خالد فضل

 أصدرت وزارة التربية والتعليم ؛إدارة امتحانات السودان بيانا تناقلته وسائط الإعلام المختلفة فحواه أنّ تسريبا قد حدث في امتحان مادة الكيمياء الذي انعقد يوم الأربعاء 28مارس 2018م , وأنّ الوزارة قد ألغت الإمتحان المكشوف وبصدد إعادته في وقت لاحق . وبالطبع تعتبر امتحانات الشهادة الثانوية والتي تعرف ب(الشهادة السودانية ) آخر الإمتحانات في مرحلة التعليم العام ’، إذ ينتقل بعدها الطلاب إلى التعليم العالي ومختلف ضروب الحياة لمن لا يواصلون رحلتهم الأكاديمية , وعبرها يتم تفريع الطلاب إلى مختلف التخصصات المدنية منها والعسكرية ، وتكتسب أهميتها من هذه الزوايا ، ولهذا تسبقها وتلحقها إجراءات مطوّلة تشترك فيها الأجهزة الأمنية والشرطية إضافة لوزارة التربية بالطبع , وتنفق أموالا طائلة في مراحلها المختلفة يتم تحصيلها من الطلبة الممتحنين فيما يعرف برسوم الإمتحانات التي تسددها الأُسر دون توان .هذا فضلا عن الإهتمام ودفع أموال كثيرة لزوم المدارس الخاصة وشبه الخاصة والحصص الإضافية والدروس الخاصة والمذكرات والكتب …‘لخ , تنتظر الأُسر والطلبة الإمتحانات بشغف شديد ويتابعون تفاصيلها بدقة ويتلهفون من بعد لإعلان نتائجها ، وتتبارى الصحف في الحفاوة بالمتفوقين /ات  وتنتعش مواردها بإعلانات التهاني ودعايات المدارس الخاصة في الخرطوم بصورة خاصة .  جال بخاطري كلّ ذلك ومجموعة من طلابي يقولون بأسى وأمام عدد من معلميهم : ليس إمتحان الكيمياء وحده ، كل الإمتحانات حدث لها ما أعلنته الوزارة . بالنسبة لي شخصيا كنت قد اطلعت على الخبر الذي أوردته التغيير عشية امتحان اللغة العربية , لم ينتابني شك في الخبر للمصداقية العالية التي تتمتّع بها الصحيفة , ولأنّ واقع التسريب والخداع والكذب بات يشكل البرنامج الفكري والسياسي للنظام الفاسد المسيطر على البلاد , لم استطع النظر إلى عيون أولئك الصبية وهم في سن16 أو 17سنة على الأكثر , الحسرة تملأ جوانحهم إذ من بينهم متفوقون جادون بذلوا الجهد الخالص وعكف معلموهم على تقديم خلاصات خبراتهم ومعارفهم لتجهيزهم للنجاح والإمتياز ، أعلم ذلك تماما بحكم متابعتي اللصيقة لهم ، خجلت من  النظر إلى عيونهم , وماذا يقول المعلّم لتلميذه في مثل تلك السن الباكرة من حياته ؟ماذا أقول لهم وماذا نقول لأبنائنا عندما يواجهوننا بهذه الوقائع المريرة ؟ أ ننسج التبريرات الكاذبة ثمّ نعود مرتاحين إلى ردودنا البائرة عن جهل هذا الجيل وقلة حيلته وخفة عقله وانصرافيته واهماله واهتمامه بالموبايلات وانصرافه عن الدروس الجادة وحل الواجبات ولذلك ينشغل أكثر بتسريب الإمتحانات ! بل ماذا نقول لنابه من بينهم يسألك :ومن سرّب الوطن ؟  

