نبيل أديب

سلطة اللجان البرلمانية في إجراء جلسات سماع هي من أهم السبل لممارسة البرلمان لسلطاته في الرقابة وفي التشريع. بالنسبة للتشريع وهو ما يهمنا في هذا المقال فمعلوم أن التشريعات تصدر أو تعدل إما لتنظيم معاملة معينة أو لحماية مصلحة معينة يرى المشرع ضرورة تنظيمها أو حمايتها. رغم أن السلطة التشريعية هي المهيمنة على سلطة التشريع، إلا أن السلطة التنفيذية  تلعب الدور الرئيسي في إقتراح القوانين، لأن دورها في تنفيذ القانون يمكنها من إستشعار جوانب النقص فيه، في حين تخضع اللوائح تقديم مشاريع القانون من داخل البرلمان لشروط مقيدة.

إذا كانت مشروعات القوانين في الغالب الأعم تأتي من السلطة التنفيذية، فإن ذلك يتم من خلال المختصين التنفيذيين لمواجهة العقبات التي تواجههم في عملهم. أغلب هذه القوانين تكون بها أحكام ذات صبغة فنية، تحتاج لمختصين لشرح سببها، ونتائجها. والمشرعون بإعتبارهم نواب الأمة الذين يملكون السلطة في تحويل تلك المقترحات إلى قوانين، قد لا تكون لهم الدراية الفنية اللازمة في المسائل التي يطرحها القانون، وبالتالي فإن جلسات السماع التي تعقدها لجنة التشريع، والتي تتناول فيها التشريع بالدراسة التفصيلية، بعد إجازته في مرحلة السمات العامة، تحتاج لسماع خبراء من خارج الجهاز التنفيذي، للتأكد من أن ما إقترحه التنفيذيون من أحكام، يتفق مع الإرادة الشعبية، والقواعد الدستورية التي تحكم المسألة.

عقدت لجنة التشريع، والعدل وحقوق الإنسان، بالمجلس الوطني الثلاثاء الماضي جلسة سماع لمناقشة التعديلات المقترحة على قانون الإجراءات الجنائية، إستمعت فيها لآراء الخبراء من الجانبين، فمن جانب الدولة كانت قمة القضاء حاضرة، وكذلك الوزير السابق و الوزير الحالي لوزارة العدل، وكان هنالك النائب العام. وكان هنالك من غير الرسميين عدداً من أساتذة الجامعات والمحامين، وقد وضع جميعهم إضاءات على المشروع كل من موقعه. إذا كان هنالك ما يمكن أن نقوله في هذا الصدد هو أن جلسة واحدة لا تكفي لأهمية قانون الإجراءات الجنائية في حماية المجتمع ككل من الجريمة، وحماية أفراده من تغول السلطات العامة.

ماهو قانون الإجراءات الجنائية

قانون الإجراءات الجنائية هو مجموعة من القواعد التي تنظم الإجراءات المتعلقة بالوقاية من الجريمة، وإكتشافها متى وقعت، بغرض ضبط الجاني، وتقديمه للمحاكمة. لذلك فهو من جهة ينظم التدخل في حرية أفراد لم يرتكبوا جريمة لمجرد إحتمال أن يفعلوا ذلك، بسبب ظروف معينة تحيط بهم، أو بسبب ميولهم النفسية او العقلية. كما وينظم تقييد حرية الأفراد أو التدخل في خصوصيتهم ، بسبب قيام شبهات معقولة في حقهم تشير إلى إحتمال إرتكابهم جريمة أوصلتهم بجريمة قد إرتكبت، رغم أن تلك الصلة لم تثبت بعد بحكم قضائي. وهو بعد ذلك يحدد القواعد التي تؤدي إلى تحول الإشتباه إلى إتهام، وإجراءات محاكمة المتهمين التي تتلو ذلك والتوصل إلى قرار قضائي نهائي في جرمهم أو براءتهم. وكل هذه الإجراءات كما نرى، وحتى صدور الحكم القضائي النهائي، تتعامل مع أفراد أبرياء لم تتم إدانتهم، مما يلزمها بمراعاة المبدأ القانوني الأصولي الذي يقضي بأن المجرم برئ حتى تتم إدانته. وهو ما يحتم عليه مراعاة الموازنة الدقيقة التي توفر للمجتمع أمنه الذي تهدده الجريمة، دون أن تفقد أفراده أمانهم وحرياتهم بالقدر الذي لم يتنازلوا عنه عندما قرروا العيش في المجموعة.

