مالك عقار اير

من قسّم السودان؟ صفحة من مذكراتي

يمثل خيار أبناء وبنات جنوب السودان بالتصويت لخيار الانفصال من الدولة الام ، جمهورية السودان، في يناير 2011، واقعة وصدمة كبرى ومستمرة في التاريخ السياسي السوداني. لذا، سيستمر السؤال التاريخي، والمسؤلية، قائما، من قسّم السودان؟
لا امتلك الجرأة، ولا المشروعية الكافية للاجابة على هذا السؤال المعقد المركب الكبير. لكني امتلك دفتر يومياتي، او مذكراتي الشخصية، مجتزأ لاحدى صفحاتها في محاولة للمساهمة في تسليط الضوء على الاجابات على ذلك التساؤل التاريخي. في هذا المقال اعود الى سبتمبر 2010، على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للامم المتحدة بنيويورك، بصحبة النائب الاول لرئيس الجمهورية سلفاكير ميارديت ونائب الرئيس على عثمان طه حينها، حيث بداية احدى التصورات الاخيرة للحفاظ على السودان موحداً، حيث كنت شاهداً، بل ومبتدراً لتلك المبادرة، التي وجدت دقائقها مؤثقة في إحدي صفحات مدونتي الشخصية.
بالطبع، قضية بحجم وحدة او انقسام السودان لا يمكن ان تحملها صفحة او تجربة منعزلة لتحدد او تجيب على تساؤل معقد بحجم من قسّم السودان. ايضاً، لم تكن عملية واجراء الاستفتاء على تقرير المصير في جنوب السودان هو الحدث الوحيد في قرار عملية الانفصال، او استقلال الجنوب دولة مستقلة عن السودان الموحد. فالمآلات والحيثيات المتراكمة حتى توقيت اجراء الاستفتاء تحفل بالتاريخ وتطورات العلاقة بين الدولة المركزية ونظمها الحاكمة في السودان، وهي زاخرة بالاحداث والوقائع، من مظالم تاريخية بنيوية- في التنمية والحكم والاقتصاد والسياسية والثقافة والهوية، وحروب اهلية مستمرة، ومصالح ومطامع خارجية، واتفاقات سلام نسبي تمادت النظم الحاكمة بالخرطوم في عدم الالتزام بالتنفيذ المخلص لها. هذا هو السياق الموضوعي الذي يقوم عليه التساؤل التاريخي، من قسّم السودان؟
ايضاً، بالإضافة للتطورات و الوقائع التاريخية والمعاصرة، السياسية والاقتصادية والثقافية، التي تساهم في الاجابة على سؤال من قسّم السودان، نجد مجهودات العديد من المفكرين والسياسيين والناشطين، السودانيين والاجانب، ممن سعوا مؤثقين في الاجابة على ذلكم التساؤل ، سلباً وإيجاباً ببحث السياقات والاسباب والمحاولات الحقيقية لوقف تشظيّ البلد الواحد، او للاجابة على سؤال الإنقسام بعد وقوع واقعته، واصبح البلد الموحد سودانين. اذكر من محاولات هؤلاء الباحثين والمفكرين علي سبيل المثال لا الحصر ، كتابات دوجلاس جونسون، جوزيف ادوهو، فرانسيس دينق، محمد عمر بشير، الياس نيمليل ، وغيرهم ممن بحثوا عميقاً حول جذور الحروب الاهلية في السودان مُسبباتها وأثارها السالبة العميقة. ايضاً اشير لسلسلة المقالات الهامة التي سطرها الواثق كمير في العام 2009 في اعقاب ورشة بعثة الامم المتحدة حول قضايا الوحدة والانفصال في السودان، والتي فتحت حوارات واسئلة عميقة، ما يزال بعضها قائماً في دولتيّ السودان وفِي الحركة الشعبية لتحرير السودان في شماله وجنوبه على السواء، وقد جاءت بعنوان ( دعوة للحوار مع النفس: الحركة الشعبية والعودة لمنصة التأسيس). وطرح كمير عبر تلك السلسلة