التغيير: الخرطوم

حضرة :  معظم من يسكبون ماء النار على شريكاتهم ، لهم علاقة ما بالقوات النظامية

رشا أبو العايلة: المرأة كلما قويت شخصيتها  برزت فرضية ضرورة تأديبها وإذلالها حتى تخضع!

تحكي الحاجة آمنة أحمد ماحدث لابنتها مقام التي ترقد في مستشفى النيل الأبيض ببحري الغرفة رقم 11 في حالة خطرة لا تسمح  لها بالكلام ولا الحكي  .ليقطع أنينها وتأوهاتها من الألم الحديث مع والدتها المرافقة لها منذ الحادث؛ والتي تقول  :قبل خمسة أشهر  جاء طليقها إلى المنزل ليلا وسكب فيها (الأسيد) مايعرف في السودان ب (ماء النار ) وهي نائمة فقامت تصرخ (كشح فيني نار ) وصحوت مذعورة واحتضنتها ظنا مني أنها (ممسوسة ) أي مسها جان واحترقت يداي وجزء من وجهي وصدري وأي مكان لمسته فيها  .

المتهم الزوج السابق :

من هو الفاعل ؟ سألنا أم مقام التي اتهمت زوجها السابق وقالت أنه تم عقد قرانها   عليه وهي متزوجة قبله ولها طفل عمره خمسة أعوام . لكنها لم تتوافق معه  . وطلبت الطلاق .فرفض تطليقها ، وأخذ يماطلها لعامين حتى تطلقت بالمحكمة قبل شهر من الحادثة . ولم يتم القبض عليه حتى الآن لأنه هرب .

قضايا مشابهة..الفاعل الشريك  :

هناك عدد من القضايا المشابهة في الثماني سنوات الماضية . الجامع بينها أن الجاني هو الشريك ..سواء كان زوجا أو خطيب أو حبيبا .قررت الضحية إنهاء علاقتها به

وقضية مقام التي تناولتها وسائل الاعلام في الأيام الماضية سبقتها حوادث كثيرة   .

فقد صدم المجتمع السوداني في فبراير من العام 2010 بحادثة مشابهة لزوج عائد من الإغتراب يسكب (الصودا الكاوية ) في زوجته بعد عودته من صلاة الصبح .وحينما حاولت ابنتاهما التصدي له وحماية والدتهما أصابهما جزء منها وانتهت الحادثة بوفاتهم الثلاثة بعد أشهر طويلة  من العلاج .

ونشرت وسائل الإعلام حينها أن خلافات عميقة بينهما بعد عودته جعلت الزوجة تطالب بالطلاق الأمر الذي رفضه تماما .

طموح سناء …يؤجج غضبه  

غير بعيد من الأذهان حادثة سناء الأمين عوض الكريم  في فبراير من العام 2008.وهي من قرية (أم حجار المكاشفي ) ريفي المناقل .وهي فتاة طموحة رفضت الزواج بسبب رغبتها في إكمال التعليم إلا أن والدها أصر على تزوجيها مبكرا بعد امتحان الشهادة السودانية  لموظف يكبرها بأعوام .إلا أنها رفضت معاشرته وأصرت على مواصلة  دراستها حتى بعد الزواج. والتحقت بكلية الآداب جامعة النيلين .ومع رفضها التام التعامل معه قام بإرجاعها لأهلها ومحاولة إقناعها بكافة السبل إلا أنها لم تلن .فقام بشراء الصودا الكاوية من محل بطاريات قرب بحري .وسافر للقرية وهناك إلتقى شقيقها الذي يسانده وأخبره أن هذه محاية (فكي) حتى تعود إلى بيت الزوجية وماعليه إلا أن  يسكبها في وجهها وهي نائمة بالليل .وقام الأخ بتنفيذ الخطة وتفاجأ بصراخها من الألم ثم اهتراء لحم وجهها .وتم نقلها للخرطوم ونشر قصتها في الصحف وتكفلت الشيخة فاطمة بنت مبارك حرم الشيخ  زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الراحل  بعلاجها في أمريكا .وقد أجريت لها عشرات العمليات التجميلية حتى تخفف من آثار الحادثة  .

