رشا عوض

لا شك في مشروعية ونبل  نضال المهمشين سواء على أساس عرقي أو نوعي أو عمري  في سبيل تحقيق العدالة، ولكن المسعى لنصرة أي قضية يتطلب رؤية تتسم بالشمول والإحاطة والبعد عن التبسيط واختزال الصراع الاجتماعي في خطاب احتجاجي مغلق وثنائيات متضادة، فأحدث ما توصل إليه  التطور في الفلسفة وعلوم الاجتماع المعاصرة هو تجاوز”الثنائيات” إلى التعددية التي باتت سمة أي تداول عقلاني لإشكالات الاجتماع البشري وهي إشكالات ذات طابع مركب في الغالب.

في هذه السطور أقدم نماذج لقضايا حية في المجتمع السوداني أخشى أن تهزمها “التعبئة التبسيطية” رغم عدالتها!

المرأة

مناصرة قضية المرأة لا تعني الاعتقاد بإمكانية تخندق كل النساء  في حزب واحد! أو افتراض أن تولي النساء للقيادة سيحل مشاكل المرأة وتبعا لذلك مشاكل العالم كله بصرف النظر عن تأهيل من يتقدمن للقيادة!

النساء لسن كتلة صماء، بل متعددات ومنقسمات على أسس إثنية ودينية وفكرية وسياسية وطبقية وحتى تجاه قضية المساواة النوعية هناك نساء متبنيات للثقافة الذكورية بصورة أشرس من الرجال أنفسهم!

نعم للوعي بأن هناك مظالم وتهميش اجتماعي سياسي اقتصادي مركب واقع على النساء لمجرد كونهن نساء، وهذا التهميش الظالم مسنود بثقافة ذكورية متجذرة في مختلف المجتمعات لا بد من التصدي الحاسم لها بهزيمة المفاهيم والأساطير المؤسسة لها، وبتكريس سياسات العدالة النوعية بشكل منهجي ومؤسسي  في مختلف مجالات الحياة، ولكن النجاح في ذلك رهين لطبيعة السياق الفكري الذي تتم فيه هذه المعالجة! إذ لا نجاح يمكن تحقيقه إلا إذا كان السياق منفتحا وإنسانيا، ويجعل  الكفاح من أجل حقوق المرأة جزء من معادلة نهضة المجتمع ككل، وتأسيسا على ذلك يكون خطاب تحرير المرأة موجها لكل المجتمع برجاله ونسائه، وتبعا لذلك فإن أعداء هذا المشروع هم من يسعون لتكريس “الثقافة الذكورية” ويعارضون سياسات تمكين المرأة من الرجال والنساء على حد سواء،  أما إذا اختزلنا الموضوع في حرب بين “مطلق امرأة” و”مطلق رجل” فإن ذلك لا يعدو ان يكون “غرقا في شبر ماء”!

العالم “ذكوري بامتياز” وسيظل كذلك إلى حين إشعار آخر! إنني كامرأة أحلم بأن يستعيد العالم توازنه عبر اكتساب أنوثته التي غيَّبتها “الثقافة الذكورية” قسرا، وذلك بأن حوَّلت “الانحيازات الذكورية الذاتية جدا” إلى “قوانين موضوعية” لإدارة الحياة! في حين أن تلك القوانين لن تكون موضوعية بحق إلا إذا استوعبت تجارب وخبرات “الذات الأنثوية” كجزء أصيل من المعرفة الإنسانية!

ولكن كيف يتم ذلك؟

حتما لن يتم بحشد النساء كيفما اتفق وتزيين مؤسسات الحكم والإدارة”الذكورية” بحضورهن الخاوي من المضمون والاتكاء الكسول على فكرة ان التراكم الكمي سيؤدي إلى تحول كيفي تلقائيا دونما اي مجهود!

لا بد أن يكون في القلب من مشروع تمكين المرأة العمل المنهجي على إزالة حواجز الترقي من أمام النساء، وفي ذات الوقت تدريبهن على الصبر والمثابرة في مجال حيازة أدوات التغيير السياسي والاقتصادي والتواطؤ بين المؤسسات السياسية والمدنية على تقديم النموذج النسوي الناجح والقادر على تقديم “قيمة مضافة”.

 

الشباب

شيخوخة الحياة السياسية في عوالمنا وتشبث الكبار الفاشلين بالقيادة يجعل التطلع لتعزيز أدوار الشباب في المجتمع مشروعا بل واجبا! لا سيما وأن الشباب بحكم أعمارهم هم من سيرثون المستقبل وبالتالي سيحصدون نتائج الخيارات السياسية والاقتصادية والتنموية والبيئية  للحاضر، فمن العدالة والموضوعية أن يكونوا طرفا أصيلا ومشاركا في دفة القيادة ومواقع صنع القرار، ومن مؤشرات حيوية المجتمعات وتطورها السياسي والتنموي مدى مشاركة الشباب  في المواقع القيادية.

ولكن افتراض أن مفتاح حل معضلات التخلف المزمنة في مجتمعاتنا رهين لمجرد تولي الشباب للقيادة لا يعدو ان يكون “غرقا في شبر ماء”! فالانعتاق من إسار التخلف يحتاج إلى عقول منتجة  للرؤى الفكرية المستنيرة والبرامج السياسية والاقتصادية والتنموية الناضجة والملائمة للنهوض بالمجتمع ، كما يتطلب انحيازات حاسمة لمبادئ الحكم الراشد والسلام والديمقراطية مع القدرة على توطينها في بيئة ثقافية اجتماعية غير ملائمة، وكل ذلك يحتاج إلى التدقيق في المؤهلات الفكرية والسياسية والأخلاقية وليس فقط في تاريخ الميلاد!