قضية المركزية الممثلة في الحاجة الماسة للدراسة المتأنية والبحث الامين في الأبعاد الحقيقية لخياري الوحدة والانفصال، وما يترتب على كل منهما، خاصة التبعات السالبة للانفصال عند كافة القوى السياسية والاجتماعية السودانية. ومن ضمن الكتابات الهامة ايضاً حول سؤال انقسام جنوب السودان، المؤلف الضخم لمجموعة من الباحثين المعروفين عالميا، بعنوان أمة في عامها الاول: إستقلال جنوب السودان (Year One of a Nation: South Sudan’s Independence )، والذي قامت بتحريره سلسلة مطبوعات المكاي Al Mckay في العام 2012. واقتبس من مقدمة ذلك المؤلف: ” يعتبر السودان كحال معظم الدول الافريقية، يقبع مستقبله فيما رسمه له تاريخه. فمنذ نيل استقلاله من الاستعمار البريطاني- المصري في 1956، ظل السودان يعيش وضعاً مستمراً من التوترات والحروب الداخلية، ذات سمة وخاصية واحدة، وهي تزامن الانقسامات الاثنية والدينية والثقافية مع سيادة علاقات عدم المساواة الاقتصادية والسياسية بين الشمال والجنوب. وقد ادت الانقسامات المركبة وانعدام المساواة الى الحرب الاهلية الاولى (1956- 1972)، وهي ذات الاسباب التي ادت لتجددها في الاعوام ما بين 1983 الى 2005، والى انفجارها في دارفور في العام 2003، واستمرارها حتى اليوم في العديد من المناطق”. نهاية الإقتباس .
الان اعود الى الصفحة المجتزأ من مذكراتي والى السؤال التاريخي، من قسّم السودان؟ اعود الى سبتمبر 2010، في نيويورك، وعلى هامش اجتماعات الامم المتحدة، وقبل ثلاثة اشهر فقط من تنظيم الإستفتاء على تقرير المصير حول وحدة او انفصال جنوب السودان، وفي ظل توقيت اخذت ترفرف فيه فقط رايات خيار الانفصال، ويتهأهب الجنوب لتقنين اعلان الاستقلال ونهاية الفترة الانتقالية لاتفاق السلام الشامل بانقسام السودان.
قبل زيارة نيويورك بفترة قصيرة، وفي ذات المناخ المتأهب للاستفتاء والانفصال/ الاستقلال في جنوب السودان، بدأت لدي فكرة بسيطة تولدت عن سؤال عظيم حينها، هل من فرصة تبقت لحماية وحدة السودان؟ اخذت في تقليب ذلك السؤال مع رئيس الحركة الشعبية سلفاكير ميارديت ومع عدد مختار من الرفاق حولي. وبالفعل تطور السؤال الى البحث عن المحفزات الملموسة الممكن توفيرها لابناء وبنات جنوب السودان، ومن ثم تقديم اجابة ايجابية لسؤال هل من فرصة لحماية الوحدة. العديد من رفاقي بالحركة الشعبية ممن شاورتهم في الفكرة تجاوبوا بمشاعر وأراء مرتبكة، وقد كانت مفهومة لدى تلك المواقف. فلم يكن احداً يرغب ان يقف متحدياً او ضد موجة دعم خيار الانفصال/ الاستقلال العاتية بعد إستنفاز كافة احتمالات الوحدة الجاذبة بسبب مقاومة المؤتمر الوطني للتنفيذ المخلص لاتفاق السلام الشامل، دع عنك تقديمه لمثقال ذرة من جهد لترجيح كفة وحدة الوطن. خبرة المؤتمر الوطني في العمل ضد جاذبية الوحدة كان احد الردود التي جاءت ممن شاورتهم من الرفاق قادة الحركة الشعبية حول سؤالي البسيط- هل من فرصة أخيرة لحماية وحدة السودان- بعضهم اثار حصة النفط وعدم الارتهان مرة اخرى لمشاركتها مع المؤتمر الوطني، وهو الذي ظل يستغل عائداتها لبناء ترسانته الحربية ضد الجنوب. لقد كانت ردود الافعال حول مقترحي متفاوتة