الباقر العفيف

تكاثرت الدعوات، في الآونة الأخيرة، التي تحض أحزاب المعارضة الرئيسية على تبني فكرة خوض الانتخابات كوسيلة وحيدة أو أساسية للتغيير، والتخلي عن فكرة التغيير بواسطة الكفاح المسلح والانتفاضة الشعبية (محمية أو غير محمية). ودعا البعض للاتفاق على مرشح واحد لينافس البشير على الرئاسة في انتخابات ٢٠٢٠. وبالرغم عن أن مسألة المشاركة في الانتخابات ظلت مادة يتداولها الفاعلون في المسرح السياسي منذ أعوام، إلا أنها اكتسبت قوة دفع كبيرة بالمقال الرصين الذي كتبه السر سيد أحمد، وأيده وتبناه وبنى عليه النور حمد. وتدافع عدد من الكتاب في هذا الاتجاه حتى تزاحموا بالمناكب، وظهر منهم من زعم حيازة قصب السبق أو الملكية الفكرية لهذه الفكرة التي بدت فجأة وكأنها الحجر الذي رفضه البناؤون والذي سوف يصبح رأس الزاوية.

وضمن الذين طرحوا الفكرة إلى جانب السر سيد أحمد والنور حمد، الناقد المسرحي السر السيد، وشمس الدين ضَوَّ البيت وسيف الدولة حمدنالله، والأستاذ محمد بشير المعروف باسم القلم (عبد العزيز حسين الصاوي) وصديق محيسي والفاضل عباس والطيب زين العابدين.

أما في جانب التنظيمات طرحت الحركة الشعبية فكرة المشاركة الانتخابية في ورقة ممهورة بتوقيع رئيسها مالك عقار، ونبهنا صديق محيسي إلى أن حركة حق “الممثلة في قوى الاجماع” طرحت الفكرة قبل ذلك. وتراود الفكرة المؤتمر السوداني، في حين حزم عادل عبد العاطي أمره عمليا بإعلان ترشحه.

المجموعة الإطارية

كذلك انعقدت جلسة طويلة لمناقشة جدوى المشاركة والمقاطعة في الاجتماع الأخير للمجموعة الإطارية Framework Group  بداية هذا العام. والمجموعة الإطارية تضم مجموعة من النشطاء السودانيين وغير السودانيين ممن لهم معرفة واهتمام بالشؤون السودانية. قدم اثنان من المشاركين مداخلتين، أولهما تورد الحجج الداعمة لجدوى المشاركة والأخرى تورد الحجج الداعمة للمقاطعة. وسوف أستعرض خلاصة ذلك الحوار فيما يلي من حلقات.

التأسيس على الياس وسياسة القنوط والخوف

اللافت للنظر أن هذه الدعوات للمشاركة في الانتخابات تسير بيننا بساقين من يأس وخوف وبينهما بعض رجاء. فهي تغرس إحدى رجليها في أرض اليأس اليباب من إمكانية تحقيق تغيير سياسي عن طريق العمل المسلح أو الثورة الشعبية. وتغرس الأخرى في أرض الخوف المزلزل من استرخاص رجال الإنقاذ للحياة الإنسانية، واستسهالهم القتل، واستحلالهم الدماء والأعراض. وهناك بعد آخر للخوف وهو احتمال انزلاق البلد في الفوضى والعنف والدمار مثلما نشهده في سوريا وليبيا واليمن. وأخيرا تسير هذه الدعوات على هدى ضوء خافت من أمل عسى أن يؤدي هذا إلى مخرج آمن للبلاد والعباد ولو بعد حين.

أسباب موضوعية

وبالتأكيد هناك أسباب موضوعية حقيقية لهذه الحالة العقلية التي تفترشها هذه الدعوات. فقد جاءت الإنقاذ وجيلنا في شرخ الشباب. وبعد ما يقارب الثلاثين عاما (من النضال)، “هرمنا” نحن وهي ما تزال هناك. انطوت صفحة كاملة من السودان الذي نعرفه، وغادر الدنيا أو تهيأ لمغادرتها جيل كامل تقريبا. رحل نقد والتيجاني الطيب، ورحلت فاطمة وسعاد أحمد.. ورحل الطيب صالح والفيتوري، ورحل وردي وزيدان.. ورحل طه جربوع ومحسي وعبد اللطيف عمر وغيرهم كثيرون. هذا غير الذين انقصفت أعمارهم بسبب المرض العضال والحوادث الفاجعة مثل الخاتم عدلان وبشير بكار، ومصطفى سيد أحمد وحميد ومحجوب شريف وأبو بكر الأمين.

