التغيير: الخرطوم

خافتة كانت الأمسية في المسرح القومي السوداني، على الرغم من أنها كانت أمسية الثلاثاء، السابع والعشرين من مارس الجاري، والعالم يحتفل باليوم العالمي للمسرح. تناثر المسرحيون في باحة المسرح الأمامية، منشغلين في حديث خافت أيضاً، لا تعلو منه إلا أصوات التحايا الملقاة من على البعد، وتداعيات تأجيل مهرجان البقعة المسرحي المختلف حوله، انتماءاً من البعض ومقاطعة من البعض الآخر.

حديث عن الغموض الذي ظل يكتنف عمل اللجنة المنظمة له، رغم اتفاق الجميع على ضرورة وجود فعل مسرحي ما في المقام الأول، يعدون ذلك خيراً من اللا شئ، وربما لا يزال في أذهانهم فترة الإنقطاع المسرحي الطويل تلك، وغياب المواسم المسرحية في السنوات الأولى لحكم الإنقاذ. يتحدث المسرحيون عن إحباط كبير لازم هذا التأجيل، وعن احتمال قيام  مهرجان البقعة المسرحي في أواخر أبريل القادم. وكانت هناك فعالية أكثر خفوتاً، نظمتها وزارة الثقافة ويبدو أن الجالسين في الباحة لم يجدوا ما يشدهم إليها، قالوا أنها فعالية بمناسبة اليوم العالمي للمسرح.

موات مسرحي:

المخرج والممثل المسرحي “عاطف قطيري” قال لـ”التغيير الإلكترونية” أن الحركة المسرحية في السودان ظلت لفترة طويلة في حالة من “الموات” لجملة أسباب، منها أن هناك “منظومة” تعمل على إخراج مهرجان واحد فقط هو “مهرجان البقعة”، فيما توقفت بقية المهرجانات لعدم وجود دعم منظم لها، منها “مهرجان الفرق والجماعات المسرحية”، الذي تحول في وقت لاحق لتقديم المسرحيات ذات الفصلين لكنه توقف بعد ذلك لتستمر النكسة. واعتبر “قطيري” أن ما حدث هو عمل “مدروس” ومتعمد لتتوقف بقية المهرجانات، ويظل مهرجان “البقعة” هو الرئة الوحيدة التي يتنفس بها المسرحيون، وظلت إدارته تمارس شتى الضغوط على الأعمال المسرحية، ابتداءاً من إختيارها، فهناك لجنة ثابتة معروفة ومحددة في كل دورة تتكون عضويتها من الأستاذ “علي مهدي”، و”جعفر سعيد الريح”، وآخرين – يمكن التأثير عليهم بالطبع – ما عدا اللجان الرئيسية في المهرجان الختامي، حيث تتم بعض الدعوات لشخصيات من الخارج وقال:”الباقي معروف”. وألمح “عاطف” إلى وجود انتفاضات تتعلق بالتحكيم في  بعض الدورات، كون التحكيم فيها كان عبارة عن “ترضيات”، أكثر من كونه احترافي، يتعلق بالمعايير الجمالية للعرض، ومقاييس الجودة المسرحية. وسببت هذه الممارسات مرارات للكثير من المخرجين والممثلين والعاملين في الفضاء المسرحي”.

مهرجان البقعة:

