التغيير: الخرطوم

*القراءة ليست للتفاخر بل لترجمة المعرفة إلى تنمية ونهضة

* لا توجد منصة للتنمية في السودان بغير الديمقراطية

* إنجازات المشروع 457 مجموعة قراءة ل70 عنوان بمشاركة 3500 مواطن

تقول ديباجة تعريف “مشروع الفكر الديمقراطي”، بأنه منظمة مدنية، غير ربحية، وغير حزبية، بدأت نشاطها في أبريل من العام “2013” بأول إصدارة من سلسلة “قراءة من أجل التغيير”، وتعمل السلسلة على مفاهيم الديمقراطية والإصلاح الديني، وحقوق المرأة، وحقوق الإنسان، وثقافة التنمية والإدارة السليمة للتنوع. ونظمت حوالي “450” مجموعة للقراءة والحوار بمشاركة “3500” مشارك ومشاركة على نطاق السودان، وفي عام “2016”، أصدر المشروع مجلة “الحداثة”، وهي مجلة فكرية إبداعية تهدف للمساهمة في بناء حداثة وليدة الثقافة، وتعلي من قيمة كل ما هو معرفي.

ويقول مؤسس مشروع الفكر الديمقراطي الأستاذ شمس الدين ضو البيت لـ”التغيير الإلكترونية”، أن الفكرة قديمة وليست بعمر السنوات الخمس، وهي إمتداد لفكرة “جماعات القراءة”، التي ظهرت في منتصف العشرينات من القرن الماضي بالسودان، بعد أن أغلق المستعمر الأندية وأوقف حتى أنشطة الجمعيات الأدبية في المدارس. ومن جماعات القراءة تلك، نشأ النشاط السياسي والثقافي والفني والأدبي، وتشكل المجتمع المدني الذي انطلقت منه حركات التحرر الوطني في المدارس. لكن السنوات الخمس – يقول “ضو البيت” – هي عمر المشروع منذ تأسيسه، لثلاث اعتبارات، الإعتبار الأول في تأسيس المشروع، هو أن العمل السياسي في السودان قام على الطائفية، أو الحزبية الشعاراتية، أو العمل المسلح، أو بانقلاب ضباط من القوات المسلحة على نظام الحكم، أو الأيدلوجيا في عصر “صعود الأيدلوجيا” ذاك.

فجوة معرفية:

ويمضي “ضو البيت” للقول بأنه ظهرت “فجوة” في ما يتعلق بالعمل السياسي المبني على الفكر والمعرفة حتى في حدودها الدنيا، وهي المعرفة بالسودان. والآباء المؤسسون وعلى الرغم من الجهد الكبير الذي بذلوه بلا شك، نجد أنهم لم يبنوا سياساتهم على المعرفة، وأقرب مثال لذلك هو مسألة الهوية، فهل السودان عربي مسلم؟ وترتب على هذا الفهم الخاطئ الكثير من القرارات المؤثرة، والخاصة بسياسات الدولة الخارجية، والأمنية والإقتصادية، فالملاحظ أن القرارات الأولى لم تقم على دراسة ومعرفة بالسودان، وإلا لكنا تجنبنا الكثير وفهمنا الكثير من الأشياء أولها الوعي بالتعدد. والنتيجة كانت بالطبع “وخيمة”، على المسار السياسي، فلا يمكن بناء العمل السياسي بلا فكر ومعرفة وشعار مثل شعار “وحدة وادي النيل” مثلاً، لم يكن مناسبا للسودان وأنت تجد أن “80%” من سكان السودان يقيمون بعيدا عن النيل، ويمكن أن يكون شعار مصري بامتياز لأن “80%” من المصريين، مقيمين على النيل. فغياب الدراسة والبحث أوجد مثل هذه “الفجوة”، وتوجهنا في المجتمع المدني المستقل هو ملئها والمساهمة في خلق قاعدة معرفية سودانية يقوم عليها العمل السياسي.

والاعتبار الثاني هو أن القضايا الفكرية غائبة عن التناول والنقاش، فأنت تجد أن الأخوان المسلمون ظلوا يتبعون استراتيجية “إحراج” بقية الأحزاب السياسية السودانية برفع شعارات الإسلام السياسي من قبيل “الدستور الإسلامي”، ويسعون لتأجيج العواطف الدينية، وهم في كل ذلك يتحدثون عن الشمال “النيلي”، الذي أتوا منه وظلوا يخاطبونه بافتراض أنه “السودان”، على الرغم من أنهم لم يفسروا حتى معنى “الدستور الإسلامي”، ولم يجرؤ أحد على مطالبتهم بتوضيحات، ورضخ الجميع للإبتزاز بالتكفير وغيره، فنجحوا في مسعاهم لغياب أي دراسات ونقاشات فكرية حول الموضوع، وخير مثال لذلك هو حل الحزب الشيوعي الذي بصم عليه الجميع لئلا يتهم بالإلحاد.

والإعتبار الثالث هو التجربة العالمية ومن نافلة القول الحديث عن تطور مجتمعي يأتي من الخارج بل ينبع من الداخل وأنت تجد أن تطبيق ديمقراطية ويستمنستر بحذافيرها في السودان لم يمكنها من الصمود، لأن الديمقراطية لم تكن متجذرة في وعي الناس ولذا كانت فترات الديمقراطية الثلاثة غاية في القصر ولم يُكتب لها النجاح.

