التغيير: الخرطوم

نظم نادي الفلسفة السوداني، بالتعاون مع مجلة “الحداثة”، أمس الأحد، ندوة بعنوان “الإصلاح الديني والعلمانية”، بقاعة الشارقة بالخرطوم، تحدث فيها د. محمد جلال أحمد هاشم والأستاذ شمس الدين ضو البيت ود. المحبوب عبد السلام  ود. مجدي عز الدين، فيما أدارت الجلسة الأستاذة أسماء محمود محمد طه.

الحق الإلهي والتفويض البشري:

أشار د. “محمد جلال أحمد هاشم” في بداية حديثه إلى أن الإصلاح الديني أنجب الدولة الوطنية، وأنجبت الدولة الوطنية “العلمانية”، وخلص إلى أن الرابط بين الإصلاح الديني والعلمانية هو الدولة الوطنية، التي يأخذها الناس في الوقت الحالي كمسلمة، على الرغم من أنها منتج بشري أنجز عقب معاهدة ويستفاليا في العام “1648”، ولم تبتدئ حركات الإصلاح الديني بمارتن لوثر فقد سبقته عدة حركات، وقديما كان الإمبراطور يحكم بـ”الحق الإلهي”، ولا بد أن يباركه البابا فظهرت حركات الإصلاح الديني مناهضة للدولة البابوية، وأرادت الإنفتاح، فاندلعت حروب من أجل الإجابة على سؤال من يحق له أن يؤمن بالبروتستانتية؟ أو الكاثوليكية؟ وكانت هناك لغة واحدة مهيمنة هي اللغة اللاتينية وهي لغة التعبد والحكم ، على الرغم من وجود عدد من اللغات غيرها، فظهرت مسألة “اللغة الوطنية”، وأراد الفرنسيون على سبيل المثال أن يتعبدوا بالفرنسية فجاءت إتفاقية ويستفاليا، التي منحت بموجبها جمهورية الأراضي المنخفضة “هولندا وبلجيكا”، الحق في أن يكون الحكم فيها بالحق الأرضي وليس بالحق الإلهي، فصار الملك في “جمهورية الأراضي المنخفضة” بالتفويض الشعبي، وأصبح المواطنون متساوون في الحقوق، طالما يدفعون الضرائب وأصبحت الدولة غير معنية بالأخلاق، بل هي معنية فقط بدفع المواطنين للضرائب، والتزامهم بالقانون، فالعلمانية “بنيوية” في الدولة الوطنية.

التوافقية ومفهوم السيادة:

ومضى “هاشم” للقول أنه وفي بدايات القرن العشرين، عندما جاء رواد “القومية العربية”، وأرادوا إيجاد محددات للعلمانية ذهبوا إلى مصطلح “الدنيوية”، لكنهم سرعان ما تخلوا عنه لدلالاته “الإلحادية” في نظر البعض، ومن ثم جاء مصطلح “الأرضوية”، وكثيرون ينظرون للعلمانية على أنها إسم صفة من “العالم”، لكنها كانت من لفظ “العَلَم” في اللغات السامية والذي يعني الأرض، فنسبوا العلمانية كصفة من القياس للعَلَم، والعلمانية ليست منهج فكري يأخذه البعض أو يتركه، بل هي لازمة للدولة الوطنية، والإنتخابات التي أجريت في عهد حكم الإنقاذ الديني هي سلوك علماني، احتكم فيه الناس للتفويض البشري، وليس للتفويض الإلهي ، فلا يوجد شخص علماني وآخر غير علماني، ونحن ورثنا الدولة الوطنية كمعطى منذ أن غادرنا الإستعمار، فمن المؤسف أن تغفل شعوب بأكملها عن هذه الحقيقة الساطعة، وذات مرة سألتني إمرأة بريطانية تسعينية قائلة “هل هناك من يظن أن الرفاهية والتنمية والنهضة والرخاء الإجتماعي ستأتي بمجرد تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية؟” وعندما قلت لها أن أغلب المسلمين يعتقدون ذلك قالت إنهم مجانين بلا شك.

