خالد فضل

 بالطبع من العسير على أي شخص أن يحيط بنوايا شخص آخر , ذلك أمر مستحيل لهذا ليس بالإمكان الجزم بصدق نوايا من يقودون الآن حربا أمنية وإعلامية ضد ما يوصف بأنّها أوكار فساد في السودان , لكن يمكن لخطوات عملية وملموسة أن تعبّر بالفعل عن توجه سياسي وإرادة مستقيمة في حرب من أشرف المعارك , فما من مواطن سوداني شريف يمكنه أن يقف ضد حرب مثل هذه , ولكن قبل أن يندفع الناس في تأييد ما يشاع وينشر ويتخلل الخطب الجماهيرية والحوارات الصحفية من حماس وإفادات ومانشيتات عريضة لابد من التأكد من سلامة البيئة السياسية التي تتم في اطارها محاربة الفساد وصوره المتعددة وهنا مربط الفرس .

     هل تتوفر بالممارسة بيئة سياسية وقانونية وإدارية ملائمة لحرب ضارية تجتثُّ الفساد من جذوره ؟ الإجابة الصريحة في تقديري  مع الأسف (لا) , ولعل الكل يعلم أنّ الدولة بمختلف درجاتها ظلت مختطفة بوساطة فئة سياسية محددة , تتلون العناوين فقط بينما الأصل وطبيعة التكوين واحدة , فما الفرق مثلا بين نافع وقطبي وقوش وعطا وقوش ثانيا وهم يتناوبون رئاسة جهاز الأمن والمخابرات خلال 30سنة تقريبا , وهل الفساد المقصود بالحرب الآن فساد تمتد جذوره إلى ما قبل الحقبة الإنقاذية أم هو الفساد الذي نشأ وترعرع وأثمر في ظل عهد الإنقاذ ؟ وما هي البيئة والمناخ الذي وفّرته مظلة الإنقاذ لنشوء هذا الفساد ؟ أو ليس سياسة التمكين مثلا تعتبر واحدة من أكبر الروافع للفساد , إذ تنطوي على فرضية إطلاق اليد في كل مرافق الدولة بفقه سياسي يتدثر بثياب الدين الإسلامي , عطفا على ذلك المناخ البائس  الذي أشاعته سياسات وبرامج التمكين يمكن الزعم دون تردد أنّ أول مقومات وركائز الفساد بكل أشكاله المالية والإدارية والسياسية والنقابية والأهلية قد ترسّخت , فالجيل المسيطر اليوم وهم في عمر الستينات كانوا يومذاك شبابا في الثلاثينات على أكثر الفروض , شبوا حتى شابوا وقرّ في أذهانهم أنّهم بناة دولة الإسلام في السودان كما أنّ بعضهم يمتاز بحمله البندقية بصفة مجاهد , ثم الجيل التالي لهم في الإدارات والقيادة ممن نشأ وترعرع من البداية تحت ظل الإنقاذ وورثوا عن سابقيهم كل تلك الأدبيات , ومع طبيعة التطور التقاني ووسائط الإتصال ودراسات بعضهم في الخارج , هؤلاء يشكلون أيضا نسبة مقدرة في دست القيادة في كل مرافق الدولة التي تنؤ بالفساد الذي يريد السيد الرئيس وصلاح قوش محاربته , بل ما يزال بعض ذوي المناصب الصغيرة في المرافق يتمتعون بكاريزما التنظيم الإسلامي فتعلو رؤيتهم على قرارات من هم أرفع منهم منصبا لكنهم أقل منهم درجة في التنطيم , هذه مظان فساد , وبفرضية بسيطة أنّ الفساد الذي يتحدثون عنه هو الفساد المستشري في عهد الإنقاذ , وعندما تتبارى عناوين الصحف هذه الأيام في إبراز مناسبات الإعتقالات أو تتابع التحقيقات أو المحاكمات تجد أنّ غالبية أبطال تلك الأخبار هم في الواقع من كبار الإسلاميين أنفسهم , وهذه وضعية تستحق االتوقف عندها طويلا لسبر غور جدية ما يشاع عن حرب الفساد , على خلفية أن الشركاء يعرفون أسرار بعضهم جيدا , وهنا تسهل عمليات الإبتزاز المضاد , وتبدو خطوات لملمة المواضيع هي السمة البارزة وهذا وضع  يقدح مباشرة في صدقية التوجه لمحاربة الفساد , ولعل آكبر قضية ضد كوادر من الإسلاميين تمّ فيها اصدار أحكام هي قضية شركة الأقطان المشهورة , أمّا معظم القضايا التي أثيرت فقد تمّ لملمتها دون أحكام إدانة كما في قضية الأوقاف أو قضية التلفزيون , ورغم حجم التغطيات الإعلامية التي لا تخلو من القصد فيما يبدو , إذ نجد أنّ بعض الصحافيين الموالين للسلطة يفجرون في الإتهامات في أوقات معينة مما يدل على تأرجح ميزان الصراعات والمناصرة والهجوم ضد بعضهم البعض , وغالبا ما تتم محاكمات إعلامية لتأتي الأحكام القضائية في اتجاه آخر .

  هذه الفرضية تضعف في الواقع من سريان شعور عام وسط المواطنين تجاه ما يقال عن الحرب ضد الفساد , كذلك نجد مسألة ربط الإشارة للفساد بإمتلاك الدليل المادي , وهنا نعود إلى المناخ السائد والمضاد لمناخ محاربة الفساد , فغياب الحريات العامة وعلى رأسها حرية الصحافة والتعبير تجعل من المستحيل عمليا نجاح الحرب ضد الفساد , وأذكر هنا مقطع فيديو كان قد انتشر على مواقع التواصل للرئيس الغاني السابق وهو يداهم العاملين في الميناء الرئيس في البلاد فجر ا  ويضبط الفساد بنفسه بعدما اضطلع على تحقيق صحافي لأحد الصحفيين الغانيين أشار فيه لشبهات فساد في الميناء , وتحدث الرئيس الغاني بالاسم عن ذلك الصحفي وتحقيقه الذي قاد لضبط الفاسدين , أين موقع صحافتنا في إعراب حملة الفساد الحالية والصحف تصادر والصحافيون يجرجرون إلى التحقيقات الأمنية وقاعات المحاكم بصورة شبه يومية ؟

 إنّ نجاح الحرب ضد الفساد وإعادة تعمير ما خلفته سياسات الإقصاء وطول الإستبداد , وما ترتب على ذلك من انهيار شامل في منظومة القيم والأخلاق قبل انهيار بنيان الدولة السودانية ماديا ومعنويا , كل ذلك يتطلب مناخا صحيا مغايرا وهو الأمر الذي يشكل حجر الزاوية في هذه الحرب بدونه ستنجلي الفرقعات الإعلامية ويخبو أثر الخطب الحماسية ويعود الناس إلى ذات الواقع المرير الذي يعيشون في كنفه الآن , ولعل معظم المواطنين الآن ورغم ارتياحهم الظاهري لكل خبر جديد عن الفساد إلاّ أنّهم غير مطمئنين صراحة لجدية هذه الإجراءات وهذه وضعية لا يمكن معالجتها إلاّ بمشاركة كل الشعب ولا توجد سكة لمشاركة الجميع إلاّ عبر نظام ديمقراطي وهذا هو طريق الحل الأقرب للموضوعية وما عداه حرث في البحر .