قانون الإجراءات الجنائية ووثيقة الحقوق

” أساس وثيقة الحقوق هو أن تحد من سلطات الحكومة، وتؤطرها، بأن تخرج من نطاق تلك السلطات تلك الحالات التى يمتنع فيها على الحكومة أن تفعل شيئاً، أو أن تفعل ذلك الشئ فقط بطريقة معينة. ” ماديسون فى خطابه للمؤتمر الذى أقر التعديلات العشر الأوائل فى الدستور الأمريكى المعروفة بوثيقة الحقوق

 الفكرة التي يقوم عليها المجتمع الديمقراطي، هو أن العيش في المجتمع يفقد الإنسان بعضاً من حرياته التي كانت له قبل ذلك، وهذه الحريات تقابلها السلطات الممنوحة للدولة لحفظ الأمن، ومنع تغول الأفراد على حريات وحقوق بعضهم البعض. ولكن الأفراد المكونون للمجتمع لم يتنازلوا عن حرياتهم للدولة، بل تنازلوا فقط عن القدر الضروري الذي يمنحهم الأمن، دون أن يفقدهم حرياتهم وأمانهم على أنفسهم. مجموع ما لم يتنازل عنه الأفراد من الحريات للدولة هو ما نطلق عليه الحريات العامة، أو حقوق الإنسان، وهي مجموع الحقوق والحريات التي يجب أن تتوفر للإنسان بصفته تلك، والتي لا يجوز لدولة عادلة أن تحرمه منها، وفقا لتعبير توماس جيفرسون.

إذاً فقانون الإجراءات الجنائية في بحثه عن تمكين السلطات العامة من إكتشاف الجريمة، والكشف عن كل جوانبها، وتمكين القضاء من محاكمة الجناة، لا يجب له أن يذهب في ذلك التمكين إلى درجة الدخول إلى المنطقة المحرمة، والتي يتم فيها إنتهاك الحقوق والحريات العامة التي يجب أن يتمتع بها جميع أفراد المجتمع، بسبب أن الدولة لا تملك ذلك. فسلطة الدولة في تشريع القانون تنظيما لما يجوز، أو لا يجوز، للأفراد القيام به من أفعال، ومعاملات، تقف عند ما لم يتنازل عنه الأفراد لها من حرياتهم وحقوقهم. لذلك فإنه  يجب على المشرع وهو يضع قانوناً للإجراءات الجنائية، تتعامل فيه السلطات مع أفراد لم تتم إدانتهم بحكم قضائي، أن يلزم تلك السلطات بالقواعد الدستورية التي تحكمها وبالتحديد مراعاة حقوقهم في الخصوصية وفي الحرية والأمان، وفي المحاكمة العادلة.

