الباقر العفيف

شاهدنا الفيديو الصادم للفنان الكبير محمد الأمين، والذي أبدى فيه استياءه من جمهوره الذي استبد به الطرب فطفق يغني معه..  توقف الفنان محمد الأمين وخاطب جمهوره قائلا “ما هو إما تغنوا إنتو أو أغني أنا”.. كانت الأوركسترا خلفه ما تزال تواصل في الأداء الموسيقى لأغنيته الرائعة “زاد الشجون”… فاستدار محمد الأمين تجاه زملائه الموسيقيين وأوقفهم بإشارات إنهاء الأغنية. ثم استدار مرة أخرى نحو جمهوره قائلا لهم: “لا بالجد يعني يا تغنوا انتو يا أغني أنا.. يعني أنا ما حأقدر أؤدي كويس.. يعني لو داير أتصرف في الأداء ما حأقدر.. طيب خلاص معليش.. نخلي الأغنية دي ونغني حاجة تانية”.. واستدار للمرة الثالثة تجاه الأوركسترا. حاول بعض أفراد الأوركسترا إقناعه بمواصلة الأغنية، فرفض بغضب ظاهر.. قائلا بصوت عال “ما عاااايييزززز”. واستدار الفنان محمد الأمين محمد الأمين بعد ذلك لجمهوره وحدثهم مطولا، شارحا لهم الفرق بين الأغنيات التي يمكن للجمهور أن يغنيها معه مثل “أنا وحبيبي” و”الموعد”، وبين ما أسماه “الغناء الكبير” الذي يفسده تفاعل الجمهور لأنه يشوش عليه ويمنعه التصرف والارتجال. ثم ختم حديثه قائلا: “يا جماعة قدروا المسألة دي.. وختوا في بالكم أنكم جايين تسمعوا ما جايين تغنوا.. بالجد يعني”… ثم ابتسم وقال “شكرا”.

اعتبر بعض المعلقين هذا الكلام اعتذارا لجمهوره عن غضبه وانفعاله. فهل حقا كان كذلك؟ بالطبع لا.. كان هذا تبريرا لتصرفه وليس اعتذارا.. وهناك فرق كبير بين الاعتذار والتبرير.. فالاعتذار يشير للخطأ في جانب المعتذر، أي في جانبه هو. والتبرير يشير للخطأ في جانب الجمهور. وخطأ الجمهور في نظر ود اللمين أنه نسي كونه “جاء ليستمع مش ليغني”. خلاصة القول إن ود اللمين لم يعتذر لجمهوره، وبكل أسف يبدو أن الاعتذار، في عرف هذه الأجيال، لا يليق بالكبار.. والسؤال هو هل أخطأ الجمهور حقا عندما غنى معه؟  لماذا افترض محمد الأمين أن الجمهور سيفرق بين “الغناء الكبير” فيستمع له فقط وبين الغناء الخفيف فيردده معه؟ لو أن الفنان محمد الأمين قدم محاضرته التثقيفية الرائعة تلك في مقدمة الحفل، كان يمكن أن نتفهم انفعاله، فقد أعذر من أنذر كما يقولون.. ولكن هذا لم يحدث ومع ذلك عاقب الفنان جمهوره على جهله بأنواع الغناء التي تحدَّث عنها. وبالرغم من كون ود اللمين قال في محاضرته أن هناك أغنيات يمكن لجمهوره أن يغنيها معه إلا أنه عاد وناقض نفسه عندما ذكَّرهم أنهم “جاءوا ليستمعوا” ولم “يجيئوا ليغنوا”. فمن أين له أن يحدد لهم خياراتهم؟ هذا حفل جماهيري وليس جلسة استماع.. وما المانع أنهم جاءوا ليستمعوا ويغنوا ويطربوا ويرقصوا ويتفاعلوا ويفرحوا في ظروف عَزَّ فيها الفرح؟ فلماذا أرادهم مستمعين فقط؟ ولماذا لم ينبههم مسبقا بأن هذه “أغنية كبيرة”؟ أليس هو من يعرف أحسن؟  

وإذا افترضنا أن الجمهور أخطأ التقدير، ألم يكن في مقدور ود اللمين أن يتصرف بطريقة أَلْيَق تراعي كرامة معجبيه؟ قال بعض المعلقين أن الفنان محمد الأمين يحترم جمهوره ولكنه يحترم فنه أكثر.. فهو لا يتملق جمهوره، ومن حقه أن ينتقد هذا الجمهور. وهذا كلام في غير محله من وجهين. الأول هو أن الإنسان غاية في نفسه وليس هناك غاية فوقه، سواء كان فنا أو دينا. والفنان الذي يستحق اسمه يعلم أن احترام الناس وحفظ كرامتهم هو أساس الحياة كلها، خل عنك الفن. والوجه الثاني هو أن ما حدث لم يكن نقدا، بل كان “شَكْلَة”. وحتى إذا أراد الفنان نقد جمهوره أثناء الحفل ألم يكن بالإمكان فعل ذلك بصورة لطيفة أو في شكل نكتة، تضفي على الحفل بهجة أكثر، كما يفعل كبار الفنانين في العالم.. وبطبيعة الحال نحن نعلم أن هذا أمر لم يعتده الفنانون في السودان، فهم لا يتحدثون مع جمهورهم ولا يقدِّمون أغنياتهم بكلمات قبل أدائها، ولا يبادلونهم الحكي والطرائف و”القفشات”.. فقط يقفون أمام المايكرفون، يؤدون الواجب ويذهبون..

