التغيير/فيس بوك

أثار موضوع أطلقته امرأة في احدى المجموعات النسائية المغلقة المهتمة برفع وعي المرأة والتي تضم عددا من المثقفات  رفيعات التعليم في فيسبوك جدلا واسعا .وكانت صاحبة المنشور  قد تساءلت عن (إمكانية تجميد البويضات للآنسات فوق سن 35).

وأيد العدد الأكبر من المتداخلات الفعل واعتبرنه حلا لمشكلة تأخر الزواج بسبب طموح النساء العملي وإنشغالهن بتحقيق أحلامهن المهنية والحياتية .بينما رفضتها أخريات بحجة أن المجتمع الديني المحافظ لن يتقبل ذلك .بينما فضلت مجموعة الولادة الطبيعية وفي سن مبكرة حتى  تتمكن الأم من تربية ابناءها وهي في سن مناسبة لذلك . بينما اعتبرت شريحة منهن أن حفظ البويضات ذاته يجب أن يكون في سن ال25 وليس 35 ، لأن نوعية البويضة تتأثر سلبا بتقدم السن.

وناقشت بعض المتداخلات رفض المجتمع الذكوري لمثل هذه التقنية لأنها تؤثر على غشاء البكارة حيث تسحب البويضات عن طريق المهبل .وبالتالي سيرفض كثير من الرجال هؤلاء الفتيات على خلفية مفاهيم  الشرف والعفة المحصورة في غشاء البكارة.

وقالت صاحبة المنشور وهي سودانية مقيمة بأمريكا  واسمها أميمة “للتغيير الإلكترونية” أنه بالرغم من العوائق المتمثلة في تخلف الفكر وانتشار الجهل ؛إلا  أنها تأمل أن تنتشر مثل هذه الأفكار في السودان . لأنها ستساعد على حلحلة كثير من مشاكل النساء الأكثر وعيا وطموحا وبالتالي أكثر تأخرا في الزواج .لأن معظمهن قد يتأخرن عن الزواج بسبب الطموح .وبالتالي حرمانهن من الأمومة . وتقول أميمة أنها واثقة أن كثيرا من الشباب السودانين أصبحوا على درجة عالية من الوعي بحيث أنهم لن يمانعوا من مثل هذا الإجراء الذي يضمن للشريكة حقها في إنجاب أطفال ولو تأخر الزواج .

وتقول عضوة المجموعة  (ن) وهي طبيبة صيدلانية “للتغيير الإلكترونية” أن هذا المنشور فتح لها آفاقا أكبر في حلول مشكلة الإنجاب سيما أنها في منتصف الثلاثينيات ولا تريد الزواج قبل إكمالها دراسة الماجستير وتوسيع عملها التجاري في صيدليتها وغيرها من المشاريع التي تأمل في تحقيقها.

 وقالت دكتورة امتنان سماحة  أخصائية الخصوبة و عضو مجلس إدارة مركز للخصوبة أن لديهم هذه التقنية في المركز وقدمت كثيرا من الحلول لفئات من النساء مثل المصابات بالسرطان اللائي يلجأن إليها قبل بدء العلاج الكيميائي لأنه يؤثر على خصائص البويضة .

وذكر تقرير بثته قناة بي بي سي قبل سنوات أن هناك ارتفاعا في نسبة العنوسة(تأخر سن الزواج) في السودان من أسبابها (أن الفتاة السودانية باتت تفضل متابعة دراستها وتحصيلها العلمي وإيجاد فرص عمل جيدة على إيجاد عريس ).

إلا أن ظاهرة “العنوسة” في السودان لا تنحصر في تأخر سن الزواج الاختياري لدى فئة من النساء تفضل بناء الذات أكاديميا واقتصاديا أولا ثم بعد ذلك الزواج والإنجاب، بل تنتشر وبشكل أكبر في العاصمة والمدن “العنوسة الإجبارية” بين الجنسين  بفعل العوامل الاقتصادية وتعقيدات الحروب والهجرة الكثيفة للرجال، وهذا يضيف إلى مشاكل المرأة في المجتمع هما جديدا هو الخوف من فقدان “الأمومة” بسبب تقدم العمر..

وهنا تبرز احد مفارقات المجتمع السوداني ففي الأرياف والقرى ينتشر الزواج المبكر وهو من أكبر مهددات الأمومة الآمنة لأن جسم الطفلة في سن مبكرة (قبل ثمانية عشرة عاما) يكون غير مهيأ للحمل والولادة في كثير من الحالات.

