطوعي لن يسد خانة الدولة لأن الأزمة كبيرة والعمل الطوعي يعالج نسبة بسيطة من المحتاجين، ولذا تجد أن معدل وفيات الأطفال لا زال يرتفع وأن البعض لا زالوا يموتون بسوء التغذية”.  

رابطة راما لدعم مرضى السرطان:

تحت شعار “قلب يرحم ويد تدعم”، إنطلقت رابطة “راما” لدعم مرضى السرطان من معهد أبحاث السرطان بمدينة ود مدني – ولاية الجزيرة في العام “2002”. ويقول أحد مؤسسي الرابطة لـ”التغيير الإلكترونية” أن “راما” أنشئت بهدف دعم مرضى السرطان فى الجانب المادى والنفسى، والتوعية بأهمية الكشف المبكر، واجراء الدراسات والبحوث، ومتابعة فحوصات المرضى المكلفة، وترحيلهم من والى الولايات، والعمل على إدخال المرضى تحت مظلة التأمين الصحى، فضلاً عن المشاركة فى القوافل الريفية، وإحياء المناسبات السنوية المتعلقة بالمرض مثل “اليوم العالمى للسرطان”، و”الشهر العالمى للتوعية بسرطان الثدى”. وتُقيم راما أياماً ترفيهية بعنابر الأطفال والأماكن العامة للترفيه عن المرضى، والوقوف بجانبهم، وهناك مشروع “بنك الدم الإكترونى” للتبرع بالدم، ويتم التواصل فيه عبر الوسائط الإلكترونية. وتستأجر “راما” استراحة بحى “المنيرة”، بمدينة “ود مدني”، للمرضى الذين يأتون من ولايات بعيدة، ويمكثون أشهراً طويلة لتلقى جرعات العلاج الكيميائي، أو جلسات الاشعة العلاجية، تخفيفاً لعبء الإيجار على المريض وتتوفر بالاستراحة كل الوجبات للمرضى بالإضافة لترحيل من وإلى المستشفى. أيضا قامت “راما” بالتعاون مع المعهد القومى للسرطان بمدنى ووزارة الصحة بتأسيس “مركز دنقلا للاورام”، ولا يزال يعمل. وتتلقى الرابطة الدعم من اشتراكات ما يزيد على الأربعة الف عضو فيها بالإضافة لدعم فاعلي الخير، بخلاف الدعم العينى الذي يأتى للمرضى بشكل مستمر  للاستراحة من مواد تموينية وأشياء اخرى.

تعليم بلا حدود:

بدأت تعليم بلا حدود باسم “معلمون بلا حدود” في شهر ينايرمن العام “2011 “، كنشاط معني بجمع الكتب المدرسية المستعملة الفائضة عن حوجة الطلاب والمدارس الميسورة، ومن ثم إعادة توزيعها على طلاب المدارس الفقيرة في ولايات السودان المختلفة عن طريق حملات منظمة على “الفيسبوك”.

ويقول الناشط في مبادرة “تعليم” خالد سراج لـ”التغيير الإلكترونية” أن “تعليم” حركة إجتماعية تهدف لإصلاح حال ونظام التعليم في البلاد، وجعل المجتمع مشاركاً في عملية التغيير الإجتماعي عبر التعليم، باعتباره السبيل الوحيد للنهضة والتقدم، فتكونت تعليم في العام “2011” من مجموعة من الشباب على الفيسبوك وصل عددهم للآلاف منتشرين في كافة وزلايات السودان واستهدفت عدد من المشاريع نفذ بعضها مثل مشروع “أضرب وأهرب”، وهو مشروع يستهدف دفع الأهالي للمشاركة في عملية إصلاح التعليم والبيئة المدرسية عبر بدء العمل في صيانة مدرسة ما مثلاً، لحث الأهالي على إكمال الصيانة وليتبنوا المشروع، ترسيخاً لفكرة أهمية التعليم في المجتمع، فقامت “تعليم” بصيانة عدد من المدارس في العاصمة و الولايات على هذا النحو، كما عملت على توفير الكتاب المدرسي لسد النقص في مجال الكتب المدرسية عبر تبرعات تُجمع وتُرسل للمناطق التي تعاني أوضاعاً خاصة مثل مناطق النزاعات، وجمعت “تعليم” حوالي العشرة ألاف كتاب مدرسي أُرسلت لتلك المناطق. وأشار “سراج” لضعف إقبال المتطوعين على المشاركة منذ أحداث هبة سبتمبر “2013”، نسبة للإحباط الذي أصاب الكثيرين عقب تلك الأحداث على حد قوله.

