في  السادس من أبريل عام 1985 انتفض الشعب السوداني وأطاح بالدكتاتور الراجل جعفر نميري بوسائل النضال السلمي ممثلة في  التظاهر والعصيان المدني ثم انحاز الجيش للشعب تحت شعار جيش واحد شعب واحد.

تمر هذه الذكرى الثالثة والثلاثون للانتفاضة المجيدة  على السودان وهو يرزح تحت وطأة نظام هو الأسوأ على الإطلاق في تاريخ السودان المستقل، إذ أنه أضاف إلى جرائم أنظمة الاستبداد والفساد التقليدية،  جريمة غاية في الخطورة  وهي عملية تجريف الخدمة العامة بشقيها المدني والعسكري واحتلالها الغاشم من قبل عناصر النظام الحاكم وتسميم كل المؤسسات التي من شأنها تنظيم وقيادة المجتمع بفيروس الانقسامات وفق مخطط أمني أُنفق عليه من الأموال ما كان كافيا لحل كثير من مشاكل الفقر والتخلف، وهذا جعل مهمة التغيير السلمي معقدة، وأبرز وجوه هذا التعقيد أن الشعب الواحد بفعل جرائم الحرب ومجازرها الجماعية أصبح شعوبا! والجيش الواحد بات جيوشا! وهذه الوضعية تطرح على “أصحاب المصلحة في التغيير” قضيتين مفصليتين: الأولى: توحيد الشعوب السودانية حول مشروع وطني لخلاصها وإنقاذها من العدو المشترك ممثلا في النظام، والثانية: تكوين الجيش الواحد! الجيش المستعد لعملية إصلاح تاريخي تجعله جيشا وطنيا ومهنيا لا يشهر سلاحه في وجوه المدنيين العزل حماية لطاغية، بل يتدخل لصالح الجماهير في اللحظات التاريخية الحاسمة،فهل بعد كل عمليات التجريف عبر مجازر الصالح العام والإحالة للتقاعد المبكر والتي ما زالت مستمرة حتى الآن والتي افقدت الجيش الحدود الدنيا من القومية والمهنية، وفي ظل استشراء مليشيات المرتزقة التي تحول بعضها إلى مراكز قوى قائمة بذاتها وبعضها الآخر موال للنظام، هل  يمكن لقوى التغيير أن تراهن على خيار “جيش واحد شعب واحد”؟

وهل هناك خطة لحراسة الأهداف السياسية والاقتصادية للتغيير المقبل تضمن عدم الانحراف عن مطلوبات الشعب أو نسيانها في حمى سباق النخب على كراسي السلطة؟

تحل ذكرى السادس من أبريل اليوم والبلاد أكثر تعطشا للتغيير من أي وقت مضى نظرا لحالة الإفلاس التام أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا للنظام الحاكم ووصوله إلى حالة عدم القابلية للإصلاح ، ولكن العقود الثلاثة التي مرت تفرض بقوة استنهاض العقل السياسي السوداني لاجتراح الحلول غير التقليدية للمعضلات التي تقف في طريق “التغيير المفضي إلى الإطاحة بالنظام دون الانحدار إلى الفوضى والانهيار الشامل” واستنهاض الوجدان السوداني لرفض اي شكل من أشكال الاستسلام للدكتاتورية تحت وطأة الابتزاز بخطر”الفوضى الشاملة” ويكفي هذا النظام خزيا ودليلا على الفقدان الكامل للأهلية أنه يهدد المواطن  بتدمير الوطن في حالة تجريده – اي النظام – من السلطة التي اغتصبها ذات ليلة ظلماء حسا ومعنى!