الآن أصبح جيلنا في وش المدفع ولا ندري أتصرعنا الإنقاذ أم نصرعها. فالشاهد أن الإنقاذ شارفت الثلاثين من عمرها، و”طال الدين على العابدين” كما يقول الصوفية. استيأس رسل النضال، ودب القنوط في النفوس، وبدأ يعمل عمله في “نقض العزائم وصرف الهمم”.

ولأجل تحويل هذا القنوط إلى أمل دعا السر سيد أحمد المعارضة لتجريب الانتخابات كأداة نضال جديدة ضد الإنقاذ. وبالرغم عن أنه لم يدعُ صراحة إلى طرح الأساليب الأخرى جانبا طرح النواة، إلا أن ذلك “الطرح” كامن في رؤيته. وقد أبرزه النور الذي دعا لبارادايم جديد يغادر محطة إسقاط النظام التي طال الوقوف عندها، والانعتاق من أسر الشعار الذي أثبتت الثلاثون الطوال أنه مجرد “تفكير رغبوي”، يمثل حالة نوستالجيا و”انحباس رومانتيكي” في الماضي.  وعضده في هذا صديق محيسي الذي أكد أن المعارضة كانت طوال عمرها تكافح بالشعار الذي لا يسنده فعل على الأرض، وهذا مما يدخل في باب الأمنيات العاطلة التي يسميها علم النفس “التفكير الرغائبي”. أما الفاضل عباس فيسميها “أحلام ظلوط”.

وبالإضافة إلى اليأس من إمكانية إحداث التغيير، هناك الخوف من ردة فعل النظام، ليس على العمل المسلح وحسب، بل حتى على المظاهرات المنضبطة المتحضرة التي تسير في الشوارع وهي تردد “سلمية سلمية”. فوفق السر سيد أحمد، أن المنازلة عن طريق الانتخابات، توفر على الناس “التعرض للغاز والضرب بالهراوات إلى الاعتقال وربما التعرض لإطلاق الرصاص”. أما النور حمد فيحذرنا أن الأنظمة الشمولية لا يهمها الخوض في دماء شعوبها، كما لم يعد العالم يهتم.. فعملية تطبيع القتل بالجملة تسير على قدم وساق، تساعدها وسائل الاتصال المتطورة التي جعلت الناس يطلون على منظر الجثث المطمورة في الأنقاض، وتلك التي تجرفها الأمواج، ليس من غرف نومهم وحسب، بل أيضا من خلال أجهزة يحملونها في جيوبهم، يشخطونها بأصابعهم وهم وقوف، قعود، أو مضطجعون على جنوبهم.

وبطبيعة الحال هذا أمر صحيح يعضده ما حدث في سبتمبر ٢٠١٣. فالنظام لم يتردد في الخوض في دماء المتظاهرين العزل لكي ما يبقى في السلطة. وأهل النظام، قبل ذلك وبعده، سفكوا دماء أهل دارفور بلا رحمة، وما زالوا يعاقبون القبائل الأفريقية، على تمرد أبنائها، بوضعهم تحت رحمة الجنجويد يستبيحون دماءهم وأعراضهم وكرامتهم البشرية.. وما فعلوه بأهل قرية أرتالا ليس ببعيد، حيث شهدناهم يبطحون الرجال على بطونهم، أمام نسائهم وأطفالهم، ويشبعونهم جلدا بالسياط، حتى يطلق الواحد منهم رجليه للريح، “مخلفا إنسانيته وراءه” كما عَبَّرت إحدى الكاتبات، وأعتذر لها عن تضييعي اسمها، وأرجو أن يغفر لي عندها كون تعبيرها الدقيق التصق بذهني. وحال أرتالا هو مآلنا جميعا. فليس ببعيد أن يجئ علينا وقت قريب، تبطحنا فيه مليشيات حميدتي على بطوننا، في شوارع الخرطوم، ومدني، وعطبرة، وكسلا، والقضارف، وبورتسودان، والحصاحيصا، وحوش أبَّكُر، وحلة حمد وتجلدنا على ظهورنا وأصلابنا، حتى نطلق سوقنا للريح.. وحتى يلق الفرد منا أخاه فيقول له “أنج سعد فقد بُطِح سعيد”. فما العمل إذن؟ وكيف الدبارة؟

