التغيير: الخرطوم

رحل الصحفي والكاتب والمناضل السياسي أبو بكر الأمين صباح امس الاثنين بعد صراع مع المرض.

وأصدرت شبكة الصحافيين السودانيين البيان التالي في نعيه:

 

“فجراً وضع أبو بكر الأمين أدوات إبداعه ومضى لحيث الأبدية، مضى وفي فمه ابتسامة وفي وجهه وضاءة وفي روحه سماحة، رحل من كرّس وقته ونذر عُمره لرعاية أحلام البسطاء. مضى شفيفاً، خفيفاً كالطيف في ليلة صائفة، شجاعاً مهاباً كواحدٍ من أبطال التراجيديا الإغريق. رَحَلَ وترك عَصافيرنا تطيرُ بِلا أَجنحةٍ وتَنسى مناقيرَها في تُرابِ القُبورِ الجماعيَّةِ.

 

لقد كان أبو بكر الأمين أيقونة من أيْقُونَات الزمان علماً ودرايةً وتجربةً وإقداماً وتواضعاً، كان واحداً من الذين اجتذبهم البريق والحُلم بدفع الحياة نحو الأفضل، فقدّم تجربةً إنسانيةً نادرة المثال إذ نهض مع آخرين بتنظيم وحشد البسطاء لخوض معارك كبيرة لا عن طريق المنشور والندوات الموسمية، بل بالعيش وسط المُزارعين والعُمّال والطلاب، وفي مجالسهم وأفراحهم وأتراحهم، وعمل – مع آخرين – بصبرٍ مثل صبر الصحابة، لإدخال الوعي إلى صُفوفهم دُون ترفُّعٍ ولا مَنٍّ ولا أذى. ومن ثنايا تلك التجربة تولّدت أفكار ومُبادرات شتى بينها “هيئة الدفاع عن الحُقُوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة”.

 

ولم يكتفِ أبو بكر الأمين ببث الوعي في تلك الجهات وحدها، حيث انتسب إلى صاحبة الجلالة، وكان واحداً من فرسانها ليمثل مُؤسّسةً مُتكاملةً في زمنٍ اُختطفت فيه المنابر وصُودرت الحُقُوق، وتشهد صولاته وأطروحاته بجميع الصحف التي عمل بها وبينها “الميدان” و”الأضواء” و”الحرية”، وشكّلت زاويته الشهيرة “سكناب” نافذته اليومية التي يطل بها على الجماهير الذين لم يغيبوا عن فكره وروحه ومخيلته لحظة واحدة. وكان من الداعمين لعمل شبكة الصحفيين ‘مابخل علي الشبكة والقاعدة الصحفية يوماً بالرأي والنصح وكان قريباً ولصيقاً بهموم المهنة.

 

دفع أبو بكر الأمين أثماناً باهظة لمناهضته الديكتاتوريات والأنظمة القهرية في السودان، وكان ضيفاً دائماً على السجون والمُعتقلات القميئة إبان حكم الرئيس جعفر نميري، حيث بقي حبيساً خلف الأسوار حتى أخرجته الجماهير الثائرة ظهيرة السادس من أبريل 1985م غداة الاقتحام الأسطوري لسجن كوبر الرهيب.

 

لكن أبوبكر لم يلبث إلا أعواماً قليلةً حتى عاد إلى زنازين السجون وأقبية المُعتقلات و”بيوت الأشباح” السيئة الصيت بعد وثوب الظلاميين إلى الحكم في يونيو 1989م. لكن تلك التجارب المريرة لم تزد شخصية الراحل إلا كما تتضوع أعواد الصندل عند احتراقها، مثلما ضوَّعَ في الأهوال صبَراً آلُ ياسر.

 

وفي ساعات مرضه الوبيل لم يشأ أن يبلِّغ أحداً أو يزعج أحداً من العالمين ولسان حاله يقول: “أنا عارف إني ماشي وما خائف من أي شئ”. لقد أفرغ عليه ربه صبراً كصبر الحواريين ويسوع يساق تحت أبصارهم إلى طريق الآلام الموحش.

 

يا أبو بكر الأمين لقد ذرفنا الدمع عند رحيلك ليس جذعاً من الموت  فملثنا لا يفزعه الموت، لكن حُزناً عليك ولن نقول إلا ما يرضي ربنا (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).”

شبكة الصحفيين السودانيين

الأحد 2- أبريل – 2018م