رشا عوض

أصدر “الحزب الشيوعي السوداني” بيانا في الرابع من أبريل الجاري كشف فيه عن لقاء بمباني جهاز الأمن بين قياداته المعتقلة (محمد مختار الخطيب، الحارث أحمد التوم، صدقي كبلو، صالح محمود، علي الكنين) ومدير الجهاز صلاح قوش، وشارك في اللقاء الزميل صديق يوسف بدعوة خاصة – حسب البيان- ولم أفهم ما هو المقصود “بدعوة خاصة”!! فجهاز الأمن إما أن يستدعي وإما أن يعتقل! ولا شيء في قاموسه اسمه “دعوة خاصة”!!

ما هو هدف هذا اللقاء؟ نجد الإجابة في البيان كالتالي” طرح مدير جهاز الأمن أن موقف الجهاز الجديد هو إطلاق سراح جميع المعتقلين وأنهم في عهد جديد وسيعملوا لإتاحة الفرصة للجميع للمشاركة في حل أزمة الوطن، وأعاد ما هو معلن عن محاربة الفساد والأنشطة التخريبية في الإقتصاد، ودعا للحوار، وأنه شخصياً ضد الإعتقالات.” ويضيف البيان:”أكد مدير الجهاز أن اللقاء يأتي لتوضيح سياساته ورأيه في كيفية حل وإصلاح وخدمة الوطن، وأن ما تم بينهم في هذه الجلسة هو ليس بالحوار المقصود، وإن الحوار سيتم في جو ديمقراطي.”

وبالطبع فإن كل من لديه الحد المعقول من الوعي بمخططات النظام وطريقة عمل أجهزته الأمنية وتحديدا أسلوب صلاح قوش لا بد أن يدرك أن هدف صلاح قوش بمثل هذا اللقاء هو إرباك الساحة السياسية وإرسال رسالة سلبية للرأي العام ولا سيما ان اللقاء أعقب اجتماعات “نداء السودان” الأخيرة وتهديد ووعيد البشير للمشاركين فيها وفتح بلاغات ضد رئيس حزب الأمة القومي الامام الصادق المهدي تحت مواد في القانون الجنائي خاصة بالإرهاب وتقويض النظام الدستوري، فتحت العنوان العريض “فرق تسد” يهدف قوش بهذا اللقاء أن يخادع الرأي العام بأن النظام غير معزول ومنفتح لدرجة تواصله مع أقصى اليسار. وكان حريا بالحزب الشيوعي وإن كان خارج تحالف نداء السودان ومختلفا معه  أن يهزم مقصد قوش ولا يساعده في تمرير رسالته، فمهما يكن من أمر المسافة بين “الحزب الشيوعي” و”نداء السودان” مفترض ان تكون أقرب بكثير من المسافة بين “الشيوعي” و”النظام”!

ولو تركنا مخططات “فرق تسد” جانبا، فإن هذا اللقاء يظهر نوعا من عدم “الحنكة السياسية” وعجز عن اقتناص الفرص لإرسال الرسالة التعبوية الصحيحة للجماهير ولا سيما أن الحزب يرفع شعار”إسقاط النظام”، إذ كيف يجلس معتقلون مسلوبو الحرية مع صلاح قوش ويستمعون إلى أكاذيبه البلقاء عن محاربة الفساد واتاحة الفرصة للجميع للمشاركة في حل أزمة الوطن؟ أليس الموقف الصحيح هو امتناع الزملاء عن اي حديث سياسي ومن حيث المبدأ إلى ان يتم إطلاق سراحهم؟ أليس من البداهات في دنيا حقوق الإنسان أن لا رأي يعتد به  لأسير أو معتقل أو رهينة؟ وبالتالي فلو جاء عمر البشير نفسه إلى المعتقل وفتح نقاشا في السياسة يجب ان يمتنع المعتقلون عن التفوه بمفردة واحدة في هذه القضايا  ويكتفوا فقط بعبارة أطلقوا سراحنا؟! ولماذا يقبل حزب سياسي عريق بأن يكون الحوار السياسي معه عبر جهاز الأمن والمخابرات؟

لماذا هذا التطبيع مع الأوضاع  المقلوبة التي رسخها النظام الفاسد المستبد في الدولة وهي ان هناك جهاز أمن يمتلك الدولة وله الكلمة العليا في شأنها السياسي والاقتصادي وعلاقاتها الخارجية بدلا من دولة لها جهاز أمن من المفترض ان يكون خاضعا للسلطة التنفيذية كجهاز لجمع وتحليل المعلومات وفي سياق حماية الوطن من المخاطر الداخلية والخارجية حسب دستور البلاد وانطلاقا من ذلك فإن تعامل صلاح قوش مع الحزب الشيوعي أو اي حزب سياسي في السودان ينطلق من أن هذه الأحزاب”مخاطر داخلية” على الوطن المختزل طبعا في “حزب المؤتمر الوطني” وما دام الأمر كذلك فإن اي تواصل معها هو جزء من مخطط لخدمة ” المؤتمر الوطني” وبعبارة أدق حسب ظروف هذه الأيام أحد تيارات المؤتمر الوطني”!

فلو كان صلاح قوش جادا في نقاش أزمة البلد ويرى ان قيادات الحزب الشيوعي هم الأكثر تأهيلا لمثل هذا النقاش فلماذا لم يحترمهم ويطلق سراحهم ثم بعد ذلك يوجه لهم دعوة في مكتبه أو حتى يأتيهم بنفسه في دار الحزب الشيوعي ويتحفهم بحديثه عن الحريات ومشاركة الجميع في حل أزمة الوطن ومحاربة الفساد  ويقول لهم أنه هو شخصيا ضد الاعتقالات!وان من ظل يعتقل السودانيين طيلة سنوات رئاسته لجهاز الأمن هو صلاح بن البادية أو صلاح السعدني… الخ أحاديث الإفك التي تخصص فيها هذا النظام.  

ولكن هيهات ان يقيم صلاح قوش وزنا لأحزاب فاقدة للبوصلة السياسية  و”حائر بيها الدليل” لدرجة ان يجلس من هم في قمة هرمها  القيادي ويتحدثون مع رجل هو رأس الرمح في آلة القمع والتدمير الإنقاذي للأحزاب عن  ” أهمية وضرورة توفير الحريات السياسية وتوفير المناخ الديمقراطي والممارسة الديمقراطية،،” حسب البيان المذكور أعلاه!

أما الحديث عن موقف الحزب  الذي ورد في نهاية البيان :”نؤكد على أهمية إستمرار الحراك الجماهيري لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والإستمرار في النضال لهزيمة ميزانية الفقر والجوع، وتدعيم بناء أدوات النضال الأساسية التي تساعد في تصعيد الحراك الجماهيري وهي لجان المقاومة الشعبية كخطوة أساسية في نضالنا الجماهيري السلمي المستهدف إسقاط النظام”

هذا الحديث من وجهة نظري بلا معنى! ويدل على أن  “إسقاط النظام” بالنسبة لقيادة الحزب الشيوعي الحالية هو مجرد شعار لا تسنده إرادة سياسية حقيقية ولا يصدقه فعل، لأن مجمل سياق هذا البيان لا يتسق مع  “إسقاط النظام” فمن عجز عن مجرد الصيام عن الكلام في السياسة مع الجلاد أثناء اعتقاله انتصارا لكرامته وكرامة حزبه وسمى “الاستدعاء” دعوة خاصة!! كيف يمكن ان يقود الجماهير لإسقاط النظام!