خالد التيجاني النور

جدل واسع أطلقته في الساحة السودانية حملة الرئيس عمر البشير على الفساد، وهو ما أثار تساؤلات بين مشكّكين في دوافع هذه التوجه أو المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه الحرب المُعلنة، وبين داعمين له من أجل تحقيق أي قدر ممكن من التقدم في مواجهة الظاهرة الأكثر خطورة التي لعبت دوراً كبيراً في انهيار الأوضاع الاقتصادية في السودان.

فقد شهدت الأشهر الماضية تدهوراً متسارعاً غير مسبوق للأحوال الاقتصادية في السودان، وللمفارقة أن ذلك حدث بعد وقت وجيز من رفع العقوبات الأمريكية على السودان التي استمرت 20 عاماً وكانت تُعزا إليها عادة أسباب المصاعب الاقتصادية التي تواجهها البلاد على الرغم من الموارد الضخمة التي يتمتع بها.

ومن بين ثنايا تقدّم الرئيس البشير للتصدي بنفسه لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي تجلّت في فقدان العملة الوطنية لنسبة كبيرة من قيمتها، وارتفاع التضخم، وتوالي الأزمات، برزت إلى العلن بداية حملة على مؤسسات اقتصادية من بينها مصارف، وشركات في القطاع الخاص ورجال أعمال، وحملات اعتقالات وتحقيقات وتحريات واسعة، بتهمة تخريب الاقتصاد الوطني، وكان اللافت في هذه الحملة أنها طالت للمرة الأولى متنفذين ومؤسّسات وثيقة الصلة بدوائر السلطة الحاكمة.

وجاء خطاب الرئيس البشير أمام البرلمان في وقت سابق هذا الأسبوع ليزيد من حمى الجدل في الفضاء العام حول حملة مكافحة الفساد والسقف الذي يمكن أن تصل إليه، لكن المسألة الأكثر أهمية النتيجة الجوهرية التي وصل إليها بإثبات وجود رابط وثيق بين تفاقم الأزمات الاقتصادية وبين ما وصفها البشير بـ «شبكات فساد مترابطة» استهدفت تخريب الاقتصاد الوطني واتهمها «بسرقة أموال الشعب»، ووصفهم بأنهم «يتحكّمون في كل شيء ولهم امتدادات في الجهاز المصرفي»، يقومون «بمضاربات جشعة في تجار العملة، وتهريب الذهب، والسلع التموينية، والاستيلاء على حصائل الصادر».

صحيح أن هذه الممارسات الكارثية على الاقتصاد الوطني لا تعدو أن تكون نتيجة، وليست سبباً في الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تجلّت في انهيار سعر صرف الجنيه، ولا تحيط بالأسباب الأخرى لتردي الأحوال الاقتصادية، ولكن الصحيح أيضاً أن هذه الممارسات الخطيرة أسهمت بلا شك في مفاقمة تلك الأسباب الجذرية ذات الطبيعة الاقتصادية، وبالطبع مصحوبة بتأثير الحاضن السياسي، لقد أدت هذه الانتهاكات الجسيمة إلى مراكمة الآثار الضخمة لسوء الإدارة الاقتصادية إلى درجة مخيفة استبيحت فيها «سرقة أموال الشعب» في تعبير صائب لتوصيف هذه الحالة، وهو ما يعني أن المشكلة لم تكن تتعلق بأداء الاقتصاد فحسب، بل بعملية نهب واسعة ومنظمة وبصورة مؤسسية، بل كذلك محمية، لمقدّرات الشعب السوداني وموارده، وهي عملية أخذت وقتاً طويلاً تراكمت فيه ثروات هذه الطبقة المتمكّنة أو «شبكات الفساد المترابطة».

والسؤال المحوري إذاً، من هم أبطال «شبكات الفساد المترابطة» هذه؟. في الحقيقة هي ليست سوى ثمرة «الطبقة المتمكّنة» التي أنتجتها سياسة التمكين في العهد الإنقاذي الذي استولت فيه الحركة الإسلامية، ليس على السلطة فحسب، بل ذهبت أبعد من ذلك حين تمكّنت من الاستيلاء على مؤسسات الدولة السودانية نفسها لتُفرغها من بُعدها الوطني المنفتح على السودانيين جميعاً لتجعلها حكراً على منسوبي الحركة من أهل الولاء. وكان الاقتصاد الوطني صاحب النصيب الأكبر في الذهب ضحيّة للطبقة المتمكّنة التي اختطفته وأدارته لمراكمة مصالحها.

كان هذا فارقاً جوهرياً بين الانقلابيين اللذين سبقاه، وانقلاب الحركة الإسلامية، فقد حافظ النظامان العسكريان الأوليان على غالب أجهزة ومؤسسات الدولة إلا في حالات استثنائية، فيما تمّت في الحالة الأخيرة عملية تفريغ واستبدال شبه كامل لجهاز الدولة، لم تكن سياسة التمكين هذه إلا الحاضنة التي وُلدت فيها «دولة الحركة»على حساب «دولة الوطن»، حيث عملت على تسخير كل مقدّرات الدولة للحفاظ على السلطة بأي ثمن، وفي هذا المناخ تم تخليق البيئة التحتية للفساد، الوجه الآخر أو المولود الشرعي للتمكين، حيث توفّرت كل المسوغات لتمدّد الفساد، وحيث لا مساءلة، ولا حساب ولا عقاب.

ولعل الساحة الأكثر حضوراً في هذا المشهد التي تدور في رحاها الهجمة على الفساد هي النظام المصرفي، الذي كان يُظن به أنه أيقونة التمكين وآية المشروع الحركي الإسلامي التي طالما تم التغني بها في مقام البديل الأكثر نزاهة وطهراً وتحقيقاً لمنظومة القيم التي نهضت الحركة الإسلامية تدعو إليها، ولعله من سوء الطالع لـ «دعاة المشروع الحضاري»، أن جوهرة هذا التاج كانت هي النموذج الأكثر بروزاً في كشف ذروة الفساد الذي انتظم «الطبقة المتمكنة» حتى باضت وأفرخت هذه الممارسات المشبوهة والسرقات في رابعة النهار لمقدّرات غمار الناس.

في الواقع إن اقتصار الحديث عن الفساد، أو بالأحرى التركيز عليه في دوائر النظام المصرفي اقتضته حقيقة أنه شكّل الأداة الأساسية والقناة المسهّلة لعملية النهب المنظم الذي تورّطت فيه «شبكات الفساد المترابطة»، وهي حقاً كذلك، وقد أفلح التعبير الذي استخدمه الرئيس البشير في خطابه في وصفها بدقة، وهو ما يعني أنها تتجاوز مجرّد تجاوزات فردية هنا أو هناك، بل هي نتاج عمل منظّم ومحمي من داخل مؤسسات السلطة، ومن المؤكد أنه ليس مجرد وصف بلاغي، بل حصيلة معلومات وتحقيقات وتحريات، وهذا يعني بالضرورة أن جرائم شبكة الفساد هذه ليست محصورة في النظام المصرفي.

مهما يكن من أمر، وبغض النظر عن النيّات، فقد وضع البشير نفسه أمام تحدٍ بالغ الصعوبة في هذه الحملة التي تصدّرها لمحاربة الفساد، كما وُضعت مصداقيته على المحك، وفي ظل حالة انعدام ثقة شعبية واسعة، ينظر كثيرون لهذه الخطوة بريبة لن يبدّدها إلا رؤية يد القانون تصل إلى الدوائر المشبوهة في قمة السلطة، لا أن تبقى في سفحها.