وفي العاصمة والمدن الزواج المتأخر لما بعد الأربعين وهو أيضا من مهددات الأمومة الآمنة لأن خصوبة المرأة تتناقص في هذه السن وتزيد احتمالات الإجهاض وولادة أطفال مشوهين. 

والجدير بالذكر أن عملية سحب البويضات وحفظها بكفاءة باهظ التكلفة ومحدود الانتشار ولن يكون متاحا للأغلبية الساحقة من النساء في البلاد الفقيرة مثل السودان، فضلا عن أن الجدل حول أضرار هذا الخيار من الناحية الصحية ما زال محتدما بين الأطباء وعلماء النفس والاجتماع حتى في الدول الأوروبية، إذ يرجح الأطباء أن تجميد البويضات يحتفظ للنساء ببويضات شابة ولكن تظل تواجههن  مخاطر ومضاعفات الحمل في سن متأخرة.

لم يظهر التعداد السكاني الأخير في السودان الذي أجري عام 2008 م معلومات في غاية الأهمية عن التركيبة السكانية في البلاد والأوضاع الصحية والاجتماعية والاقتصادية للسودانيين، فلم يكن العيب الوحيد لذلك الاستفتاء استبعاد سؤالي العرق والدين بل غابت عنه أسئلة حول الحالة الاجتماعية ونوع العمل والمستوى التعليمي والدخل السنوي ونوع الخدمات وكل ما له صلة بالتنمية البشرية، وبالتالي لا تتوفر إحصائيات دقيقة عن أعداد النساء العوانس والرجال العوانس (التعبير يشمل الجنسين ولكنه يستخدم في المجتمع التقليدي كمنقصة للنساء وفي هذا التقرير نستخدمه مجردا من اي دلالة سلبية ونقصد به فقط تأخر سن الزواج).

ولكن يبقى السؤال لماذا تكون المرأة المتطلعة للتميز والريادة في الحياة العامة مجبرة على مقايضة احتياجاتها الإنسانية كالأمومة مثلا بالنجاح؟

في هذا السياق تقول الدكتورة ناهد محمد الحسن في برنامج ملفات سودانية الذي بثه راديو دبنقا قبل اشهر إن المجتمع السوداني ما زال يحصر المرأة في الدور الإنجابي ولا يحفل بأدوارها الإنسانية الأخرى ولذلك لا توجد المؤسسات المؤهلة لمساعدة المرأة على رعاية الأطفال مثل دور الحضانة الملحقة بأماكن العمل، فضلا عن أن تقافة المجتمع لم تتطور في اتجاه مشاركة الرجل في تحمل الأعباء المنزلية ورعاية الأطفال ونيجة لذلك دفعت الأمهات العاملات  ضريبة كبيرة نظرا لأدائهن أدوارا مركبة وفي ذات الوقت غير معترف بها إذ ان عمل المرأة في المنزل وتربية الأطفال لا يدخل في حسابات الدخل القومي في كل البلاد.

ربما يكون  تجميد البويضات أو التبني أو حتى صرف النظر عن الإنجاب نهائيا والتفرغ للعطاء والإنجازات في الحياة العملية خيارات موضوعية ومشروعة لكثير من النساء، فما عادت المرأة تختزل ذاتها ودورها في الحياة في إنجاب الأطفال.

ولكن المشكلة الكبيرة في المجتمع السوداني   التي تحتاج لحلول تنموية واجتماعية وثقافية  هي الانهيار الاقتصادي والخلل الديموغرافي الناتج عن النزوح واللجوء والهجرة ومستويات البطالة المخيفة وأزمات السكن والمعيشة وتردي الخدمات الصحية، فكل هذه العوامل مضافا إليها تخلف العادات والتقاليد التي ترفع من التكاليف المالية للزواج ، فهذه المشاكل مهددات حقيقية لأبسط تطلعات السودانيين مثل تطلع امرأة لأن تصبح أما لأطفال يجدون غذاء صحيا وتحصينا ضد الأمراض ومدارس يتعلمون فيها وقبل ذلك تجد هي الرعاية الصحية والتوعية اللازمة لتفادي مخاطر الحمل والولادة.     

http://www.france24.com/ar/20141031-%D8%A5%D9%86%D8%AC%D8%A7%D8%A8-%D8%AE%D8%B5%D9%88%D8%A8%D8%A9-%D8%AA%D8%AC%D9%85%D9%8A%D8%AF-%D8%A8%D9%88%D9%8A%D8%B6%D8%A7%D8%AA-%D8%B5%D8%AD%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7