انهيار ميزانية 2018 في ربعها الأول

معتصم أقرع

تصريحات وزير المالية السيد محمد عثمان الركابي بـأن الحكومة السودانية تخطط لبيع صكوك دولية بقيمة مليار دولار في وقت لاحق هذا العام لا يعدو ان يكون اعترافا صريحا من سعادته بان تمويل ميزانية 2018 يواجه عقبات عسيرة مما يشير الِي ان المعاناة الاقتصادية في طريقها الِي التفاقم والِي ان الشعب في اتجاه الِي درك جحيم اقتصادي اسوأ مما هو عليه الان.

بحسب تصريح السيد وزير المالية, فان الصكوك التي تعتزم الحكومة اصدارها سوف تكون بالعملة الاجنبية وهذا يعني ببساطة ان الحكومة تنوي اقتراض مليار دولار . السؤال الذي يفرض نفسه هو هل سوف تتحمس اسواق المال الِي ا قراض الحكومة مثل هذا المبلغ ؟

مقدرة أي حكومة علي الاستدانة بأسعار فائدة متدنية وشروط سداد وجزاء معقولة يعتمد علي ما يسمي بـالجدارة الائتمانية وهي تقييم يقوم به المقرضون لتحديد إمكانية واحتمالات تقصير المقترض عن الوفاء بـالتزامات ديونه بالنظر الِي عوامل مثل الأداء المالي التاريخي للمقترض ومقدار الأصول المتاحة له وقدرته المستقبلية ، وميله إلى احترام التزامات الدين كما هو متفق عليه.

من الواضح لأي متابع للاحداث في السودان ان الجدارة الائتمانية للحكومة متدنية الِي حضيض نسبة لازمتها الدائمة وعجوزاتها المستفحلة في مجالي الميزانية والنقد الاجنبي. فقد عجزت الحكومة مرارا وتكرارا عن الوفاء بالتزاماتها بالنقد الاجنبي لشركات عالمية , صينية وخليجية وشركات طيران واتصالات وغيرها . عليه فمن الواضح ان اسواق المال سوف لن تتحمس لشراء صكوك حكومة السيد الركابي الربوية حتى لو وضع أسعار فائدة فلكية عليها وذلك نسبة الِي ارتفاع مخاطر عجز الحكومة عن السداد المستقبلي بالعملات الاجنبية . وسوف يحجم المغتربون السودانيون عن التعامل مع هذه الصكوك لنفس الأسباب التي تتعلق بانعدام الثقة في ذمة الحكومة ووفاءهـا المالي . فلو كان السيد المشير في المعارضة لقال ببلاغته المعروفة للسيد الوزير ” صكوكك دي بلها وأشرب مويتها” .

السيناريوهات الوحيدة لحصول الحكومة علي جزء من المبلغ التي تطمح لاقتراضه هو ان تقوم جهات خارجية بشراء بعض هذه الصكوك لأسباب سياسية , وليست تجارية , علي سبيل المثال لدعم الحكومة كثمن لانضمام السودان الِي تكتل اقليمي . وفي هذا السيناريو قد تضطر الحكومة الِي رهن المزيد من اراضي وبحار السودان كضمان للقروض , وهذا يعني عمليا ان السودان في المستقبل القريب سوف يخسر المزيد من موارده الطبيعية الِي جهات اجنبية . السيناريو الاخر الذي قد يدفع البعض الِي شراء صكوك الحكومة قد يكون الهدف منه غسيل اموال متسخة وادخالها في دوائر المال العالمية القانونية النظيفة .

ولكن حتى لو نجحت الحكومة في اقتراض المليار دولار لانقاذ ميزانية 2018 فانه يجب ان نتذكر ان لا أحد يستطيع ان يواصل الاقتراض الِي ما لا نهاية. الاقتراض عمليا هو عبارة عن تأجيل مواجهة الازمة العجزية الِي تاريخ لاحق , ففي حالة نجاح الحكومة في الاقتراض فهذا يعني انه يجب عليها ان تدفع المبلغ الذي اقترضته والفوائد التي عليه من موارد ميزانية 2019 الشيء الذي يعد بالمزيد من الاختناق المالي في المستقبل القريب .

عليه فان تصريحات السيد وزير المالية الاخيرة يمكن تفسيرها بانهيار ميزانية 2018 في ربع شبابها الاول وبان المعاناة الاقتصادية في اتجاهها الِي التصاعد , وان الشعب موعود بالمزيد من الغلاء والرسوم والضرائب والجبايات وان النظام ينوي المزيد من بيع ورهن ثروات السودان الطبيعية الِي الاجانب وربما الانغماس في اعماق مستنقع غسيل الأموال العالمي واعادة تدوير المال المشبوه .

الحكومة تتجة لبيع صكوك بمليار دولار لتفادي انهيار ميزانية 2018