ومرتبكة، ولها من الدفوعات ماجعل اياً منها- دعماً لمقترحي او رافضاً له- على صواب. ومن مفارقات تلك النقاشات انها نادراً ما اثارت قضايا مابعد الانفصال/ الاستقلال، مثلاً كيف سيتم وضع اسس الخدمة المدنية في الجنوب، آليات التحول لحزب سياسي حاكم، كيف سيدار التنوع الاجتماعي لمجتمع جنوب السودان، قضايا الحدود، ادارة الموارد والمنصرفات، وغيرها من موضوعات حيوية، بما فيها مستقبل رفاقهم في المنطقتين ومن باقي مناطق السودان. وقد حفزتني هذه الوضعية، والتي كانت اقرب ما يكون الى حالة انتظار معجزة ما لحماية السودان موحداً، حفزتني للتاكد من جدارة سؤالي وإمكانية تطويره، هل من فرصة أخيرة تبقت لحماية وحدة السودان؟
تواجد النائبين في نيويورك مثل فرصة جيدة لاختبار مدى استجابة المؤتمر الوطني وامكانية تطوير المقترح. وبالفعل ذهبت الى نائب الرئيس على عثمان محمد طه في مكان اقامته، والذي لم يكن يبعد كثيراً من مكان اقامتنا مع النائب الاول سلفاكير ميارديت، وإستاذنت البرتوكول بمقابلتة لامر هام ، وبدات الحديث بطرح سؤالي مباشرة: هل من فرصة اخيرة لحماية وحدة السودان؟ واخطرته بالطبع على نقاشاتي حول القضية مع رئيس الحركة الشعبية وعدد من رفاقي، واوصلت له ما معناه ان الجميع في انتظار معجزة ما لحماية الوحدة، وان مفتاح باب هذه الوحدة الان قد يكون فقط في يد المؤتمر الوطني. كما شددت في حديثي مع نائب الرئيس على ان هذا المقترح يمكن ان يكون موازياً، وليس مرتبطاً بالمناقشات الرسمية المتعثرة حينها والتي كانت تجري بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني حول الاستفتاء ومابعده، وقد كنت أقودها لفترة حيث ابتدرت في واشنجنطن وكنت رئيس وفد الحركة ينوب عني نيال دينق والمؤتمر الوطني د. غازي صلاح الدين عتباني بإشراف الجنرال إسكوت قريشن ومن ثم طلبت منه انتهاز فرصة وجوده ورئيس الحركة الشعبية سوياً في نيويورك للجلوس والنقاش معاً حول امكانية خلق تلك الفرصة.
وافق الاستاذ على عثمان طه دون نقاش او اي تحفظ على الجلوس مع الفريق سلفاكير ميارديت حول المقترح، قلت أضرب الحديد وهو ساخن وتحركت مباشرة لجناح اقامة النائب الاول بنيويورك لاطلاعه على حضور على عثمان ومن ثم للتجهيز للقاء مع مدير مكتب النائب الاول، السفير ايمانويل . وبالفعل انعقد الاجتماع بين النائبين واستمر لمابعد منتصف الليل ولاكثر من ثلاثة ساعات. كان تعليق الاستاذ على عثمان على اللقاء عندما اصطحبته لمقر اقامته بانه اجتماع ناجح وشفاف وانهما تداولا في مختلف جوانب تطوير المقترح، مشددا على اهمية تكراره عقب العودة للسودان، وانه سيقوم بالحديث مع الرئيس حول اللقاء والمقترح. ذات التعليق الايجابي جاء من النائب الاول سلفاكير، وطلب مني الحضور للنقاش بتفصيل في وقت لاحق لتأخر الوقت حينها. بعدها بايام، وبعد عودتنا للسودان اتيح لي اللقاء بالرئيس عمر البشير في قضايا مختلفة، وتحينت الفرصة حينها لاطلاعه عن لقاء النائبين في نيويورك بناءاً على مقترح مني للنقاش حول قضية الوحدة والانفصال. وجدت البشير على اطلاع كامل بلقاء نيويورك، وبدأ لي سعيداً به ومشجعاً لاتخاذ خطوات عملية في تطوير المبادرة.
