خالد فضل

(وقال المهندس موسى عبدالله ابراهيم وزير التخطيط العمراني والمرافق العامة بولاية الجزيرة إنّ المسار لا يعنيه في حاجة وإنّما يهمه الرأي الفني الذي حدده معتمد المحلية , وأضاف أنّ إدارة الري لم تكتب لهم بأنّ الجهة الغربية لن تصلح فنيّا ومضى بقوله إذا كانت تصلح ” المزارعين ما عندي بيهم شغلة “على حد تعبيره )كانت تلك إجابة الوزير المذكور ضمن تحقيق صحفي أنجزه الصحفي محمد عبدالله الزين ونشرته الزميلة (الجريدة ) في يوم الخميس 12أبريل 2018م , ولعل القارئ الكريم بحاجة لفك طلاسم هذا المقتطف الذي صدّرت به مقالي لهذا اليوم , وهوما سأحاول معالجته بإيجاز , وحاصل الحاصل _كما في قول الرائع الراحل حميد_ أنّ هنالك قضية ذات أبعاد إجتماعية خطيرة تحاصر أهلنا في قرية ودنعمان ؛ وهي إحدى أعرق القرى في منطقة ريفي الحوش , وهي مسألة تدلّ دلالة لا تحتمل الشك على المنهج والممارسة الفاسدة التي تطبع أداء سلطة القمع والإستبداد الجاثمة على صدر الوطن منذ ثلاثة عقود , فالقضية في غاية البساطة والوضوح وما كان لها أن تصل إلى هذا الدرك السحيق من التنافر وماينطوي عليه من تهتك للنسيج الإجتماعي في قرية تعتبر أسرة واحدة بروابط الدم وعمق الصلات ؛ لولا سؤ الإدارة وفسادها في ولاية الجزيرة ولولا سمة التعنّت والإنفراد بالرأي والقرار مما يعيشه الناس هناك تحت قبضة الوالي السيد محمد طاهر إيلا , فالخلاف نشب حول مسار طريق يربط القرية بمدينة الحوش بطول لا يتجاوز 5 كلم , وتعود بدايته إلى العام 2011م عندما صدّقت السلطات المحلية يومها على طلب تقدمت به اللجنة الشعبية في القرية لعمل ردمية ترابية حتى تسهل حركة المواطنين بين القرية والحوش خاصة في فترة الخريف , وتمّ بالفعل الشروع في تنفيذ الردمية التي حُددت مساراتها ومسافاتها وتقديراتها المالية وتمّ استخراج الكوروكي وعمل التصميم الهندسي لها بوساطة الهيئة القومية للطرق والجسور , كل تلك الأعمال الفنية والهندسية تمت بوساطة جهات الإختصاص الرسمية في دواوين الدولة , وقام الأهالي بتكوين لجنة منهم للمساهمة والمتابعة في إكمال الطريق والذي لحسن الحظ يسير على آثار ردميات سكة حديد الجزيرة المؤودة , هنالك رواية متداولة أنّ تأسيس مسار السكة الحديد كان بتصميم صلب حيث تم الحفر لعمق معين تم ردمه بالأحجار قبل عمل الردميات الترابية المعروفة في مسارات السكك الحديدية , أيّا كان فإنّ هذا المسار يعتبر نموذجيا للغاية فهو خال تماما من أي عوائق أو موانع طبيعية أو قانونية وهو يربط حوالي 25قرية من قرى المنطقة بمدينة الحوش من جهة وبالطريق القومي مدني الخرطوم من الجهة الأخرى ,  كما أنّه أقصر من  المسار الذي اختاره وحدده معتمد المحلية مما سنأتي له في السياق .