فما الذي يمكن ان يضيفه لتقدم المجتمع شباب منغمس في التطرف والأفكار الماضوية وسائر في طريق داعش أو طالبان أو القاعدة؟ ما الذي يرتجى من شباب غارق في ثقافة التسلية والشره الاستهلاكي والأنانية ومنعزل تماما عن مجتمعه وهائم على وجهه في العالم الافتراضي؟

الرهان على الشباب ليس مجرد افتراض ان “مطلق شاب” له مقدرات خارقة لإحداث التغيير الإيجابي في المجتمع، بل إن هذا الرهان يستوجب استثمارا جديا في الشباب لتأهيلهم للقيادة ابتداء من إصلاح التعليم في جميع مراحله وصولا إلى إنشاء مؤسسات متخصصة في رفد المجتمع بالقيادات الشابة المؤهلة بعلوم وفنون ومهارات القيادة وإدارة العمل العام بأقصى درجات الكفاءة.

المهمشون على أساس عرقي

إذا أردنا فتح صفحة جديدة في تاريخ السودان عناوينها السلام المستدام والديمقراطية والتنمية المتوازنة فلا بد من اجتياز ناجح  لامتحان “الاعتراف والتصحيح” فيما يتعلق بعلاقة المركز والهامش، الاعتراف بالتهميش السياسي والاقتصادي والتنموي والثقافي المقترن بنظرة استعلاء عرقي موروثة من عهود الرق جعلت التراتبية الاجتماعية في السودان تقاس بمدى القرب عرقيا وثقافيا  من “الإثنية العربية” والبعد عرقيا وثقافيا عن”الزنوجة”، والانتماء الجهوي للشمال والوسط، وبعد الاعتراف السعي جديا لتصحيح هذه الوضعية المأزومة بحزمة من التدابير السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والتربوية والإعلامية التي تحل “عقدة الهوية” و تكرس للمساواة بين كل السودانيين على أساس المواطنة في سياق مشروع وطني ديمقراطي تعددي يهزم  المشروع الدكتاتوري الأحادي الإقصائي الذي بلغ ذروته في السودان بسيطرة نظام “الإنقاذ” على السلطة عام 1989، ومشروع الإنقاذ الأحادي المنغلق العنصري  لا يمكن هزيمته انطلاقا من مشروع أحادي ومنغلق صادر عن عنصرية مضادة!  لأن مثل هذا المشروع سيكون غارقا في هو الآخر في “شبر ماء” اسمه “الاصطفاف السياسي على أساس عرقي” وانطلاقا من ذلك سيقع في أخطاء قاتلة على رأسها تعريف الحلفاء والأعداء على أساس الانتماء العرقي! وليس التصنيف الفكري والسياسي والموقع الفعلي للأفراد في خارطة الانحيازات الاجتماعية، فالهامش السوداني نفسه ليس كتلة صماء مؤمنة عن بكرة أبيها بالثورة على “المركز”! بل إن هذا الهامش متعدد قبليا وفكريا وسياسيا ونخبه السياسية متعددة التوجهات والانتماءات والانحيازات لدرجة ان بعضها منخرط في نظام الإنقاذ وجزء لا يتجزأ من ماكينة القهر والفساد المسلطة ضد كل الشعب السوداني عموما وضد الهامش بشكل خاص، والمركز كذلك ليس كتلة صماء منحازة للدكتاتورية ومباركة للتهميش والاستعلاء العرقي، بل هناك تيارات ديمقراطية في الشمال والوسط لها رموزها من السياسيين والكتاب والأكاديميين الذين بذلوا جهدا بحثيا في تعرية المظالم الواقعة على الهامش وفضح علاقات الاستغلال واللامساواة في الدولة السودانية المستقلة ووضعوا على المستوى النظري حلولا لمعالجة هذا الخلل، وبالتالي فإن المشروع المؤهل للعبور بالسودان إلى الأمام هو ما يجمع السودانيين على اختلاف انتماءاتهم العرقية والدينية والثقافية والجهوية حول رؤية فكرية ذات برنامج سياسي اقتصادي تنموي مؤهل لتحقيق اختراق تاريخي يعالج الخلل الهيكلي في الدولة السودانية لصالح “المهمشين” بمن فيهم مهمشي الشمال والوسط، ولا بد ان تكون مخاطبة مشكلة العنصرية وتعميق الثقافة الاعتذارية في الشمال والوسط  عن المظالم التاريخية والمعاصرة جزء أصيلا من هذا المشروع المؤهل لهزيمة مشروع الإنقاذ التفكيكي الذي يهدف لتقسيم السودانيين عرقيا ودينيا وجهويا لكي يبدد طاقاتهم في صراعات ثانوية بعيدة عن تهديد سلطته الغاشمة.

الوصول إلى المشروع الوطني الذي يوحد كفاح المركز والهامش من أجل سودان ديمقراطي تعددي متوازن تنمويا ليس بالأمر السهل وله استحقاقات لا بد من مناقشتها بشفافية في المركز وفي الهامش كذلك، سوف أفرد للتسليط الضوء على ذلك مقالة الأسبوع القادم” توحيد كفاح الهامش والمركز: تحالف الناقدين”