وعن مهرجان البقعة قال “قطيري” أنه  كانت هناك ملاحظات عليه منذ قيامه، أفرزت الكثير من المرارات لكن الكيل طفح في الدورات الأخيرة للمهرجان، وعليه فقد ابتعد الكثير من الشباب والرواد المهمومين بالبعد المسرحي عن “البقعة”، رافضين واقع وجود مهرجان واحد تتساقط لصالحه كل المهرجانات بفعل فاعل، وظهرت جماعة “المسرح الحر” التي لا تزال تعمل على الرغم من كونها مُحاربة، ولا تجد الدعم من أي جهة كانت، وفيهم مسرحيون شباب و نقاد وتمت دعوة فرق كثيرة من الخارج لتقديم عروضها منها فرق من ليبيا ومصر، في ثمانية دورات، سعياً لإيجاد متنفس للمسرحيين، وخلق بيئة معافاة، ولجان تحكيم “نظيفة”، تخدم تطور العمل المسرحي. فهناك مقاطعة كبيرة من المسرحيين الشباب وجيل الوسط وحتى الرواد لمهرجان “البقعة”، وحتى الذين اشتهروا بمشاركتهم في الدورات الأولى، أحجموا عن المشاركة لجملة تراكمات لها علاقة بالإقصاء وصعوبة العمل في ظل معاناة كبيرة للممثل والمُخرج، حيث لا توجد اعتمادات لتكلفة المواصلات، ولا يوجد مكان لتأدية البروفات، على الرغم من وجود ثلاثة عشر جهة راعية للمهرجان في برنامج “الشراكة الذكية”، كما يسميها “علي مهدي”، منها وزارة الثقافة، كما أن أجور المخرجين متدنية فقد يمنح المُخرج مبلغ خمسة ألف جنيه لتقديم عرض يشارك فيه عشرة ممثلين!! وهي كارثة لا تعني سوى أن يتحمل المخرج عبء عمل الأزياء والمُلحقات، وتوفير المعدات الناقصة من أدوات الإضاءة الجيدة والـ”سموك ماشين”، و”الفلاتشرات”، وغيرها، يقتطعها المخرج من ذاته ليوفر تكلفة المواصلات، فهي “عطية مزين”.

البقعجية .. إمتيازات مجانية:

 ويمضي قطيري للقول أن المسرحيين يعملون مجاناً في الغالب لحبهم واستشعارهم أهمية المسرح وضرورة النهضة، واحتراماً لتاريخ المسرح السوداني الذي يعود لما قبل تأسيس “مؤتمر الخريجين”، فيما تستأثر إدارة مهرجان البقعة بكامل الحصة المالية المرصودرة له، وأنت تجد – للمفارقة – أن الجوائز المرصودة في المهرجان متواضعة وزهيدة وزاد:”في مرة فزت بجائزة تمثيل  أولى وكانت “ألف جنيه” مناصفة مع الممثل “محمود السراج”  بواقع “500” جنيه لكل ممثل، مما يشعر المسرحي بـ”الرخصة”، خاصة حين يجد ملصقات رعاية المهرجان وفيها البنك الفرنسي، وبنك الخرطوم، وشركة زين للإتصالات، وشركة “ام تي ان” وغيرها. فالبقعة غير شفافة في المسائل المالية، مما يشعر الفنان بالمهانة، فضلاً عن أنهم قسموا المسرحيين لـ”بقعجية” وهم الموالون لمهرجان البقعة وإدارته، وهم أصحاب الحظوة والإمتيازات، وغير “البقعجية”، وهم الذين لا يستطيعون أداء أعمالهم المسرحية إلا بشق الأنفس، وكل ذلك بالطبع بعيداً عن مقاييس المسرح المتعارف عليها، والمسرح يفترض يناقش كل قضية بحرية تامة بعيداً عن مثل هذا الإستقطاب الذي يؤثر على عمله بالضرورة. ولا زلنا غير قادرين على الخروج من هذه العباءة، وظل الهيمنة التامة من مهرجان البقعة على الفضاء المسرحي، وهو سبب إحجام العديد من المسرحيين عن المشاركة فيه، لكن هناك مجموعة من الشباب الخريجين من جامعة السودان والنيلين وقصر الشباب يشاركون فيه في سعيهم لتقديم مسرح يحمل هموم الوطن رغم كل شئ، وهناك طموح الفنان، لكن بالطبع تنقصهم التجربة، وأنت حينما تشارك في البقعة لعدد من المرات ومن خلال الأحتكاك والخبرة يتعري كل شئ أمامك، وتظهر عيوب المهرجان باعتبارها خصماً على جودة العمل المسرحي.