ثم ماذا عن الجمهور الذي تلقى التقريع؟ لماذا لم يحتج بصورة من الصور، حتى ولو بأضعف الإيمان، بدل أن يهتف له “سيدها.. سيدها”؟ كيف نفسر عجز الفنان عن إعزاز جمهوره؟ وكيف نفسر عجز الجمهور عن الغضب لنفسه؟

وهذا السؤال الأخير يقودنا لسؤال أكبر وهو كيف يمكن أن نقرأ هذا الحدث؟ هل هو شيء عابر، كبوة نادرة من فنان يعتبر الأول في البلاد بلا منازع، انفعل بلا مبرر معقول وعجز عن التصرف السليم؟ أم أنها تأتي في سياق أكبر وتشير لأمر أعمق وأخطر ظل يتفاعل في مجتمعنا تحت السطح لقرابة الثلاثة عقود من الزمان؟ شيء ظل يزحف على أرواحنا ببطء مثل زحف الرمال.. وشيء آخر ظل يتسرب من نفوسنا دون أن نحس به مثلما تتسرب الأعمار.. شيء ظل يجرف من قيمنا مثلما يجرف هدام البحر من ضفاف الأنهار.. فيا ترى هل هذا الشيء الذي تَسَرَّب إلينا هو ما حفز تصرف الفنان الكبير؟ وهل هذا الشيء الذي انسرب منا هو ما أطَّرَ رَدِّ فعل الجمهور؟ هل لكل ذلك علاقة بالتجريف الفكري والسياسي والاقتصادي الذي ظل ينخر في مجتمعنا كما ينخر السوس؟ هل له علاقة بالنتائج الاجتماعية والنفسية التي ترتبت على ذلك التجريف؟ هل هناك علاقة بين زجر ود اللمين لجمهوره وبين التحقير اليومي الذي يهيله سياسيو الانقاذ على رؤوس الشعب صباح مساء؟ هل “هَدَّ”َ فينا البشير، ونافع، وعثمان مصطفى اسماعيل، وعلي محمود، وغيرهم ممن استفرغوا كل ما في جعابهم من رَوَثِ القول وساقطه وأهالوه على رؤوسنا بغير حساب؟ هل تسرب سوء خلقهم إلينا وتطاولهم علينا، من حيث لا نشعر، مثلما تسرب خطابهم ليزيح خطابنا ومثلما تسربت مفرداتهم لتحل محل مفرداتنا؟ هل صرنا على دين ملوكنا؟ هل فعل شهودنا لسياط شرطة النظام العام وهي تمزق ظهور الفقيرات البائسات من نسائنا، دون أن تحرك فينا شعرة، فعلها في تطبيعنا على التعايش مع الإذلال؟ هل هان شعب السودان فسهُل الهوان عليه؟ هل أصبح شعبنا العظيم “ملطشة” للعدو والصديق؟ للئيم والكريم؟

عندي إحساس عميق بأن لذلك علاقة بالتآكل اليومي الذي ظل يُنْقِص من كرامة الانسان السوداني طيلة سنين الانقاذ المتطاولة.

ليس هناك شك أن ود اللمين شق طريقا بكرا في الغناء والموسيقى، وبنى لنفسه هذا الهرم الأكبر لبنة لبنة طوال عقود من الزمان.. عَلَّمَنا تَذَوُّق أغنياته الخارجة عن مألوف الأداء العام، وثَقَّفَنا موسيقيا، وساهم بذلك في رفع الذوق العام. ولكنه مع ذلك عجز عن التصرف مع جمهوره بذوق. طبيعي جدا أن يغني الجمهور مع فنانه المفضل.. هذا أمر يحدث حولنا في كل الدنيا.. وهو مما يبسط الفنان ويجعله يتفاعل أكثر مع جمهوره ويمد له المكرفون مشجعا.. والسودانيون يفرقون بين الحفل الجماهيري وبين جلسات الاستماع.. وهم عندما يذهبون للحفلات الجماهيرية يريدون أن يفضفضوا قليلا، ويخرجوا من ضغوطات الحياة التي تحاصرهم وتضغط على أعصابهم.. فهم لجأوا إلى حضن موسيقاك الدفيء يا أبو اللمين ليروحوا قلوبهم ساعة وساعة، ريثما يعودوا لعالمهم الحقيقي الذي ينتظرهم عند عتبة المسرح.. عالم المعاناة والآلام.. عالم الكد من أجل الخبز والدواء.. عالم النكد من الوجوه الكالحة والألسن “الزفرة” التي تطالعهم من التلفاز صباح مساء.. فهل يستحقون منك ذلك؟ دحين ما بالغت “بوليغ” شديد يا أبو اللمين؟