غادرت مباشرة في اليوم التالي الى جوبا للالتقاء برئيس الحركة الشعبية وعدد من رفاقي من القيادات لاطلاعهم على استجابة البشير وعلى عثمان على المقترح، وكيفية تطوير سؤال خلق الفرصة الاخيرة لحماية وحدة السودان الى عملية سياسية منتجة. وبالفعل بدات العمل مع عدد من القيادات ممن كانوا متحمسين للمقترح، وإتفقنا على المدخل التنموي كنقطة بداية، وذلك بوضع برنامج اقتصادي- تنموي شامل لجنوب السودان يعالج المظالم وعدم المساواة التاريخية بين الشمال والجنوب. وكان واضحاً ان تحقيق هذا البرنامج يتطلب معالجتين دستوريتين. الاولى، تاجيل تنظيم الاستفتاء على تقرير المصير بجنوب السودان لمدة تتراوح بين 3 الى 6 سنوات، ويشترط للتاجيل ربطه بمهام تثبيت السلام والتطبيق الحقيقي للبرنامج التنموي الاقتصادي في الجنوب. أما النقطة الثانية فهي مراجعة اتفاق السلام الشامل وتعديله بما يسمح لتنفيذ البرنامج التنموي الشامل. كنت ادرك حينها مدى صعوبة المهمة، وان جبال عاتية تنظر الصعود والهبوط لتمرير البرنامج التنموي ومقترحات التعديلات الدستورية، خاصة مقترح تاجيل الاستفتاء، فعقول وقلوب كل الجنوبيين كانت حينها تهفو مترقبة للحظة الاستفتاء.ورؤية علم دولة جنوب السودان يرفرف عاليا.
عند عودتي للخرطوم وعرضي لعلى عثمان الخطوط العريضة التي ناقشناها في جوبا، وافق عليها وقام بتسمية نافع على نافع واحمد هارون للعمل معنا في تطوير خطة العمل. اصبت بالامتعاض عند ذكر اسم نافع على نافع، وشعرت بان المؤتمر الوطني قد احضر الشخص المناسب لإبطال تقدم المقترح، مبادرة الفرصة الاخيرة لحماية وحدة السودان. امتعاضي من ذكر اسم نافع في قضية تتعلق بوحدة او انقسام السودان تعود الى اسباب عديدة متعلقة بوقوفه ضد التنفيذ الجاد والمخلص لاتفاق السلام في تجارب سابقة، اخرها عندما ذهبت وبصحبته ووزير الحكم الاتحادي حينها عبدالباسط سبدرات الى مدينة الدمازين لمقابلة الوالي عبدالرحمن ابومدين وحكوميته لمتابعة تنفيذ برتكول المنطقتين وبرامج التمييز الايجابي والاتفاق على الموارد المطلوبة للنيل الازرق. واعلن حينها نافع على نافع لحكومة الولاية عن المبلغ المخصص للصندوق الخاص بالتمييز الايجابي، ولكن عند متابعتي لعملية التنفيذ من الخرطوم انكر نافع ذلك الالتزام، كما انكره عبدالباسط سبدرات مرتجفاً خائفاًحينها. عندما ذكر اسم نافع على نافع ضمن لجنة تطوير مقترح الفرصة الاخيرة لحماية وحدة البلاد شعرت بان ذلك بمثابة الاستدعاء المبكر لشياطين التفاصيل، وورود اسمه كان كنزير شؤم لوأد المبادرة في مهدها.
عملت لجنتنا على تطوير الخطوط الرئيسية للبرنامج الاسعافي لحماية وحدة السودان، وانسحب نافع تدريجياً حيث قمت واحمد هارون بتسليم مسودة الخطة صفحة واحدة ذات خطوط عريضة الى على عثمان طه ومن ثم التوجه الى جوبا لعرضها على سلفاكير. اخد منا الوصول لتلك المسودة الاولية نحو سبعة جولة من النقاشات والتعديلات الى ان التقيت بالنائب الاول سلفاكير في جوبا. في ذلك الاجتماع الذي استمر لساعات طوال حتي ما بعد منتصف الليل، وبحضور القادة كوال ميانق، دينق الور، قيير شوان، كوستا مانيبي وشرينو هيتنغ، تم نقاش مسودة الخطة وخرج الاجتماع بثلاثة قضايا جوهرية تتطلب التوضيح والاتفاق المبكر عليها مع الرئيس البشير والنائب على عثمان قبل الموافقة على منح الوحدة فرصة اخيرة عبر البرنامج التنموي- الاقتصادي الشامل لجنوب السودان، بتعديلاتة الدستورية الجوهرية، بما فيها الموافقة والعمل على اقناع الجنوبيين بتاجيل الاستفتاء على تقرير المصير. وقد شملت القضايا الثلاث التي تتطلب توضيح وموافقة البشير وعلى عثمان:
1)
الاتفاق على طرف خارجي لتنفيذ البرنامج التنموي- الاقتصادي في حال الاتفاق علية ،خاصة وان الفترة الانتقالية اثبتت عدم جدية المؤتمر الوطني في دعم قضايا التنمية وترجيح خيار الوحدة الجاذبة عبرها، وكل ما شملته هذه التجربة من انعدام للثقة في تنفيذ مواد الاتفاقية.