وعلمانية الدولة الوطنية واقع من يفارقه يتخلف أربعمائة عام، وكثير من الكتاب السودانيين والمثقفين يعتقدون أن سؤال الهوية إنصرافي، لكن الدولة الوطنية في أوروبا قامت على كتابات “مونتسيكو”، الذي أعلى من مفهوم الأمة ومن بعد ذلك جاء “جان جاك روسو”، وهيجل، وطبقوا مفهوم “الأمة”، والدولة التي تفقد الهوية تفقد أهم مقومات بقاءها، وسرعان ما تصير نهباً للحروب الأهلية، وتقوم الدولة الوطنية على “التوافقية”، والاتفاق على ما يعرف بـ”المصلحة العامة”، وتقوم الدولة الوطنية على مفهوم السيادة والحدود وعدم التفريط في الارض، والمصلحة الوطنية قابلة للنفاد فعندما تشرع الدولة في قتل المواطنين والتفريق بينهم على أساس العرق يغيب مفهوم الدولة الوطنية فتتفكك الدولة نفسها، ولنا في انفصال الجنوب وجبال النوبة ودارفور خير مثال.

غباء أيدلوجي:

واختتم محمد جلال حديثه بمقولة “كارل ماركس”، أن الدين الانفتاحي التحرري يشكل قوة خلاقة، بينما يتحول الدين الإنغلاقي لأفيون للشعوب، وعندما انفتح الاسلام على الشعوب غير العربية وغزا العرب هذه الشعوب بالدين، أرادوا نصاً أعلى من القرآن، فاتجهوا للسنة والحديث، حتى قال “الألباني”، بأن الحديث ينسخ القرآن، والحديث مادة غير سياقية والأمثلة كثيرة لأن الحديث تم إعادة انتاجه داخل الجمل السياقية، والرحالة إبن بطوطة وصف “بن تيمية” بأنه “رجل يخطب فلا يُخاطب إلا عقول العامة، وبه “مس”، فالمشاريع الايدلوجية تزيف الواقع، وهناك غباء ايدلوجي ديني دمر الدولة السودانية، وحولها من دولة غنية لدولة “سائلة”، تستجدى لقمتها من الغير.

قطيعة معرفية:

الأستاذ “شمس الدين ضو البيت”، قال أن المجتمعات ذات الصبغة الإسلامية  لم تدخل لعالم المعرفة، وظلت تعاني من حالة داخلية من الركود والجمود والتبعية، ومستعمرة في بعض جوانبها، وبالتالي ظهرت ضرورة الحديث عن النهضة والتقدم والاصلاح الديني الذي لا ينفصل عن التنمية ونسخ منتجات حداثية من التجربة العالمية ومحاولة لصقها بمجتمعنا غير مجدية ولا يمكن تغيير المجتمع بتوجهات مجتمعات مغايرة، وكلما حاولنا هذا الامر في السودان ثبت فشله. فهناك جمود وركود في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، على الرغم من وجود المسلمة الأساسية، وهي إن التطور هو القانون الاسمى، وأن التغيير المجتمعي، والحركة هو مآل كل شئ أو كما قال “هيجل” أن تاريخ تقدم المجتمعات هو حركة دؤوبة لاكتساب المعرفة، وهي حركة متعلقة بالروح، ومرتبطة بالمعرفة، وقال “توماس مور”، أن الحركة داخل المجتمعات العلمية مبنية على النظام الارشادي المعرفي، وربط الانظمة التعريفية بحركة المجتمعات والعلوم الانسانية وهي تمر بأزمات، فعندما تعجز الانظمة المعرفية عن حل اشكالاتها لا بد من قطيعة معرفية وأبرز مثال لذلك هو تحسين النظرية النيوتنية للوصول للنظرية النسبية.

 فعندما ساد شعور عام بوجود أزمة راجعة لفشل الثقافة في تقديم الحلول، انطلقت الحركات التجديدية والاصلاحية، فالباحث “أبو القاسم حاج حمد” يشير إلى أن الجهود الاصلاحية لا تهدف فقط لتحرير الدين من الإستلاب اللاهوتي وفلسفة العجز، بل باكتشاف محركات التغيير، ولا بد من النظر للحالة الفكرية في الساحة الاسلامية وإيجاد آلية تشريع متفاعلة مع حركة المجتمع.