عديل المدارس:

وبحسب تقرير صادر عن وزارة التربية والتعليم  في العام “2013”، فقد قدر عدد المدارس الابتدائية في السودان بـ “17” ألفاً و”442″ مدرسة، فيما يقدر عدد التلاميذ بنحو خمسة ملايين و”260″ ألفاً و”623″، ويبلغ عدد مدارس المرحلة الثانوية “3820” مدرسة، وعدد التلاميذ نحو “881” ألفاً،  أي بمعدل “35” تلميذ في الصف الواحد. لذا وعلى نسق مبادرة “تعليم بلا حدود”، أطلق عدد من الناشطين والفنانين والرسامين التشكيليين مبادرة تطوعيّة حملت عنوان “عديل المدارس” في العام “2011”، بهدف العمل على تأهيل وترميم المدارس الحكومية، وخصوصاً تلك العريقة التي ساهمت بتقدم مسيرة التعليم في السودان. أخيراً، ونجحت المبادرة في إعادة تأهيل نحو “138” مدرسة خلال أربعة أعوام، في مناطق مختلفة. وتعتمد المبادرة على مساهمات الأفراد ، والشركات الخاصة، فضلاً عن منظمات المجتمع المدني للمساهمة في عملية الترميم وتوفير المواد المطلوبة، سواء كانت مادية أو عينية، ويحرص أعضاء هذه المبادرة على إشراك العائلات في عملية الترميم التي يقومون بها بأنفسهم.

عجز النظام:

القيادي بحزب البعث المعارض “كمال بولاد” قال لـ”التغيير الإلكترونية”، أن ظهور مثل هذه المبادرات والأجسام الشبابية هو دليل واضح على عجز الدولة عن تقديم الخدمات لمواطنيها، وفشلها في القيام بواجباتها الأساسية، على الرغم من أن هذه المبادرات ساهمت بلا شك في إيجاد الحلول للمشاكل التي جابهت الكثير من المواطنين في مجال الخدمات الصحية والتعليمية، وهناك حالات كانت تتطلب أدوية لا تتوفر في السودان وفرها هؤلاء الشباب في خلال “24” ساعة، عبر مجهوداتهم الخاصة، وهو أمر يدعو للفخر والدهشة في آن. لكنه عاد ليقول:( كل دول العالم الثالث ومنذ ما بعد حركات التحرر الوطني غادرت محطة الأمن الطبي، وأصبح فيها من المسلمات، والسودان لم يكن استثناءاً. لكن كل هذه المكتسبات أضاعتها سلطة الرأسمالية الطفيلية الحاكمة بسياساتها غير الراشدة، ولذا تجد ارتفاع نسبة التهرب من التعليم الأساسي، ومعدلات الإصابة بالأمراض المستوطنة، وهناك فراغ كبير في مجالي التعليم والصحة، أعادنا إلى ما قبل “1956”). وقال “بولاد” أن الناشطين في هذه المبادرات يعانون من الملاحقة الأمنية، ومن اتهامهم بأنهم يستخدمون مثل هذه المبادرات كواجهة للعمل السياسي المعارض، مدللين على ذلك بانتماء بعض الناشطين لهذا التنظيم السياسي أو ذاك، وهذا حقهم كأفراد. وقال:(“ابنتي التي تعمل في مبادرة شارع الحوادث تحكي عن أنهم يعانون الأمرين”، فالسلطة غير راضية حتى عن مثل هذه المبادرات الشبابية، لكنهم اكتسبوا خبرات في مواجهة السلطة نفسها من خلال عملهم، وهم ما يبشر بأن قدرات وطاقات هؤلاء الشباب يمكن أن تتفجر بشكل إيجابي يعين على النهوض من هذه العثرة عبر برنامج سياسي جاد من أجل مستقبل أفضل لبلادنا).