تعديل أم إعادة إصدار

لقد تقدمت الدكتورة بدرية في الجلسة بإقتراح وجيه، وهو أن التعديل قد شمل ما يفوق السبعين تعديلاً لمواد مختلفة في القانون، وهو الأمر الذي يصعب معه على الممارس تتبعها، بالإضافة لأن كل هذا العدد يقطع بأن القانون في مجمله غير متفق مع مقاصد المشرع. أضف لذلك أن ما يؤخذ على التعديل ليس كثرة التعديلات، بل قلتها، إذ أن التعديل أغفل العيوب الرئيسية في القانون، وتركها بغير علاج، رغم الحاجة لذلك.  .ولذلك فإنني سأكتفي هنا بما أغفله التعديل، خاصة وأنه إغفال يهدم بشكل رئيسي، الغرض الرئيسي من التعديل، وهو موائمة القانون مع الأحكام الدستورية من جهة، ومخرجات الحوار الوطني من جهة أخرى. وسنرى حالاً أن التعديلات حتى لو أجيزت بأكملها، فإن القانون يظل مخالفاً بشكل أساسي لأحكام الدستور ولمخرجات الحوار الوطني. أما ما سنتركه لمقالات أخرى، فهو أن هذه التعديلات إذا ما أجيزت كما هي، من شأنها ان تباعد بين القانون وبين أحكام الدستور ومخرجات الحوار الوطني.

إذا كان الحال كذلك فإن الحاجة تبدو ملحة لأن تتم معالجة كل ذلك بإعادة إصدار القانون بأكمله، بما يسمح دون عناء بإبعاد الأحكام المخالفة للدستور، وإدخال بدلاً عنها، وبالإضافة لها، أحكاماً تتفق مع الأحكام الدستورية، وتحقق مقاصدها

ضبط الجناة والحق في الخصوصية

الحق في الخصوصية يعني حق الفرد في أن يترك وشأنه، وهذا الحق لا يجب تقييده إلا بسبب شبهة معقولة في أنه هو أول الأمر، لم يترك المجتمع وشأنه. لذلك فإن إكتشاف الجريمة يحتاج في أحوال كثيرة إلى الإطلاع على شؤون الناس، والنظر إلى داخل بيوتهم، ولكن ذلك لا يجب أن يترك لقوات الضبط لتقررها لنفسها. ففي الأنظمة القانونية التي تحترم الحق في الخصوصية، يتم تقييد سلطة الشرطة في هذا الخصوص، ويتم تتطلب حصول الشرطة على أوامر تفتيش، قبل إجراء التفتيش المطلوب من أجل تحري جنائي.

وقد حدد قانون الإجراءات الجنائية في المادة  86 سلطة إصدار أمر التفتيش، والغرض منها، ولم يتعرض التعديل لتلك السلطات بل أبقاها على حالتها، رغم أنها أحكام معيبة على الوجه الذي نفصله فيما يلي:-

 الحق الدستوري في الخصوصية فى السودان قررته المادة (37) من الدستور، والتي تنص على أنه لا يجوز انتهاك خصوصية أي شخص, ولا يجوز التدخل في الحياة الخاصة أو الأسرية لأي شخص في مسكنه أو في مراسلاته، إلا وفقاً للقانون” وهذا النص يلزم القانون حين ينظم التفتيش سواءاً كان التفتيش يخضع له شخص، أو مكان يخص ذلك الشخص، أن يحرص على أن أن ينظمه بشكل لا يصادر حق الشخص الذي  يخضع له في الخصوصية، ولا ينتقص منه وفقاً لأحكام المادة (27) “4” من الدستور. وتنص المادة 17 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على أنه” 1. لا يجوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته، ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته.2. من حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس” ومعلوم أن العهد المذكور يشكل جزءً لا يتجزأ من وثيقة الحريات وفقاً للمادة 27 من الدستور. وفقا للفقرة 2 من المادة فإنه يتوجب على التشريع ليس فقط أن يكف يده عن الحق في الخصوصية بل أيضا أن يحمي الأفراد من ذلك التدخل

نصت المادة (86) من قانون الإجراءات الجنائية على ما يلي:

(1) ” يجوز لوكيل النيابة أو القاضي في أي وقت من تلقاء نفسه أو بناء على طلب من الجهة المختصة في أي دعوى جنائية، أن يصدر أمراً بإجراء التفتيش الخاص لأي مكان أو شخص، متى رأى أن ذلك يساعد في أغراض التحرى أو المحاكمة أو التنفيذ، بحسب الحال.

