د.الشفيع خضر

ثلاثون عاما، منذ إستيلاء قادة الإنقاذ على السلطة في حزيران/يونيو 1989، ونحن في السودان مجبورون على سماع إدعاءاتهم إنجاز مشاريع تنموية ضخمة في البلاد. لكن، وبإستمرار، ظل الواقع مليئا بكل ما يناقض تلك الإدعاءات، ويدحضها تماما، بل أن مؤشرات النمو ظلت في تراجع مستمر، حتى وصلت البلاد اليوم حافة الانهيار الاقتصادي. وخلال تلك الأعوام الثلاثين، شهدنا كيف أن مشاريع تنموية ضخمة وناجحة حتى لحظة إنقلاب الإنقاذ، ثم أهملتها السلطة الجديدة، وعن عمد، حتى إنهارت، مثل مشروع الجزيرة، أكبر مشروع زراعي تحت إدارة واحدة في العالم، وصناعة النسيج، وسكك حديد السودان، والخطوط الجوية السودانية، والخطوط البحرية…، وغيرها. وظل المتنفذون في السلطة، وخلصاؤهم، يتعاملون مع موارد البلاد ومؤسسات الدولة الاقتصادية كمِلك خاص ولخدمة مصالحهم، الأمر الذي آل إلى تمايز طبقي خطير، وإلى تدهور غير مسبوق في أوضاع الطبقات الشعبية والوسطى في المدينة وفي الريف، خاصة في العقدين الأخيرين، وانزياح القسم الأكبر منهم إلى حالة الفاقة والفقر واللهاث وراء تأمين الحاجات الأساسية، لدرجة التسول، وأصبحت نسبة السودانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر عالية جداً، وغالبية هولاء تدنت اهتماماتهم بخلاف البحث عن لقمة العيش لأسرهم، فهجروا السياسة والحياة الثقافية والروحية.
ومنذ يومها الأول، والإنقاذ تملأ الدنيا ضجيجا حول الذود حتى الموت، دفاعا عن الأرض، القاسم المشترك الأعظم في كل النزاعات والحروب التي تعيشها البلاد، بينما تستكثر على المواطنين استعدادهم للذود عن أراضيهم، وتعتبرهم مجرد مناهضين سياسيين، أو سذجا يندس وسطهم المعارضون! لا أعتقد أن سكان أي منطقة في السودان سيعترضون على إقتطاع جزء من أرضهم لصالح مشاريع التنمية القومية، إذا ما توطدت لديهم القناعة التامة بأن الحكومة فعلا تبحث عن المصلحة العامة وليس مصلحة هذه المجموعة أو تلك، أو مصلحة المستثمر الأجنبي على حساب المواطن والوطن. وأعتقد أن هذه القناعة يمكن توفرها عبر تحقيق جملة من العوامل، وبصورة مجتمعة، منها: الحكم الرشيد، وسيادة القانون، وإلتزام السلطة ببسط الديمقراطية والحريات وإعلاء لغة الحوار والتشاور، والشفافية الكاملة، ومحاربة كل أوجه الفساد وشُبهة المنفعة الخاصة، ونشر الجدوى من قيام المشروع المعين، ومن ثم إعطاء الأولوية لأهالي المنطقة في الإستفادة منه، وتعويضهم تعويضا مناسبا ومرضيا لهم في حال تأثرهم بفقدان أراضيهم، وإيجاد البديل المناسب، وذلك حسب القوانين المعمول بها دوليا. وبالنسبة للمناطق المتأثرة بالسود، دائما يتم التعويض على أطراف البحيرة أو مناطق أخرى متفق عليها شرط أن توجد بها مقومات حياة مناسبة قبل الشروع في بناء السد. ومن العوامل الهامة أيضا، الأخذ في الإعتبار، والتعامل العقلاني الديمقراطي مع، قضايا الهوية والانتماء والتشبث بأرض الأجداد، وما تثيره هذه القضايا من تأثيرات وتفاعلات خطيرة. وقد نسبت التقارير الصحافية لعدد من قيادات الأهالي في المناطق المتأثرة بالسدود قولهم: «إننا على أتم استعداد لتقديم أرواحنا دفاعا عن حقنا المشروع في البقاء على أرضنا للحفاظ على إرثنا وتاريخنا وهويتنا ومعالمنا الأثرية والحضارية الفريدة»…!
