ادم عبد المولي – مدير مجلس الامم المتحدة لحقوق الانسان

 قلت لمعتصم الأقرع ونحن نتمشى ” إذا مت فهنالك شخصٌ واحد أتمنى أن يكتب نعيي : أبوبكر الأمين “. أردفت ” إنه رجلٌ يحترم الكلمة ويجيد سبكها “. لم يمض سوى يوم على ذلك حتى هاتفني عاصم عامر ونقل لي الخبر الفاجع بأن أبا بكر مصاب بسرطان البروستاتا. حين حاولت الإتصال به رد عليّ محمد الأمين وقال بأنه نائم فسألته عن صحة الخبر فأكده لي . غالبتني دموعي فسدت حلقي ولم أواصل المكالمة .

 حين كلمته في اليوم التالي قلت له ” أصمد يا زميل ، نحن والبلد محتاجين ليك . أنت علمت أجيال من الناس كيف تناضل . دي معركة ولازم تنتصر فيها “. رد ضاحكاً ” يا زميل بطل سلايق ” . كلما هاتفته كان هو الذي يواسيني ! لا أعرف من جيلنا من اتحد الرفاق في محبته سواه . ولا أعرف غيره من جمع البساطة والزهد وظمأ للمعرفة لا يرتوي وخيالاً بلا ضفاف وبراعة فائقة في كتابة المقال والقصة والشعر والرسم .

 كانت له له قدرة غريبة على السخرية اللاذعة من خصومة الطبقيين. ودحض أفكارهم بلا هوادة . أتذكرون ” كتاب السدنة ” تلك الزاوية الصغيرة التي ابتدرها بجريدة ” الميدان ” وجمعت بين الكاريكاتير وسطرين أو ثلاثة من سجعٍ هو إلى الحلمنتيش أقرب ،في واحدة منها رسم حسن الترابي وبجانبه جوزيف لاقو وهما يرفعان أيديهما ليبايعا جعفر نميري . كتب أبوبكر تحت الرسم ” من بايع بالفصحى أو حتى وإن رطن : سدنة”

 وحين قام الإخواني موسى يعقوب بتسويد الصحف بهراره – والهرار بحسب منصور خالد هو سلح الإبل – إنبرى له أبوبكر بمقالٍ أفحمه . ذلك المقال الديناميت كان عنوانه ” يا كاتب البنوك مما يخاف مستكتبوك ” كان موسى يعتاش من بنوك العيش .

جاءني مرة وأنا بداخلية “قانون” وكان وقتها موظفاً بدار الوثائق ، الوظيفة التي لم يمض بها سوى بعض عام.  أمضينا الليلة في سياحةٍ بين الشعر والفلسفة وعلم الثورة . في الصباح اكتشفت أنه لبس قميصي الجديد وترك قميصه البالي . في ذلك اليوم اعتقلوه. لم نلتق إلا بعد أربعة أعوام حين كسرت الإنتفاضة أقفال كوبر. ظللت لفترة ألاحق عثمان الأمين أن يعيد قميصي فهو عندي أداة هامة وإستراتيجية ” للخلط “. كنت أقول لعثمان بأن أخاه المسجون لا يحتاج إليه لمخالطة مترددي السجون تجاني الطيب ، محجوب شريف ، التجاني حسن ، فوزي أمين ويوسف حسين . لم يفلح عثمان كما لم تفلح محاولاتي في الخلط رغم المثابرة .

 

كان حين يزورنا بالقوز يطلب جلابيتي الأنصارية وهي من الدمور المحلي وقد ظلت ردحاً من الزمان تشارك السماء في صفتين : الوحدانية والقِدَم . كنت أحتفظ بها كنوع من عَلَم لطبقتي ، تلك الجلابية البالية كانت تزيده وسامة وغير قليل من المهابة والوقار فيبدو فيها كشيخ طريقة ، ولا غرو فقد تصوَّف في سنواته الأخيرة دون أن يغادر الخندق . تعرفت من خلاله على محي الدين بن عربي والحلاج ، وكانت نظرية الفيض إحدى غواياته الجمة .

 حين أخبرته في منتصف التسعينات بأنني سأكون مناضلاً من منازلهم لم يتفاجأ فقد اتخذ هو قراراً مماثلاً .

ومع ذلك ظللت أقول لكل من صادفته أن يعملوا على إعادته إلى صفوف الحزب فهم أحوج ما يكونون إليه . وعدني صالح محمود قبل شهورٍ قليلة أن يحاول . غير إنه انتهى به المقام ضيفاً ولا يزال عند صلاح قوش.

 ذات مساء ونحن بالقاهرة سألت تجاني عن خلافهما الذي حدا بأبي بكر ليغادر ” الميدان ” . قال لي بنشافه المحبب ” صاحبك دا بكتب بمزاجو ” . في مناسبة أخرى ذكر تجاني أن أفضل كاتب صادفه الحزب هو المرحوم عمر مصطفى المكي . كان عمر بحسب التجاني ، يغادر إجتماع اللجنة المركزية أو المكتب السياسي أثناء انعقاده ليصيغ بياناً للحزب يشجب ويدين موقفاً ما وحين يعود يكتشف أن المجتمعون قد قرروا أن الموقف الأصوب هو أن يتم تأييد نفس الموقف والإشادة به . قال تجاني أن عمراً كان في الحالين يأتي ” ببيان ما يخرش المية ” . لم يكن عسيراً عليّ أن أدرك أن كلا الرجلين ، تجاني وأبوبكر ، على حق . تجاني قوميسار والكتابة عنده أداة نضال يومي . أبوبكر مفكر وفنان ، الكتابة عنده نتاج مخاضٍ طويل وتفكير عميق .

 رحم الله أبا بكر فوالله ما قتلته إلا فحولته.

ادم عبد المولي – مدير مجلس الامم المتحدة لحقوق الانسان