(2) يجوز للقاضي في أي وقت بناء على طلب من الجهة المختصة أن يصدر أمراً بإجراء التفتيش العام لأي أمكنة أو أشخاص، متى رأى أن ذلك يساعد في أغراض إكتشاف الجريمة.

ويعيب هذا النص أولاً أنه أغفل ذكر الغرض من التفتيش، إذ أن الغرض من التفتيش أصلاً يجب أن يكون ضبط شئ، أو شخص يكون ضبطه من شأنه المساعدة في أغراض التحري، أو المحاكمة.

وجوب صدور الأمر من قاضي .

كذلك فقد منحت المادة سلطة إصدار أمر التفتيش لوكيل النيابة مع أن تلك السلطة يجب أن يتولاها قاض فحسب،  لأن القاضى محايد، ووكيل النيابه ليس كذلك. فوكيل النيابة كممثل للإتهام، لا تتوفر فيه الحيدة التي تتوفر للقاضي حين يوازن بين الحاجة لكشف الجريمة أومنعها، وبين حق الخصوصية الذى سيُنتهك إذا ماصدر الأمر .

ورغم أن وكيل النيابة مستقل عن السلطة التنفيذية وفقا لقانون النيابة الجديد، إلا أنه يفتقد الحيادية المؤسسية، وفقا لتعبير اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، فلا يجوز أن يكون خصماً وحكماً.

ضرورة وجود السبب المحتمل

وبدون ان نغرق في التفاصيل نكتفي هنا بالقول بأن أمر التفتيش يجب أن يصدر بناءً على طلب من الجهة المختصة، وهي هنا الشرطة، أو النيابة، مصحوب ببينه توضح أن هناك سبباً محتملاً للعثور على ما يراد ضبطه. وهذه البينة يُكتفى فيها أن يحلف مقدم الطلب اليمين مع توضيح الظروف التى حملته على الإعتقاد بوجود الشئ، أو الشخص المراد ضبطه، في المكان المراد تفتيشه. وهذا مذهب القوانين في مختلف الدول التي تقوم أنظمتها القانونية على سيادة حكم القانون، وحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وهي المبادئ التي تبناها الدستور السوداني.

وجوب تحديد المكان والمراد ضبطه من التفتيش

يلاحظ أن الفقرة الثانية من المادة 86 تتيح التفتيش العام للأمكنة، وهى أشبه بما كان عليه العمل في القرون الوسطى في إنجلترا حين كانت تصدر أوامر لشخص تخوله الدخول في أي مكان، وضبط أي ممنوعات ويظل الأمر سارياً مدى حياة الملك ولستة أشهر بعد وفاته، وهي أوامر أُلغيت منذ نهاية القرن الثامن عشر . أمر التفتيش العام مخالف للدستور لأن تحديد أمر التفتيش من أهم الضوابط التي يجب أن يتضمنها التشريع منعاً لإنتهاك حق الخصوصية، فيجب أن يحدد الأمر على وجه الدقة المكان المراد البحث فيه، وليس الغرض من التفتيش كما تذكر المادة 87، بل الشئ المراد ضبطه. وقد حكم في دعوى Entick V. Carrington أن الأمر بضبط كل أوارق الخاصة بالمدعي بدلاً من تحديد المستندات المراد ضبطها، هو أمر يخرق كل ما قام الدستور لحمايته، وهو أمر باطل.

ويلاحظ ان دخول المكان الخاص لسبب صحيح، لا يسقط عنه خصوصيته إلا فيما يتعلق بسبب الدخول. ويلحق بذلك ما هو معروف فى أمريكا بمبدأ السكرية، وهو يعنى أن يقتصر البحث داخل المكان الذي يجري التفتيش فيه، على الأمكنة التى يمكن أن يوجد ما يراد ضبطه فيها.  فليس من المعقول البحث عن جهاز تلفزيون في سكرية، لأن البحث عن جهاز تلفزيون يقتضي البحث  في الأماكن التي يمكن لها أن تسعه داخل المكان المراد تفتيشه. و هدف هذه القاعدة منع إستباحة الأماكن لمجرد صدور أمر التفتيش، إذ تظل للمنازل حرمتها ولا تسقط إلا عن الأماكن التى يحتمل وجود ما، أو من، يراد ضبطه فيها.