  بدأت اللجنة الأهلية عملها بمباركة تامة من جميع مواطني القرية وبسند وتعميد رسمي من اللجنة الشعبية بالقرية  التي منحت اللجنة صكوك الإعتماد  لدى سلطات المحلية ولدي البنوك لفتح الحسابات المصرفية وتصميم الأختام والورق المروّس ..إلخ من إجراءات روتينية , وبالفعل بدأت اللجنة عملها التطوعي بإقامة (نفرة) وهو المصطلح الذي اتخذه الإنقاذيون تأصيلا على ما يبدو لما تعارف عليه السودانيون من (نفير ) ! تم جمع مبالغ مالية ,أُدع منها 100ألف جنيه في خزانة محلية جنوب الجزيرة كمساهمة أولية  في خطوات  إكمال  الطريق ,وتمّ تسوية المسار بوساطة آليات المحلية وتحت إشرافها الفني والهندسي حتى مدخل القرية من الجهة الشرقية كان ذلك في العام 2015م , والناس في انتظار توالي مراحل العمل وترتفع طموحاتهم لدرجة (الإسفلت) إذ بفئة محددة العدد من أعضاء اللجنة الأهلية وبعض المواطنين يفاجئؤن أهلهم بخطوات (سرية) ومريبة لتغيير المسار الأفضل لما هو أدنى من عدة وجوه يمكن اجمالها في الآتي : أولا , ضرب وحدة المواطنين وتوحدهم ووفاقهم قبل خرق وحدة وانسجام لجنة الطريق نفسها . ثانيا , اختيار مسار وعر تحتوشه الموانع من كل الوجوه ؛فهو أضيق (4م) على الأكثر ,أغلبه يقع على جسر ترعة ري ودنعمان  وبالتالي لا يصلح فنيّا كتأسيس لطريق مسفلت وهو ما أشارت إليه بوضوح شديد خطابات السيد وكيل الري بوزارة الري والموارد المائية الإتحادية والذي أستند في خطاباته إلى وزير التخطيط العمراني  المار ذكره على نصوص قوانين الري في السودان , علما بأنّ المسار الأول يحوز على مطابقته لقوانين ومعايير الري الفنيّة , ضف لذلك وهو الأهم أنّ تغيير المسار يقتضي قضم مساحات شاسعة من حواشات المزارعين على امتداد مساره بما يقدر ب 15 نمرة ؛ مساحة النمرة 90فدان . وهنا مربط الفرس وأصل القضية ومؤئل الخطأ الجسيم والشبهات والشكوك  , فالسيد الوزير ؛ ربما لأنّه من بيئة غير بيئة الجزيرة قد لا يكون ملما بصورة وافية بما تعنيه (الحواشة) للمزارع في أرض الجزيرة , ولأنّه حضر مُعينا في معية إيلا فهو دون شك ابنه المدلل ولذلك لا يرى إلاّ ما يراه واليه ومن والاه من المرؤوسين ! بالنسبة لصاحب هذا القلم , الأولوية والأهمية هي مصالح وتطلعات ورغبات أبناء شعبي في أي بقعة من بقاع السودان الكبير , في شعاب الجبال في البحر الأحمر حيث لا ماء ولا شجر , وفي أعماق الكراكير في جبال النوبة وفي صياصي بيوضة والعتامير وفلوات بحر أبيض وغاب الأزرق الدفاق . مثلما عندي (شغلة ) بشجون وشؤون أهلي المزارعين في الجزيرة , ولأنّ السيد المعتمد ليس بالجهة الفنية التي يعتد بها في شأن يتعلق بحياة وأرزاق وسبل كسب عيش لمواطنين سمحين وزينين وطيبين لكنهم عن حقوقهم غير متنازلين ؛ فإنّ على السيد المهندس موسى أن يعود إلى الحق , ويراجع بريد مكتبه فقد وصلت إليه الرسالة  من وكيل الري رسالة واضحة صريحة  لا ريب في صدقها فنيّا وهندسيا  مفادها (مسار معتمدك لا يصلح), وألاّ يستند على حيطة مايلة اسمها (الرأي الفني للمعتمد), فهو_ أي المعتمد_ ليس محل ثقة لدى المزارعين المتضررين , وهناك شواهد على انحيازه لفئة من ( عندهم قروش كتيرة وراكبين عربات فارهة) أو كما قال في زيارته لودنعمان مبررا سبب تجنبه الحق والمنطق والتاريخ والجغرافيا ومنحازا لضدها , بل تماديه في استفزازهم بوضعهم في الحراسات وسوقهم إلى سوح المحاكم لأنّهم قالوا لا للظلم والإعتداء على حواشاتنا .

  عودا على بدء,   فإنّ نهج الوزير موسى وواليه ومعتمده  ليس غريبا على المتسلطين الذين ترزح بلادنا تحت جبروتهم منذ عقود , ليس لهم شغلة في هموم الناس ومشاكلهم , ولهم العذر على كل حال , فهم لم ينتخبهم أحد ولو خضعوا لذلك المعيار لكان جلّ (الطالعين في الكفر الآن) في قائمة النسيان , ولأنّ الشعب حصيف يعرف (الشغالين) بيهو فسيأتي يوم الخلاص  ممن ابتلى بسطوتهم حينا من الدهر .ولو بعد حين , هذه حتمية التاريخ البشري وسيرة نضال الإنسان عبر الأزمان .