حكومة المؤتمر الوطني تمسكت بتنفيذ إستراتيجيتها لبناء السدود في السودان، رغم ما أنتجته هذه الاستراتيجية من صدامات دامية بين الحكومة والأهالي، أودت بحياة عدد من أبناء الوطن. والحكومة لم تفسّر لنا ماذا تعني هذه الاستراتيجية، وماذا يعني حصاد المياه الذي تطرحه وحدة بناء السدود؟ هل لتوليد الكهرباء، لمحاربة الجفاف، للتوسع في الزراعة..، أم هناك أشياء أخرى خفية؟ ما هي طبيعة التعاقدات مع الشركات التي ستقوم بتشييد السدود؟ كم ستزيد ديون البلاد ومتى سينتهي السداد؟ أيهما أكبر مساحة، الأراضي المستفيدة من بناء السد أو الأراضي المغمورة؟ كيف سيتم تسوية الخلاف حول التعويضات؟ أيهما يأتي أولا: إعادة التوطين أم بناء السد؟ هل الحكومة تعطي أي إعتبار لمسألة القلق الوجودي لسكان المنطقة المتأثرة ببناء السدود وخوفهم من زوال حضارتهم وتراثهم؟ وهل صحيح أن يتم التعامل مع هذا الجانب الحساس بالبطش وفرض الأمر بالقوة؟ لماذا لم تستمع الحكومة إلى الأصوات المعارضة من أبناء مناطق السدود وهي تصرخ: «السدود على نهر النيل أحادية الفائدة، تنتج كهرباء بلا زراعة، وما تنتجه من كهرباء لا يساوي حجم التضحية»، و«إنهم يريدون طردنا.. ونشك بأنهم يريدون تحويل أراضينا لآخرين»، و«أن بعض السدود لا يزيد المساحة الزراعية بل يغمر ما هو موجود، وهو الأخصب والأجود» و«أن التعويضات ظالمة، فمن وافق على التهجير يعيش حياة صعبة وقاسية، ومن رفض التهجير إبتلعته المياه، هو وأراضيه»…! أسئلة يُفترض أن تجيب عليها الحكومة، بكل وضوح وشفافية، إذا كانت هي فعلا حريصة على التنمية ولصالح مواطنيها.
الحروب الأهلية المستوطنة السودان، تمثل معوقا ومعرقلا أساسيا للتنمية، سواء بإستحالة تنفيذ مشاريع التنمية في المناطق المتأثرة، أو بإعادة توجيه الموارد المخصصة للعملية التنموية لتصب في صالح المجهود الحربي. والنخب الحاكمة، دائما ما تستخدم الحروب الأهلية كذريعة لفرض أجواء التوتر والإرهاب في البلد، ليتم فرض خططها، المرفوضة جماهيريا، بالقوة على المواطنين. وقد يصل الأمر، مثلا، حد إتهام المواطنين الذين يقطنون أقصى شمال الوطن والمحتجين على إنتزاع أراضيهم، بأنهم طابور خامس ويعاونون معارضي الحكومة الذين يحاربونها في أقصى جنوب الوطن. وأيضا تستخدم أجواء الحروب الأهلية لعزل المناطق عن بعضها، وفرض مزيد من التعتيم على القضايا المتعلقة بمصير الوطن والمواطن، وإشاعة ما يكرس لأن تصبح التنمية مهمة تقوم بها المجموعة الحاكمة حسب تصوراتها، وتفرض على أغلبية الشعب بالقوة. ومن هنا، فمثلما إنّ التحول الديمقراطي الاستقرار السياسي والاجتماعي هما أمران لا غنى عنهما لتسريع التنمية ودفعها في المسار الصحيح، وبدونه يتعذر تحقيق تنمية حقيقية، عادلة ومستدامة، فإنّ تقدم مسيرة التنمية من شأنه أن يؤدي إلى توطيد الاستقرار السياسي والاجتماعي وترسيخ النظام الديمقراطي.