حق الإستعانة بمحام فى مرحلة ما قبل المحاكمة

يعتبر حق الإستعانة بمحام من أهم الحقوق الدستورية التى يتضمنها الحق فى المحاكمة العادلة، وقد أخذ به الدستور فى الفقرة (6)  من المادة  34 .

و هذه القاعدة الدستورية هي جزء من حقوق الإنسان في القانون الدولى، ولذلك فهى ليست فقط قاعدة دستورية، بل هى أيضاً قاعدة دولية واجبة الإتباع، فنص المادة 34 فقرة (6) التى أوردناها حالاً، ماخوذ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المادة 14 (3) (ج) ،  وهو مطابق لأحكام العديد من الإتفاقيات والعهود الدولية ، نذكر منها  العهد الأوروبي لحماية حقوق الإنسان و الحقوق الأساسية، والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

حق الإستعانة بمحام في مرحلة قبل المحاكمة

لم يشر القانون لحق المتهم في الإستعانة بمحام في مرحلة ما قبل المحاكمة إلا في المادة 83 (3) حين نص على أنه “يكون للمقبوض عليه حق الاتصال بمحاميه والحق في مقابلة وكيل النيابة أو القاضي” وهو نص يمثل إستجابة ضعيفة لحق مقابلة المحامي  والتي حددتها المحاكم بمعزل عن القانون، وربما رغماً عنه، حين تصدت محكمة الإستئناف للأمر فى الستيينيات من القرن الماضى.

تم إقرار مبدأ حق المتهم فى مقابلة محاميه، فى دعوى حكومة السودان ضد ديكران هايفونى. حين قرر القاضى جلال على لطفى على لسان محكمة الإستئناف، كون أن التحريات لم تكتمل بعد، لا يعد سببا لمنع المقابلة، فما فائدة المقابلة بعد أن يدلى المتهم بإعترافه ؟ كما فسر المادة 46 (4) من لوائح الشرطة التي تنص على أن تتم المقابلة فى حضور الشرطة ، بأنها تعني أن تكون على مرأى وليس على مسمع من المتحرى أو شرطى آخر  يعينه هو، وهى الجملة التى ذاع إستخدامها بعد ذلك وأصبحت أحد القواعد الذهبية للقانون.

عدم السماح للمحامي بحضور التحقيق مع موكله

أغفل القانون النص على السماح للمحامي بحضور التحقيق مع موكله، وجرى العمل نتيجة لذلك علي عدم السماح له بذلك، بل وإستبعاده عن كل إجراءات التحري والتحقيق. قصر دور المحامى على إجراءات المحاكمة يجرد الحق من محتواه، لأن الإجراءات التي تسبق المحاكمة والتي تتصل بجمع البينات، وهي مرحلة التحري والتحقيق وتوجيه التهمة، هي التي تحدد سير المحاكمة. وكثيراً ما يجد المحامي الذي يطلب منه تمثيل الدفاع في مرحلة المحاكمة، أنه فقد القضية قبل أن تبدأ نتيجة لما تم أثناء التحري من إجراءات لم يحضرها، ولم يعرف بها. وقد قيل في دعوى Murray v. UK   في انجلترا “أن الحق في الحصول على النصح القانوني أكثر أهمية فى مرحلة التحري حيث يتحدد موقف المتهم في أي محاكمة لاحقة”.

كما ويجب إتاحة الحق في الإستعانة بمحامي منذ لحظة القبض على الشخص أو توجيه التهمة له، ويجب أن يسمح دائماً للمحامي بحضور أي إجراء يستوجب حضور موكله، وأهمها التحقيق مع الموكل.