هل هي دعوة للاستسلام؟

إذا حاصرتك عصابة من جميع الجهات ووجهت البندقية نحو رأسك، ثم فتحت لك كوة في جدار، وطريق آمن، وأشارت لك بسلوكه فماذا تفعل؟ هل عندك خيار آخر؟ إذن لا بد من الخروج من المأزق باستخدام الكوة، اللهم إلا إذا كنت راغبا في الموت. أما في حالتنا، فإذا أتاحت لنا الإنقاذ، من سعة فضلها وكرمها الفياض، مخرجا ننازلها به، يحفظ لنا حياتنا، وبعض ماء وجهنا، فلماذا لا نسلكه ونوفر على أنفسنا هذا المصير المفزع.  لوكان الأمر على هذا النحو، فهو سيبدو وكأنه دعوة للاستسلام.

فهل هذا ما يقوله السر سيد أحمد والنور حمد وصديق محيسي وغيرهم؟ دعونا نرى.

يقول النور: “ويمكن القول وبثقة كبيرة أن خوض الانتخابات، أضحى من الناحية الواقعية، الخيار الوحيد المتبقي لمخرج آمن. فحين يتعذر الخروج من باب ما، لحظة الحريق، فمن الحكمة البحث عن باب آخر، بدل إضاعة الوقت والجهد في محاولة فتح الباب، الذي وضح جليا، أنه صعب الفتح، أو غير قابل للفتح أصلا”.

أما السر سيد أحمد فيدعو لخوض الانتخابات “مهما سعى النظام للحفاظ على الأوضاع الحالية من خلال التزوير والتضييق على المرشحين والسيطرة على الإعلام”.. ويقول في موقع آخر “رغم الحديث المتكرر عن عدم ملاءمة البيئة الحالية لانتخابات تعددية حقيقية مثل القوانين المقيدة للحريات وسيطرة المؤتمر الوطني على مفاصل الدولة، إلا أن عمليات التحول إلى تعددية برلمانية حقيقية من خلال الانتخابات واقع أثبته ما حدث في كينيا وغانا وقامبيا والسنغال والفلبين”. سنرجئ الحديث عن نماذج الدول التي أوردها في حلقات لاحقة، ولكن دعونا نركز هنا على إعفاء الإنقاذ من القيام بأي مجهود لتوفير بيئة ملائمة. 

إذن نحن مدعوون لأن ننزل عند خطة الإنقاذ ونخوض انتخاباتها بشروطها، دون أن تتنازل هي، قيد أنملة، في اتاحة الحريات التي تطالب بها المعارضة. فما فعلته الإنقاذ، ببساطة، هو أنها ألقت بعظمة بالية للمعارضة على الأرض وقالت لها “هذا نصيبك عندي. خذيه أو اتركيه”. Take it or leave it. فالإنقاذ حّضَّرت الملعب ومضمار السباق، وصاغت قوانين اللعبة، ثم دعت المعارضة لتسابقها بعد أن كبَّلتها بالجنازير، ودَقَّت لها “قيد حمامة”. وللذين لا يعرفون ماهية “قيد حمامة” هو قيد يضعه السجانون على أقدام المساجين عقابا على الخروج على قوانين السجن، فيجعل مشيتهم أشبه بمشي الحمام. فإن رضخت المعارضة للقوانين المجحفة ودخلت المضمار، لكي ما تسابق الإنقاذ وهي “تقدل” بقيد حمامتها، فماذا يمكن أن نسمي فعلها هذا إن لم يكن استسلاما؟

