التغيير : الخرطوم 

 

خلال أقل من عام، وصلت دفعتان من الأشخاص الذين لهم ارتباط بتنظيم الدولة الاسلامية ” داعش” في ليبيا الى مطار الخرطرم: الاولى في يوليو من العام الماضي عندما وصل عدد 9 اطفال ينتمي آباؤهم وأمهاتهم الى التنظيم المتشدد. والثانية في أبريل الحالي عندما وصل الى مطار الخرطرم عدد سبع فتيات من بينهن أطفال  كن يقاتلن الى جانب داعش في ليبيا. 

 

الملاحظة التي لا يمكن غض الطرف عنها هو ان العمليتين تمت بتنسيق من قبل جهاز الامن والمخابرات السوداني الذي كان حريصا على تغطية وسائل الاعلام الأجنبية للحدثين عندما شدد على المراسلين العاملين في الخرطرم على ضرورة الحضور وإجراء المقابلات مع العائدين وعائلاتهم. 

 

وتبدو المعلومات شحيحة حول كيفية إقناع العائدين بترك التنظيم المتشدد، وكيفية الاتصال بهم وإقناعهم بالعودة الى بلادهم مرة اخرى بعد سنوات قضوها في ليبيا.  وقال ممثل هيئة مكافحة الإرهاب بجهاز الأمن والمخابرات الوطني العميد التجاني إبراهيم خلال تصريحات صحافية بمطار الخرطرم  ان العمل تم بالتنسيق مع الاجهزة الصديقة في ليبيا دون ان يكشف عنها “وهذا الجهد الذي تم بواسطة جهاز الأمن والمخابرات الوطني مع الأجهزة الصديقة بليبيا”. 

والمعلوم ان العلاقات بين الحكومة السودانية والحكومة المعترف بها دوليا في ليبيا غير جيدة وتشهد توترا من حين لآخر بسبب اتهامات متبادلة بتقوية وتقديم الدعم للجماعات المسلحة في دارفور من قبل الحكومة التي يسيطر عليها الجنرال حفتر، وارسال السلاح للجماعات الاسلامية المتطرفة في ليبيا من قبل حكومة الرئيس عمر البشير.  

ويتساءل الكثيرون حول كيفية مقدرة المخابرات السودانية في الوصول الى العائدين وإقناعهم بالعودة الى بلدهم في ظل حالة الشد والجذب التي تحيط بالعلاقة بين البلدين الجارين. وفي هذا الصدد يقول الخبير في الشؤون الامنية التوم الجيلي ان للمخابرات السودانية سلطات ونفوذ في ليببا التي تشهد حالة من عدم الاستقرار منذ الإطاحة بحكم  معمر القذافي قبل اكثر من 6 سنوات. 

ويشير في حديثه ” للتغيير الالكترونية” ان الخرطرم استفادت من حالة السيولة في ليببا وعمقت علاقاتها مع حركات ذات صبغات إسلامية في طرابلس ” هذه الجماعات المتطرفة لها تقاطعات مع تنظيم داعش .. ولابد ان للمخابرات السودانية تواصل معها وبالتالي  يمكنها ان تتواصل مع الشباب العائدين”. 

ويري الجيلي الذي يعمل  باحثا في مركز للجماعات الاسلامية في الاْردن ان المخابرات السودانية استفادت أيضاً من معلومات استخباراتية توفرت لديها من خلال استضافتها لاجتماعات المخابرات الافريقية في الخرطرم والتي كانت مخصصة لبحث مسألة الاٍرهاب. 

 

وليس من الواضح ما ستفعله السلطات الحكومية للعائدين من داعش خاصة وأنهم كانوا مقاتلين في صفوف التنظيم. وقال العميد التجاني انهم سيعقدون معهم جلسات مراجعة فكرية. 

     

وقال “سنعرضهم على برنامج المعالجات الفكرية والنفسية الذي يتكون من التحليل النفسي لمعرفة الدوافع التي جعلتهم يتجهون إلى التطرف العنيف ثم المعالجات الفكرية والحوار الفكري المباشر لدحض الأفكار المتطرفة والأفكار التي دعتهم للانضمام للتنظيمات الإرهابية.”

 

هناك شكوك كثيفة حول علاقة النظام السوداني وجهاز أمنه بتنظيم داعش، فأكد مراقبون أن النظام مسيطر على دواعش السودان الذين هم صنيعة أمنية بامتياز يستخدمها النظام ككرت ابتزاز سياسي في صراعاته الداخلية وكرت ضغط في صراعاته الإقليمية والدولية. وهذا هو سر التراخي الشديد في التعامل مع التنظيم، فعلى سبيل المثال لا الحصر تسمح السلطات الأمنية لمحمد علي الجزولي منسق ما يعرف ب”تيار الأمة الواحدة” بالخطابة في المساجد والكتابة في الصحف وتكفير الآخرين، رغم أنه يعلن تأييده لتنظيم داعش الذي يهدف للإطاحة بالحكام العرب والمسلمين ويقيم مكانهم دولة الخلافة، وحتى بعد أن اعتقل لفترة ثم أفرج عنه تحت مزاعم أن رئيس مجمع الفقه الإسلامي عصام أحمد البشير اجرى له مراجعات فكرية، صرح الجزولي للصحف وأصدر بيانا يعلن فيه تمسكه بالأفكار الداعشية!

 ولكن التجارب الإقليمية المحيطة بالسودان تثبت خطورة استغلال هذا النوع من التنظيمات في التكتيكات والتلاعبات السياسية، مثلا النظام السوري نسق مع القاعدة وغيرها من التنظيمات الإرهابية  في مواجهة أمريكا في العراق ووفر لها الدعم فكان من مآلات هذه اللعبة احتلال هذه التنظيمات لثلث الأراضي السورية.

 لا توجد إحصاءات رسمية حول السودانيين المنتمين الى داعش في ليببا والعراق وسوريا ، لكن مراكز بحثية تقدر عددهم بالمئات ومعظمهم ينتمون الي كلية العلوم الطبية المملوكة للقيادي الاسلامي ووزير الصحة بولاية الخرطرم مأمون حميدة ، ويخرجون بصورة راتبة من مطار الخرطوم وهي المكان الذي عاد عبره العائدون من التنظيم.  ولكن مكمن الخطورة هو أن المؤسسات التي تفرخ الدواعش منتشرة في السودان وما يخشاه المراقبون هو أن يخرج من رحم “الدواعش المصنوعين”  “دواعش حقيقيون” يزعزعون أمن واسقرار البلاد ويضيفون تعقيدات جديدة لوضع معقد أصلا.