كذلك لا بد من السماح للمحامى بالإطلاع على يومية التحرى بمجرد توجيه التهمة بواسطة النيابة، وقبل بدء المحاكمة بوقت كاف يتيح له تحضير دفاعه إذ ينتفى الغرض من سرية البينات بعد إكتمال التحرى.

حق المتهم في أن يتم تنبيهه لحقوقه الدستورية

حق المتهم في الإستعانة بمحام هو أحد أهم المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة، وهو لصيق بمبدأ آخرمن تلك المبادئ ، وهو حق الشخص في أن لا يُجبر على تقديم بينة ضد نفسه. حضور المحامى في تلك المرحلة المبكرة يضمن تنبيه موكله لحقه فى الصمت، وهو حق الشخص فى الإمتناع عن الرد على الأسئلة التى قد يؤدى الرد عليها إلى إثبات إرتكابه لجريمة ما.

لم تكتفى القوانين الحديثة بتقرير الحق في الصمت، بل وضعت على  الشرطة واجباً إيجابياً بتنبيه المشتبه فيهم لحقوقهم  الدستورية فى هذا الخصوص، فيتوجب عليهم قبل توجيه أى سؤال لشخص محتجز لديهم تنبيهه إلى حقه فى الإستعانة بمحام، و حقه فى الصمت. ويتطلب ذلك إخطارهم بوضوح وبشكل مفهوم لهم بحقهم فى الإمتناع عن الإدلاء بأي أقوال، وأن أي أقوال يدلون بها قد تستخدم ضدهم كدليل في المحاكمة. كما ويتوجب إخطارهم  بأن من حقهم الإستعانة بمحام فإن لم تفعل الشرطة ذلك، يكون كل ما أدلى به المقبوض عليه غير مقبول كبينة في محاكمة ذلك الشخص. وهذا الحق في التحذير نشأ أول ما نشأ في إنجلترا وويلز في عام 1912،عندما صدرت القواعد القضائية ،والتي قضت بأنه يتوجب على الشرطي إذا أراد إستجواب شخص مشتبه فيه حول الجريمة، يجب عليه أولاً أن ينبه ذلك الشخص إلى حقه في الصمت، و لكنه ذاع عندما تبنته المحكمة العليا الأمريكية في سابقة ميراندا ضد أريزونا، والتي قررت أن التحقيق قد خلق رهبة في نفس ميراندا، الذي لم يكن على علم بحقه الدستوري في الصمت، ولا في الإستعانة بمحامي، ولذلك فقد ألغت الإدانة وأمرت بإعادة المحاكمة .

التنبيه حق دستورى لا يجوز للقانون تجاوزه

عندما إستجاب الكونجرس لضغوط العاملين في أجهزة تنفيذ القانون، و أصدر المادة 3501 والتى تقضى بأن المعيار الوحيد لقبول أو إستبعاد أقوال المتهمين فى المحاكمة، هو ما إذا كانت هذه الأقوال قد تم الإدلاء بها طوعاً. قررت المحكمة العليا ألأمريكية فى DICKERSON  V United STATES 530 U.S. 428 (2000)  أن الكونجرس لا يستطيع أن يتجاوز حكم المحكمة العليا فى دعوى ميراندا ضد أريزونا، لأن المحكمة العليا هى الجهة المنوط بها تفسير الدستور، وأن ما تقضى به المحكمة العليا بإعتباره تفسيراً لأحكام الدستور، لا يستطيع الكونجرس أن يتجاوزه بالتشريع العادي.

كل هذه الحقوق الدستورية وغيرها مما ضاق المجال عن عرضها، أغفلها قانون الإجراءات الجنائية، ولم يتطرق لها التعديل، مما يجعل إجازة هذه التعديلات لا يضيف لوضع سيئ إلا مزيد من السوء.

نبيل أديب عبدالله

المحامي