الدولة الزبائنية

ظلت الإنقاذ في حالة حرب مع الشعب، ممثلين في قادة المعارضة، أو قل، درءاً للمغالطة، مع الشعب وقادة المعارضة، منذ أن جاءت وحتى هذه اللحظة، تحارب بيد وتلتقط المتساقطين من شجرة النضال، كالثمار الناضجة، وتضعهم في سلتها باليد الأخرى. هؤلاء اسمتهم المتوالين. وفي هذه الأثناء أكملت بناء دولتها الزبائنية clientelist state لتستوعب فيها هؤلاء المتوالين. والدولة الزبائنية هي تلك التي تحتكر فيها الطبقة الحاكمة جميع المصادر والحقوق والمزايا.. فهي تمثل التاجر الكبير الذي يحتكر السوق، وتجعل من منافسيها زبائن لها توزع عليهم ما تُخرجه من زكاة.. يقوم كل واحد من هؤلاء الزبائن بالاحتفاظ لنفسه بالقسم الأكبر من نصيبه من الزكاة، ثم يُخرِج زكاته هو الآخر لمن دونه من الزبائن الصغار.. وهكذا تفتَح الطبقة الحاكمة نَفَّاجا في جدار دولتها يُمَكِن من خلاله للزبائن الكبار “المتاوقة” للمصادر المحتكرة بواسطة التاجر الكبير. وبطبيعة الحال كلما أخلص الزبون النية، والتزم التزاما صارما بقوانين اللعبة، يُعْطَى من الفضل ويُزَاد. وبذلك تتحول المنافسة لتصبح منافسة فيما بين الزبائن على كسب رِضَى التاجر الكبير، وليست بينهم جميعا وبينه. وهكذا تكتب الدولة الزبائنية لنفسها الديمومة. ولكنها في الوقت ذاته تعمل معولها في المجتمع هدما، فتدمر الاقتصاد، والقيم، والأخلاق، وإنسانية الإنسان.  

هذا المنحى، أو هذه المعالجة، process   هو/هي ما وصفه سيف الدولة حمدنالله بقوله: “انتظر الشعب التغيير ٢٨ عاما ثم اكتشفنا في النهاية أن الكثير من قيادات تلك الأحزاب قد خدعونا وألبسونا السلطانية، ثم تسللوا واحدا بعد الآخر ووضعوا أيديهم فوق أيدي جلادينا، وتركونا نلف وندور حول أنفسنا”. والسؤال هنا هل هي مجرد خديعة؟ أم أنها تعبير عن حالة إنسانية لازمت صراعات البشر منذ الأزل. فمثلما شهد العالم استرقاق المهزوم، شهد كذلك نظرية الانضمام للقاهر، والمُعَبَّر عنها بالمقولة المعروفة “إن لم تقدر عليهم فانضم لهم” if you can’t defeat them, join them... فالحقيقة الناصعة هي أن من دخل مع الإنقاذ، إنما دخل بناء على هذا المفهوم. فالواحد منهم في أحسن الحالات شاويش، وجندي نفر، تحت الضباط الإنقاذيين الكبار. دخل من دخل وهو يعلم إنه إنما يتعاقد مع دولتها الزبائنية، وأنه ليس له من سلطة أو تأثير مهما قَلَّ أو حَقُر. وأن دوره المُقَدَّر له لعبه هو الانهماك في التقاط الفتات الذي يخدم به مصلحته الشخصية ومصلحة من دونه من الناس. هذا هو الحبل السري “العلني” الذي يربطه بالسلطة. واستمرارية هذا الحبل في ضخ ماء الحياة في عروقه تعتمد اعتمادا كاملا على الدرجة التي يظهر بها ولاءه للتاجر الكبير، صاحب الفضل، وتفانيه في خدمته. والآن ربما نستطيع أن نفهم لماذا جاء ترشيح البشير للدورة الانتخابية القادمة من أحزاب الحوار، ولم يجئ من حزبه هو؟!!

فبنفس هذا الفهم الزبائني تعاملت الإنقاذ مع اتفاقية السلام الشامل، وأفشلتها، ومع بقية الاتفاقيات التي انبثقت منها وتعلقت بها، وانتهت بقادتها إلى عالم القصور والرياش والحريم، بينما أهل قراهم الذين جمعوا لهم كل ما عندهم من مال ورجاء، و”أرسلوهم ليأتوا لهم بالطعام”، على حد قول المعلم نيريري، ما زالوا ينتظرون، ببطون خاوية، وأفئدة أفرغ من فؤاد أم موسى. وبهذا الفهم ذاته بادرت الإنقاذ بالحوار الوطني ودخلت في مسيرة الدوحة.

فإذا علمنا طبيعة النظام على النحو الذي فَصَّلنا، يبقى السؤال هو: هل يمكن أن تقود الانتخابات في ظل الدولة الزبائنية إلى أي تغيير نحو الديمقراطية؟ هذا ما سوف نناقشه في الحلقة أو الحلقات القادمة.