النصوص قطعية الورود والدلالة:

وأضاف “ضو البيت”، أنه وبعد انفصال الجنوب وضعت “جبهة الدستور الاسلامي” دستوراً يتمسك بحرفية النصوص، ورفضت إعمال العقل في الاحكام قطعية الورود والدلالة، وفي الفكر السياسي ظهر تيار الحركة الاسلامية وقدم “د. حسن الترابي”، بعض الاطروحات منها أن هناك بعض الأحكام لا تناسب الوقت الحالي وخلص إلى أن المعالجة تكمن في تطبيق أحكام القران والسنة، والتمرد على الاجماع، باعتبار تغير المعارف بحكم الزمن. لكن فيما يتعلق بالتجديد قال أن النموذج الشرعي الاول يظل قائماً مع إلزامية ما هو قطعي الورود والدلالة، وللترابي آراء مختلفة عن الفكر السلفي التقليدي في بعض القضايا مثل قضية “الردة”، وزواج المسلمة بالكتابي، لكنه في كل ذلك كان ينطلق من مواقف طرقها فقهاء قبله فهي حركة ورائية تخاطب الماضي، ولا تنظر إلي الأمام. وللصادق المهدي أيضاً مساهمات اصلاحية، منها موقفه الداعم لحقوق الانسان والمرأة والتداول السلمي للسلطة، كما وقف مع إتفافقية “سيداو”، لكنه كان يعود من حين لآخر، للحديث عن قطعيات الشريعة، لذلك نجد انها حركة متقطعة، وهناك مساهمات “أبو القاسم حاج حمد”، و”طه ابراهيم” الذي لاحظ أن المسلمين الأوائل اعتمدوا منطق اللغة في التفسير دون الفكر، وقال بأن ذلك هو سبب الجمود والركود نسبة لاختلاف منهج اللغة “الثابت” عن منهج الفكر “المتغير”، إنطلاقاً من القرآن، وقال بأن بعض الاحكام تسقط لأنها لم تعد في وسع الناس كملك اليمين، وخفف من الزامية ما هو قطعي الورود. أما “حاج حمد” فكان ينظر للقران على أنه محتوى الوعي المعادل للوجود الكوني وقسم التاريخ الى ثلاثة مراحل، أولها مرحلة التدخل الإلهي المباشر، فمرحلة التدخل الرسولي غير المباشر، ومن ثم مرحلة الحاكمية البشرية، وهي المرحلة القائمة على العقلانية والعلوم الطبيعية، وكلها كانت محاولات للخروج من السلفية الجامدة.

ومن ثم كانت مقولة الأستاذ “محمود محمد طه”، الذي ذهب إلى أن شريعة القرن السابع لا تتناسب مع إنسانية القرن العشرين، وشكل نقلة كبيرة ومهمة للغاية، من مرحلة الحديث عن القطعيات، وقام منهجه على أن القران المكي هو قرآن الإسماح، بينما القرآن المدني هو قرآن الوصاية وأنه حان الوقت للانتقال من الوصاية للإسماح، لكن التساؤل الوحيد الذي يوجه لهذه النظرية هو “ما هي محددات ذلك الإنتقال؟ ومتى يحدث؟” وهل هي عملية متدرجة في الزمان والمكان؟ فكان المنهج الجمهوري أقرب المناهج للمنهج العمري في عصر ما بعد السلفية، فالخليفة عمر بن الخطاب كان يؤمن بأن الإنسان لا بد أن يدرك الروح، وكان يُعني بروح القرآن وإن خالفت صريح النص، وكان ذلك بعد ثلاث أو أربع سنوات فقط من وفاة الرسول، وأسميته المنهج “الحكماني”، وهو تجاوز النص انطلاقا من روح القران، وأنت تجد كلمة “الحكمة”، مترافقة مع كلمة “الكتاب” في عدد من الآيات، والحكمة هي الغايات والمقاصد الكلية للقرآن، وهناك فرق بين التجديد والإصلاح فهناك حالات لا يجدي معها التجديد ويكون الإصلاح فيها ضرورة ومن الملاحظ أن كل محاولات التجديد التي قام بها الترابي مثلا كانت غير مُجدية، والعلمانية ناتجها النهائي هو المواطنة المتساوية، وفي منهج الكتاب والحكمة نجد أن الغايات الكبرى للقرآن هي الكرامة وأن الإصلاح الديني تأسيس للمواطنة المتساوية، المكون الأصيل من مكونات الفكر الإصلاحي الاسلامي.