قراءة من أجل التغيير :

وعن مجموعات القراءة في برنامج الفكر الديمقراطي يقول “ضو البيت”، أن المشروع اعتمد على مبدأ أن “المعرفة أساس التغيير”، ولا شئ غيرها وأن سبب التدهور والإنهيار التنموي الذي تعيشه البلاد يرجع أولاً وأخيراً للفكر السياسي السوداني ذي الجذور الدينية. وقال:( كان مدخلنا لكل ذلك هو “جماعات القراءة”، المكونة من مجموعات صغيرة، تحولت لمنتديات التف حولها الشباب لمناقشة القضايا من خلال قراءة الكتب المتعلقة بهذه القضايا والتفاكر حولها فيما نقوم نحن بتوفير المادة المقروءة، وذلك لفتح القضايا للنقاش، وأوضحنا أننا لا نريد أن “نستقطب” الفرد، سوى للديمقراطية والإنحياز لقضايا المرأة والوعي بقضايا التعدد، فكون البعض مجموعات فرعية، ووصل العدد لـ”457″ مجموعة قراءة، حتى في مناطق طرفية في العاصمة والولايات، و تتكون المجموعة من “10– 7”  أشخاص، لإتاحة الفرصة للمشاركة والتفاعل بين الأعضاء ) وأوضح “شمس الدين” أن الهدف من مجموعات القراءة هو استمرار الحوار بين الناس حول قضايا الوطن، واكتساب المعرفة، لجهة أن الديكتاتوريات جميعها تتجه حال وصولها للسلطة لحل الأحزاب وتعليق العمل بالدستور والسيطرة على وسائل الإعلام، وإيقاف الحوارات العامة باعتبارها إحدى أدوات التغيير.

وهناك ايضاً سلسلة كُتب “قراءة من أجل التغيير”، وهي عبارة عن دراسات وبحوث ومقالات مُحكمة حول قضايا السودان بأقلام سودانية، وصل عدد العناوين المنشورة منها إلى  سبعين عنواناً، ولا توجد قيود على المادة المقدمة إلا قيود الرصانة والموضوعية والعلمية، وأن تكون للمواضيع علاقة بالمشروع والفضاء السوداني.

مجلة الحداثة:

وعن مجلة “الحداثة”، التي يصدرها مشروع الفكر الديمقراطي قال “شمس الدين”، أن هناك فئة من الشعب السوداني مؤثرة على الرأي العام، لكنها غير منتمية للمجموعات، فتكون المجلة مظلة لها، ووهي مجلة فصلية تصدر كل ثلاثة أشهر، وقد صدر العدد التاسع منها في مارس الماضي، وتختص بالفكر الديمقراطي والتنموي، وتسعى للإجابة على أسئلة من قبيل “ما هي علاقة الإبداع بالتغيير؟” وحرصنا أن تكون إصداراتها بمعايير المجلات العالمية المحكمة، من حيث عدد الكلمات ” 7000 – 15000″ كلمة، والاهتمام بالتوثيق وإيراد المراجع، وتشمل الخلفيات السياسية المختلفة، بالإضافة للأكاديميين والصحفيين والمتخصصين في شتى المجالات. بينما يمثل “منتدى الشباب الديمقراطي” منبراً من أجل إبراز التوجهات الفكرية السياسية، والتعرف على فكر الشباب السوداني، وكل من يريد طرح قضية يطرحها في هذا المنتدى كل شهر في شكل محاضرة على “اليوتيوب”، ليقول ما يقوله حول القضايا التي تشغل الشباب، وتتاح له الفرصة لمخاطبة الشباب، كما تتيح الفرصة للتعريف بالقيادات الشبابية.

التنمية القاعدية:

واختتم مؤسس مشروع الفكر الديمقراطي حديثه لـ”التغيير الإلكترونية” بالحديث عن ضرورة الربط بين الديمقراطية والتنمية، إذ لا توجد منصة للتنمية في السودان بغير الديمقراطية، وقال:(يُمكنك تحريك بعض المجتمعات باتجاه التنمية دون المرور بالديمقراطية تحت دعاوي القومية مثلاً، لكن من الواضح أنه لا يمكن ذلك في السودان، فأساس التنمية هو التنمية البشرية، وقديما رفع هتلر شعار “ألمانيا فوق الجميع”، ونجح في تفجير طاقات المجتمع الألماني بصورة هائلة، صحيح أن قرارات خاطئة هدمت كل ما بناه في نهاية الأمر،  لكنك تلاحظ أن الصناعات الثقيلة شهدت طفرة في عصر ألمانيا النازية، فنهضت في فترة وجيزة، فمن منصة القومية تحرك المجتمع وتم تفجير الطاقات البشرية بصورة هائلة، لكن الشعور القومي في السودان لا يزال ضعيفاً بل حدثت ردة أوصلتنا للإعلاء من شأن الروابط القبلية، فالديمقراطية هي ما يحفظ للأفراد اعتبارهم سواء كان من ناحية اللغة أوالإثنية أو غيرها، وبغيرها تظل طاقات الناس مُهدرة في سبيل الدفاع عن حرية الإعتقاد والتعبير والتجمع، لكن كل هذه الطاقات تكون متاحة بالطبع لصالح لتنمية في مجتمع ديمقراطي، وغني عن القول أن بلدان مثل السودان والهند والولايات المتحدة لا يمكن أن تقوم فيها التنمية بلا ديمقراطية باعتبار تعددها)، وزاد:”القراءة ليست للتفاخر ولا لأركان النقاش، بل هي ترجمة المعرفة لتنمية ونهضة، وتتولى “مجموعات قراءة من أجل التغيير” الاهتمام بالمجتمع المحلي لها، والنتيجة أننا الآن نوفر خزانات مياه لبعض المدارس ومشاريع إجلاس وتأهيل يستهدف مدارس الأساس في المجتمعات المحلية لهذه المجموعات”.