تدني المستوى الفني:

وعن المستوى الفني للأعمال التي تقدم في مهرجان البقعة قال “قطيري” أنه وفي السنوات الأخيرة تضاءل المستوى الفني للمسرحيات بشهادة النقاد والجمهور، وغاب “المسرح الحقيقي”، وهو شئ ملحوظ ومُعاش، وظلت محصلة الجودة والإتقان تتقلص، حتى انفجار أزمة تأجيل المهرجان، ولم تبين إدارة المهرجان ما إذا كانت أسباب التأجيل مالية أو غيرها، ولربما أحجم الرعاة عن الدعم حينما لم يلمسوا مردوداً واضحاً للمهرجان، حينما لاحظت البنوك والشركات الداعمة للمهرجان ضعف الانتاج، فأحجموا عن دعمه وأضاف:”لكنا سمعنا أن فعاليات مهرجان البقعة ستقام في أواخر أبريل القادم. وإذا جاز أن نسمي هذا نجاحاً فقد نجحت وزارة الثقافة عن طريق مهرجان “البقعة” في إقصاء بقية المهرجانات والمواسم المسرحية، ليستمر البقعة على حساب غيره، بينما تتساقط بقية المهرجانات لصالحه. واستدرك قائلاً:”على الرغم من كل مساوئ “البقعة”، فوجوده خير من عدمه، فقط لنشاهد عروض مسرحية جديدة، ونطالع ذلك الإيهام الجميل الذي يوفره المسرح عبر إيقاظ المتفرج ليمضي في طريق التغيير الإيجابي، أثناء بحثه في فكرة الخير والشر، والجمال والقبح، ومناقشة مختلف الأفكار والقضايا، مثل قضية غلاء المعيشة، ويقود كل ذلك لخلق عالم متوازن، وهي رسالة المسرح في الأساس”.

إتحاد دهيب:

وبالحديث عن تلمس طريق الخروج بالمسرح من هذا المأزق يقول “قطيري” لـ”التغيير الإلكترونية” أن مجموعة “تجديد” المسرحية حديثة التكوين، والتي تضم عددا كبيرا من المسرحيين، أخذت على عاتقها مهمة ترميم “اتحاد المهن الدرامية”، أو “اتحاد المهن التمثيلية”، عبر استعادة الإتحاد، وتجدد المفاهيم البالية فيه لتحويله من اتحاد غير عامل قائم على شخص واحد هو رئيسه “احمد رضا دهيب”، إلى اتحاد يعبر عن هموم المشتغلين بالمهنة، حيث أن الإتحاد اليوم محصور في شخص رئيسه، ولم نعرف له إنجازاً واحداً في دورتين متتاليتين، إلا ما يرشح عن سفرياته، وقرارات غامضة من قبيل “إقالة الأمين العام”، لكننا لم نر الإتحاد ينظم مهرجانات لا ورش ولا غيرها، فتهدف “تجديد” حسب ما أعلنت لخلق الوعي بمهام الفنان المسرحي في ظل هذا الركود، ومعمعة الحياة والروتين اليومي من أجل استعادة الإتحاد وروحه، وعلى الرغم من أنها ووجهت بصعوبات كبيرة في التسجيل وعراقيل من جانب اتحاد دهيب، لكنها أنجزت تسجيلها، وتوسعت قائمتها التي تسعى لخوض انتخابات الإتحاد في أبريل القادم لتضم “110”  من المسرحيين شباباً ورواد، لكن عند نشر كشوفات الناخبين لحضور الجمعية العمومية المقرر انعقادها في السابع من أبريل فوجئنا بعدم ظهور هذه الأسماء، على الرغم من تسجيلنا ووجود إيصالات دفع اشتراكاتنا بحوزتنا، ويظهر كشف الإتحاد وبه “130” إسم، لم نعرف أسماء “64” منهم، إذ لا نعرف ولم نسمع لهم بأي مشاركة تمثيلية أو مسرحية، وكان أعضاء المجلس التنفيذي خارج الكشف!! فتقدمنا بطعن في هذه الأسماء خلال فترة الطعون اللائحية والممتدة من الثاني والعشرين من مارس الجاري وحتى الثاني من أبريل المقبل حيث حُدد موعد نشر الكشوفات النهائية للناخبين في الثالث منه، ولا زلنا ننتظر نتائج الطعون.