عودة الدين للفضاء العام:

د. “المحبوب عبد السلام”، قال أن الحوار الاوروبي جعل من العلمانية أطروحة تدرس في الجامعات، وعادت مثل هذه النقاشات بعد ظاهرة عودة المجتمعات للدين، فكان هناك حديث عن علاقة البابا برؤساء الدول، وتطلع الناس لرؤى الكنيسة أما في سياق العالم الاسلامي ودراسات ما بعد الاستعمار تجد أن الإستعمار أوجد العلمانية والجيش، بينما كان السياق اسلاميا يتصور أنه لا توجد دولة خارج الدولة، فمن “أمير المسلمين”، إلى “الخليفة” فالإستعمار خلق الدولة الوطنية مخالفاً هذا التصور، والمسائل المتصلة به مثل احتكارالدولة للعنف، بينما كان الجهاد في الاسلام يقع على عاتق الجميع، ولم يكن مطلوباً من الدولة ان تجهز الجيش، إلى ان جاء محمد علي باشا وقال أنه ليس على الرعية ان تحارب.  

وفي الثمانينات زار البابا باريس فجاء مليون شخص للصلاة على الرغم من أن العدد المتوقع لم يكن يتجاوز الثلاثين ألفاً،  وبدأت دراسات حول عودة الدين للفضاء العام وبرز الدايلي لاما الشخصية الدينية كأكثر الشخصيات شعبية، كما ظهر مفهوم المجتمع المدني لحماية المجتمع من تغول الدولة الوطنية نفسها، وتحررت اللغات وصارت الدول تدرس الطب والعلوم بلغاتها الخاصة، فكانت “الإنسانوية” هي المدخل الصحيح للإصلاح الديني، ولدراسة العلمانية يجب النظر للحالة الامريكية، وليست الأوروبية فقط، والأمريكان الأوائل فروا بدينهم باعتبارهم كانوا من البروتستانت، فأصبحت أمريكا في نهاية الأمر دولة علمانية في مجتمع متدين، وأعاد ريغان صلاة “الساعة العاشرة” في المدارس، وعليه فإن العلمانية أنشئت من قبل نُخبة من المثقفين مرتبطين بدول استبدادية، وهناك تجربة الفكر القومي البعثي العلماني، الذي أدى في النهاية لضرب المواطنين بالسلاح الكيميائي، وعندما حاول التونسيون في الأسبوع الماضي إلغاء مادة تحرم سب العقيدة من الدستور، ثارت ثائرة بعض الأحزاب ولم يكن من بينها حزباً إسلامياً. 

بين العلمانية والديمقراطية:

“د. مجدي عز الدين” شدد في حديثه على ضرورة الربط بين العلمانية والديمقراطية، باعتبار أن الدولة الحديثة هي دولة ديمقراطية علمانية بامتياز، منذ عصر النهضة، وحتى القرن الواحد والعشرين، وقال بأن هذا لايعني سوى التلازم التام بين العلمانية والديمقراطية، وأن ليس هناك مساحة للحديث عن استبداد علماني، وقال:”عندما تتحدث عن الإستبداد، فهذا يعني أنك لا تتحدث عن نموذج للدولة الحديثة. وقال مجدي أن العلمانية مرت بسياقات تأسيس مختلفة، فهي فلسفة مدنية تصلح كأساس للتعايش المشترك وصيانة الكرامة الإنسانية، بغض النظر عن الدين والثقافة واللغة والإثنية، والعلمانية لا تحيلنا سوى لمرجعية العقل البشري والمجال العام، والاستخدام العمومي للعقل، ولا يمكن الحديث عن إصلاح دون استخدام عمومي للعقل، كما لا يمكن تحقيق نهضة الا بالرجوع للعقل، وهي مقولة علمانية بامتياز، والمجال العام الآن مرتبط بنشأة الدولة الحديثة، وهو الفضاء الاجتماعي المستقل عن الدولة والاقتصاد والعائلة، وفيه يتم التداول العقلاني الحر للأفكار من جانب كافة الأفراد المشاركين فيه، ليسهموا في عملية تحقيق الهوية السياسية للمجتمع، ولا يكون هذا بقرار فوقي بل هو نتاج قاعدي للتداول العقلاني للأفكار”.