  والأخبار تصفعك منذ ثلاثة عقود ، فتح أبواب البلاد أمام جنسيات متعددة ، ليس بغرض انعاش الحياة بالتعددية وتلقيح الثقافات واقتناص المواهب , لا على العكس من ذلك , البلاد مفتوحة أمام جماعات الإرهاب الديني وأفكار التكفيريين , من أجل دعم الآحادية الدينية والثقافية لأن تعددية السودانيين أنفسهم عبارة عن (دغمسة ) ساكت . في حين كانت أفواج الإرهابيين محل حفاوة وترحيب وترتيب وتدريب كانت بيوت الأشباح نُزلا لكل من قال لا في وجه من قالوا نعم ! كانت فجاج المنافي وعشيّات الغربة ومفارقة الوطن والأهل والوظيفة كان الهروب لحماية النفس وفتح الأفق أمام الذريّة وطلب العيش لهم ولمن بقي في الديار أكبر هموم الراحلين , مثلما كان طلب استعادة الوطن ومعاودة النضال الشرس مطلب آخرين  , ومن يومها والساقية لسه مدورة , كل صباح جديد يفرد طائر غريد جناحيه ميمما شطر المدن البعيدة لتنمو حياة هناك موازية , حياة الشعر والشعور ولو في استراليا  القصية على وزن عاطف خيري , جايين بالكتابة وضربة الناس المهابة , وعادل القصّاص والحصة قصّة ومعاوية البلال و و و و ……  جلّ الوطن المبدع هناك , تسرّب من بوابات العروج أو متاهات الخروج ! أوربا يشعلها شعرا وفكرا وأدبا نُخب من الوطن , أمريكا صارت تعجُّ بالإبداع والصحافة والمسيقى والغناء السوداني الجميل النبيل , الخليج وبلاد العرب , آسيا وإفريقيا , كل خارطة العالم تسرّب إليها الوطن يا أبنائي , ليست امتحانات كيميائكم والفيزياء , التاريخ والحضارة صارت (قطرية ) انتجتها (حتشبسوت) وترعاها لكم الشيخة (موزة) , ميناء عثمان دقنة وصبّ دمعي وأنا قلبي ساكن حار فراقك نار يا سواكن , هدية (أسد افريقيا) لنمر(أوراسيا) أردوغان حبيب الإخوان , وسماء بلدك المرصّعة بالنجوم و(سودانير) تسرّبت إلى (عارف وما عارف ) الكويت , وذهب وطنك الغالي (أرياب ) وقصة الغموض الفرنسي , وشركة من الصين تتسرّب من كسلا تصتحب في معيتها جبلا كما قيل لتتركسيارات فارهة لزوم استخدام الحكام يا ولدي ! إيه يعني تسرّب الكيمياء والانجليزي , وحزن الصادق الرضي لا يتخيّر الدمع ثيابا كي يُسمى في القواميس بكاء , حزن الصادق مقيم في بريطانيا محاورا قلق وابداع أنور عوض وبهاء كلمته وفكرته وصحفيته الباهرة , فلا تقلق . والخطوط البحرية تتسرّب , جامعة الخرطوم ذاتها تتسرّب صوب مظان الودائع الدولارية وعمولاتها المليونية , وما ضلّ صاحبكم وما غوى ولكنه صاهر هذا وهوابن عم لذاك فوجد دولارات سائبة فارتوى ولولا صراع كسر العظم  لكل من يُظن أنّه من هوى (نافع) لما جرى ما جرى والوطن يتسرّب صوب روسيا التي دنا عذابها وطُلبت حمايتها بقاعدة عسكرية على البحر المالح كما حمت (بشّار ) , والأرض تتسرّب ملايين الأفدنة , والنيل يتسرّب , والأخلاق (طارت ) بجناحي الفساد والإستبداد, ويتسرّب الوطن , لكن حتما يا ولدي يتسرّب الضوء , الوعي يشرق في عينيكم , مكان الحسرة موهبة ومكان الغصة ضحكة ومكان الكيمياء المتسربة تصميم آخر وعمل نحو فجر جديد سيأتي رغم الغبار الكثيف وليل القمع الطويل وسحب التضليل .