التغيير: الخرطوم

تبدو سوسن عبد الرحمن الطالبة في المرحلة الثانوية والتي تستعد للجلوس لأداء امتحان مادة الكيمياء مرة اخري-  بعد قرار السلطات المسؤولة بإعادة الامتحان في أعقاب تسريبه – غير واثقة ومطمئنة بأنها ستنجح في الامتحان. 

وقالت “للتغيير الالكترونية” وهي تراجع المادة في احدي المكتبات العامة انها لم تعد تشعر بالرغبة في الدراسة بعد ان فقدت الثقة في الامتحانات كلها.  
وأضافت ” ما افعله الان هو اداء واجب فقط وحتي لا أزعل اسرتي .. ولكنني أراجع الدروس الان ولا اثق في النتائج التي سأحصل عليها.. كنت متحمسة وامتحنت بشكل جيد وبعد ان عرفنا انه تم كشف الامتحان لآخرين لم أعد مهتمة لان المنافسة العادلة قد انتفت في نظام الامتحانات كله”. 
وظلت وزارة التعليم السودانية تنكر وتنفي الأخبار المتواترة بتسريب عدد من الامتحانات  وتشمل اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات والكيمياء التي جلس لها اكثر من نصف مليون طالب مؤخرا. ولكنها عادت واعترفت بتسرب مادة الكيمياء فقط بعد ان انتشرت وبشكل مكثف على وسائل التواصل الاجتماعي الاسئلة المسربة والتي تطابقت مع التي وجدها الطلاب في كراسة الامتحان. وقررت ان يمتحن اكثر من 180 الف طالب وطالبة مرة اخرى هذه المادة يوم الثلاثاء 17 من شهر ابريل الجاري. 
والملاحظة التي لا يمكن تجاهلها ان تسريب الامتحانات – بحسب الوزارة – تم عبر جهات منظمة ومنسقة ما حدا برئاسة الجمهورية بالتدخل وتشكيل لجنة لتقصي الحقائق مكونة من النائب العام وممثلين لاجهزة الامن والاستخبارات والشرطة وغيرها من الجهات ذات الصِّلة. 
ويعد هذا تطور كبير ومذهل في عمليات الغش في امتحانات الشهادة السودانية والتي كانت معروفة الي عهد قريب  ” بالبخرة” وهي وسائل غير شرعية يلجأ اليها بعض التلاميذ للحصول على الاجابات. 
ويقوم نظام ” البخرة” علي كتابة بعض الاجابات لأسئلة متوقعة في بعض اجزاء الجسم مثل الذراع او الكف او اسفل القدم، ومع ظهور ماكينات النسخ أصبحت ” البخرات” تطبع وتنسخ بخط صغير جدا بحيث تتمكن قصاصة صغيرة من الورق بحمل اكبر عدد من الاجابات، وتخفي هذه القصاصات تحت الملابس ويتم الاستعانة بها باختلاس النظر داخل حجرة الامتحان ، وعندما يصبح الامر عسيرا قد يستأذن الطالب للذهاب الي دورة المياه وحينها يستطيع قراءة الاجابات بشكل مريح. 
ولكن في السنوات الاخيرة ، تحول الغش من نظام ” البخرات” الي ما يشبه الجريمة المنظمة التي يديرها منتفعون ونافذون لتحقيق الربح المادي وممارسة الابتزاز. 
ففي العام الماضي، القت السلطات القبض علي مجموعة من الاشخاص  السودانيين والأجانب قامت بتسريب الامتحانات لعدد من الطلاب من دولتي مصر والأردن والذين امتحنوا من الخرطوم. وداهمت قوة أمنية احدى الشقق السكنية ووجدت عددا من أوراق الامتحانات وأسئلة متوقعة، ولكن لم تكشف السلطات عن فحوي التحقيقات بعد تدخل وزيرة الضمان المصرية التي جاءت ومكثت في الخرطوم لثلاثة ايام لإطلاق سراح الطلاب المصريين المعتقلين والذين تقدر أعدادهم بنحو 150 طالبا. 
وطبقا للمعلومات التي تحصلت عليها ” التغيير الالكترونية” فان مسربي الامتحانات يستخدمون اجهزة الكترونية  حديثة يتم بها اختراق غرف الكنترول عبر وسيط يعمل بها، ومن ثم يتم نقل وارسال الأسئلة لمن يرغب في شراءها. 
ويبلغ سعر السؤال الواحد احيانا الف جنيه ويزيد في بعض الأحوال بحسب الشاري سواء كان نافذا في الحكومة او رجل اعمال او طالب اجنبي لديه قدرة مالية. 
ولمواجهة هذه التطورات لجأت وزارة التربية والتعليم  خلال السنتين الماضيتين الى استخدام نظام الرقابة الالكترونية لمنع تسرب الامتحانات بعد ان دربت بعض المعلمين على هذا الامر. لكن هذه الوسائل لم تمنع تسريب الامتحانات هذا العام والذي تكرر في اكثر من مادة غير ان الوزارة اعترفت بتسرب مادة الكيمياء فقط وقررت إعادته. 
وتري الاستاذة نعمات عبد الرازق التي كشفت امر تسرب امتحان الكيمياء ان قضية تسرب الامتحانات اصبح مقلقا لجميع التربويين خاصة وانه في حال استمراره سيؤثر بشكل سلبي على سمعة الشهادة السودانية المعروفة بنزاهتها وصدقيتها العالية.  
وقالت ان “التسريب سيخلق الشك والريبة وسيعكس إيضا نوعا من انعدام المنافسة الشريفة وسط الطلاب”. 
واقترحت ان يتم عقد الامتحانات عبر شبكة الكترونية  محكمة ومحمية لمنع التسريب. واضافت انه في حال تعذر تطبيق هذا الحل في ظل عدم وجود خدمة الانترنت في بعض الولايات فانه من الأفضل ان تعقد كل ولاية امتحاناتها بنفسها ” لحصر النطاق ولتقليل حجم التسريب وتفاديه سريعا” كما يحدث في بعض الدول الاخري.  
ولا تقتصر الاثار السالبة من تسريب الامتحانات علي سمعة الشهادة السودانية فقط بل تتعداها الي خسائر مادية كبيرة. ويقول مسؤولون في وزارة التعليم ان تكلفة اعادة امتحان الكيمياء  من طباعة وتوزيع ومراقَبة وتجهيز مراكز ستصل الي 100 مليار جنيه، هذا فضلا عن الاثار النفسية السيئة التي تنتاب الطلاب الممتحنين كما في حالة سوسن التي فقدت الثقة تماما في نظام الامتحانات.