حواء ..أسيد في  رأس السنة  

في الليلة الأخيرة من العام 2014 .والناس تحتفل برأس السنة في مدينة سنار .كانت حواء في طريقها لحفل ساهر في منزل جيرانهم حينما أوقفها خطيبها السابق في الشارع وهو يركب موتر ويحمل شيئا في يده لم تتبينه وسألها مباشرة هل صحيح أنك ستتزوجي ؟ وأن العريس أحضر المال والشيلة ؟ نفت  الخبر ورفض أن يصدقها ورش الأسيد  (ماء النار) في وجهها وبدأت تصرخ وتتلوى من لألم لكن أهل الحي لم يسمعوها بسبب مكبرات الصوت في حفل الجيران وعثر عليها غائبة عن الوعي وفي حالة مزرية وتم نقلها للعلاج في الخرطوم .إالا أنها تشوهت تشوها كاملا .

النظام العام ساعد في تفشي تعنيف النساء :

المحامي  المعز حضرة ؛ كان محامي سناء التي انسحب أهلها من مواصلة القضية وجنحوا نحو التسوية مع الزوج .قال للتغيير أن هذه القضايا كانت غريبة على المجتمع السوداني لأن روح الإنتقام لم تكن تسيطر على الناس .

وحمل الناشط  الحقوقي التشريعات القانونية وعلى رأسها قانون النظام العام المسؤولية في تفشي العنف ضد النساء .إذ يقول :كل هذا عنف مؤسسي من الدولة وهي أكبر راعية له   .وإتجاه الدولة لقمع النساء بواسطة شرطة النظام العام التي تمارسه بكل وحشية وبطريقة غير مؤسسية جعل الأمر عاديا تماما للمواطن البسيط الذي يرى هذا المنظر في الشارع والسوق حينما يسكب الشرطي الماء الساخن في بائعة الشاي أثناء الكشة .كل ذلك يعتبر تطبيع مع فكرة العنف ضد المرأة …

ويقول حضرة أن معظم من يسكبون ماء النار على شريكاتهم ، لهم علاقة ما بالقوات النظامية وينتمون لإحداها خاصة الأمن والشرطة .

لابد من التعويض المعنوي :

المعالجة  النفسية رشا أبو العائلة تقول أن الرجل يحمل كثيرا من المفاهيم الإجتماعية الذكورية وهو يشعر بالمرأة مقزمة و أنه الحلقة الأقوى وأنه هو من يهيمن عليها  لذلك يغضب جدا وقد تتولد لديه رغبة في الانتقام عندما تتركه زوجته أو خطيبته أو حبيبته لأي سبب وتبحث عن حياة أفضل بعيدا عنه . وربما يكون هذا هو دافعه لارتكاب الجريمة. وهو يلجأ ( لماء النار ) لأنه الوسيلة الأرخص سعرا والأقوى تأثيرا في الحاق الأذى الأبدي أي تستمر آثاره طوال الحياة .ومن يرتكب ذلك الجرم يكون هناك خللا في شخصيته بسبب التربية أوالمجتمع الذي يتبنى قيما خاطئة .والمرأة كلما قويت شخصيتها ووعيها بحقوقها تزداد فرضية ضرورة تأديبها وإذلالها .حتى تخنع وتخضع وتكون عظة وعبرة لغيرها من النساء .

وترى رشا أن الحلول تتلخص في تشديد العقوبة واعتبار استخدام “الاسيد” شروعا في القتل . وادخال التعويض المعنوي المتمثل في تقييم مادي لعمليات التجميل وعمليات الدعم المعنوي للأذى النفسي  للضحية .من قبل الجاني .

وتتفق رشا مع حضرة في تحميل قانون النظام العام المسؤولية الأكبر لأنه أدخل في عقل المجتمع فكرة التطبيع مع إذلال وتأديب المرأة .والتشفي بجلدها وعدم احترامها أمام المجتمع .

وتتزايد حالات العنف ضد المرأة في السودان وسط انهيار سياسي وتشريعي وإجتماعي أدى لانهيار كثير من القيم القديمة للمجتمع دون تحديثها بقيم مدنية حديثة مثل احترام النساء وتجريم كافة اشكال تعنيفهن وتمييزهن سلبيا في المجتمع ..