2)
مراجعة قضية علاقة الدين بالدولة، خاصة حقوق غير المسلمين، والاتفاق على تشريعات وآليات لتحقيق المواطنة المتساوية والحقوق الثقافية والاجتماعية.
3)
مراجعة قسمة الثروة، خاصة نسبة ال50% من النفط المنتج في جنوب السودان، ومدى استعداد المؤتمر الوطني للتنازل، اخذاً في الاعتبار التجربة السالبة في رفض المؤتمر الوطني التنازل عن وزارة النفط، دعك عن حق الجنوب في كامل نفطه.
بعد التشاور مع احمد هارون، حملت القضايا الثلاث التي حددتها قيادة الحركة الشعبية لتطوير المبادرة واتجهت الى نائب الرئيس على عثمان طه. استمع طه بانصات تام لخلاصة اجتماعنا في جوبا وللقضايا الثلاث التي تتطلب موقفه وموقف الرئيس منها حتي تتحرك قيادة الحركة الشعبية عملياً في الدفع بالمبادرة. ولكنه، للمفاجأة لم يعلق علي عثمان ولو بكلمة على ما ذكرته. بعد فترة من الصمت طلب مني مقابلة ونقل هذه النقاط للرئيس البشير، والعودة للاجتماع معه بعدها. ذلك كان المؤشر السلبي الثاني، واصبحت شبه متيقن من تكاثر شياطين التفاصيل، وذلك بعد المؤشر السلبي الاول باضافة نافع على نافع للجنة المبادرة في مرحلة سابقة.
عرضت على البشير النقطة الاولى الخاصة بالجهة التي ستنفذ البرنامج التنموي-الاقتصادي، والذي هو بمثابة الرافعة الرئيسية لعملية حماية وحدة السودان، واهمية تحديدها والاتفاق عليها مبكراً. رده المباشر كان، نحن من سينفذ البرنامج التنموي. واسهب بعدها في حديث انشائي مطول عن عراقة وقدرات الخدمة المدنية السودانية وما قامت به من بناء وتنمية في دول الخليج ومدراتها في تنفيذ اكبر مشاريع التنمية مثل السدود التي تشهد عليها البلاد ونجاح المشروعات القومية الموجودة، وغيرها خطب انشائية. في قرارة نفسي كنت مدركاً بالطبع لما آلت له الخدمة المدنية في السودان والموارد البشرية التي اهدرت وتم التضحية بها لمصلحة مشروع التمكين للاسلاميين، وانهيار كافة المشروعات القومية والخدمة المدنية بسبب التمكين وفساد النظام. ولكن مع ادراكي ذلك لم يكن من امامي بد سوى الاستماع لتلك الخطبة. عقبت على حديث الرئيس قائلاً اننا امام قضية مصيرية تتعلق بوحدة السودان او تفتيته، وما انقله لك الان هو الفرصة الاخيرة لحماية هذه الوحدة، وفي تقديري ان هذا البرنامج التنموي وهدفه الاستراتيجي سيكون مثل الميراث الذي ستتركه خلفك وتذكر به على الدوام. لذلك لا اظن اجابتك هذه هي ما يتوقعها رفاقي في جوبا، خاصة لفقدان الثقة الذي تعلم في تنفيذ والتزام المؤتمر الوطني باتفاقية السلام الشامل، لذلك اقترح، لمجموعة من الاعتبارات، اسناد مسؤلية ومهمة تنفيذ البرنامج التنموي-الاقتصادي الشامل لحماية الوحدة للامم المتحدة او الاتحاد الافريقي. بدأ التعصب واضحاً في وجهه البشير، ورد قائلاً: انت بتقترح يعني اننا نستسلم ونضحي بسيادة البلد للاجانب! جاء ردي، ياريس مافي حاجة بتمس السيادة في هذا المقترح، وإن بدأ ذلك لك فيمكن التضحية بها لبعض الوقت لحماية وحدة البلد وسيادته الكاملة في المستقبل. واصلت في حديثي ذاكراً بان الطرفين، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، هما من سيحدد مجال اختصاص وحدود عمل هذه الجهة التي ستنفذ البرنامج التنموي، والذي سيكون تحت اشرافك واشراف رئيس الحركة الشعبية. بدأ البشير اكثر تعصباً، متسلطاً في صوته، قائلاً نحن من سننفذ مشروعات التنمية بواسطة الحكومة الاتحادية والحكومة الاقليمية في الجنوب، ومافي كلام تاني. وهكذا اسدل ستار القضية الاولى.
بردة الفعل الغير متوقعة حول محور التنمية لحماية الوحدة من الرئيس البشير، بدات متشككاً سائلاً نفسي، هل استمر في طرح باقي القضيتين ام لا. عموماً، انتقلت للقضية الثانية حول اعادة النظر ومراجعة قسمة الثروة وحصة جنوب السودان من النفط المنتج فيه. وجاء رد الرئيس البشير ليس رافضاً ولا موافقاً على هذا الطلب، وإن لم يعبر تماماً عما كان ينتظره رفاقي في جوبا. حيث ابدى البشير مرونة نسبية في امكانية مراجعة وزياردة المخصصات المالية للجنوب من حصة النفط لتمويل البرنامج التنموي لحماية الوحدة، مع مراعاة المنصرفات الاتحادية، كما قال.
القضية الثالثة التي طرحتها على الرئيس البشير كانت الطلب بمراجعة العلاقة بين الدين والدولة لحفظ وحدة السودان، وما تتضمنه من قضايا المواطنة المتساوية والحقوق الثقافية والاجتماعية وحقوق غير المسلمين. عندها عاد البشير مرة اخرى متحفزاً، بذات التسلط والعصبية السابقة، قائلاً: ان قضية الدين الاسلامي لا تلاعب وتفاوض حولها، وانا افضل ان يذهب الجنوب اذا ما وضع في كفة مع التنازل عن الشريعة في الكفة الاخرى. حاولت المحاججة مذكراً بالتاثير السالب لذلك على المواطنة المتساوية والهوية والثقافات السودانية الاخرى. لكن، كان واضحاً ان الرئيس لم يكن يسمع او يرغب في السماع، فاعاد على مرة اخرى بتسلط اقوى: افضل ان يذهب الجنوب لو كانت المفاضلة هي التضحية بالشريعة. وهكذا، وصلت الى اليقين بانسدال الستارة على كافة ما كان يرجى من مبادرة الفرصة الاخيرة لحماية وحدة السودان.
حملت، بالطبع، اجابات الرئيس ونائبه، البشير وطه، الى جوبا التي كانت قياداتها في ترقب معجزة ما، توفر فرصة اخيرة لحماية السودان واحداً موحداً.
كثيرين من السودانين لا يعلمون عن هذه المبادرات والكل يحلوا له وفق معلوماتة سماعية كانت او مستنقاه من الاعلام الرسمي الذي لا يتوقع أن يولج في مثل هذه القضايا الا باْذن وبمقدار ، كنت وددت لو تتاح لي سانحة لمناقشة هذا في الاعلام الرسمي المرئي وجه لوجه مع الرئيس او نائبة في ذاك الوقت لكن باءت المساعي بالفشل .
ختاماً لا أود ان اجزم القول تاركاً للقاري وللتاريخ الاجابة، لكن صفحة مذكراتي هذه اكدت لي تماماً عدم رغبة واستعداد المؤتمر الوطني والحركة الاسلامية سوياً في قطع كافة حبال الوصال والوحدة، وذلك بهدم أخر فرص حماية السودان من التقسيم. وسيظل السؤال التاريخي، بمسؤلياته المتعددة والممتدة، قائماً، من قسّم السودان؟
أنهي مقالي هذا بما قاله الشاعر .
سراج الدين الوراق .
أصون أديم وجهي عن أناس لقاء الموت عندهم الأديب . ورب الشعر عندهم بغيض ولو اوفي لهم به حبيب“.

مالك عقار آير