د. النور حمد
لقد أحدثت المقالات التي تفضل بكتابتها الأستاذ السر سيد أحمد، إضافة إلى ما كتبْتُه، من تفريعات، في تعضيد طرحه، حراكا ملفتا. وهذا، في حد ذاته، أمر يثلج الصدر. فما نحتاجه في هذه المرحلة الدقيقة، بالغة التعقيد، هو الحوار الهادئ، والخروج من سجن الخطاب القديم، المتكلس، المعاد، المنحبس في تُهم السدانة، ونقص الوطنية، أو انعدامها.

لقد تواترت التعقيبات على ما كتبنا، من عدد من الكتاب، ونحن سعداء بكل ما كتبوا، سواء كان اعتراضا، أو تعضيدا. ولا مجال، الآن، للتعقيب على ما طرحه كل الذين كتبوا، فردا، فردا. غير أن من الممكن مناقشة جوهر اعتراضات من اعترضوا، ولكن، بصورة عامة. وهي اعتراضات كانت إثارتها متوقعة لدينا. ولقد كانت الاعتراضات، في جملتها، مفيدة بالنسبة لي، فقد جعلتني أقف على مدى حجية ما أقول به، بإزاء حجية ما يقول به الآخرون. وعمومًا، فإن كل ما جرت كتابته، يعين على مزيد من التفكير، ومزيد من ضبط التفكير. كما يعين، كذلك، على تقديم المزيد من الإيضاح للحجج.
من يتحدثون عن قيام أكتوبر أخرى، أو أبريل أخرى، مطالبون بتحديد وتوصيف القوى التي سوف تنجز هذه الثورة المرتقبة. فمطالبتنا الرئيسة، لمن يعترضون علينا، تتلخص في أن يقرؤوا الواقع، بعيدا عن الرغبات التي ليست لها أرجل. إن أكبر أحزابنا جماهيرية، وفقًا لآخر انتخابات ديمقراطية، وهي التي جرت في عام 1986، هما حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي. تليهما، الجبهة القومية الإسلامية. وبناء على ذلك، فإن المستودعان اللذان يمكن أن يوفرا قوة جماهيرية تدعم حراك الشارع وثورته، لهما حزب الأمة والحزب الاتحادي. لكن، هذان المستودعان لا يسيران، من الناحية العملية، الواقعية، في طريق الثورة الشعبية. وهذا ما أثبتته تجربة المعارضة عبر التسع وعشرين عاما الماضية. فالاتحادي بقيادة الميرغني، شريك في الحكم. فأي ثورة تُنتظر من شريكٍ في الحكم؟ أما حزب الأمة فشظاياه العديدة بقيت شريكة في الحكم، بصور مختلفة، في فترات مختلفة، ولا تزال. أما القسم الأكبر من حزب الأمة، الذي بقي خارج منظومة الحكم، وهو الذي يتزعمه السيد الصادق المهدي، فإنه لم يُخرج مظاهرة جماهيرية واحدة، يعتد بها، عبر التسع وعشرين سنة الماضية. لم تخرج جماهير حزب الأمة، بوزنها الذي نعرفه، حتى في انتفاضة سبتمبر 2013 التي قضى فيها المئات من الشباب. أيضا، لم تخرج جماهير حزب الأمة، بوزنها الذي نعرفه، في التظاهرات الأخيرة، رغم تولي السيد الصادق المهدي، شخصيا، الإعداد لها، مع حلفائه من بقية الأحزاب. فقد كانت التظاهرات، شديدة الهزال، وماتت في مهدها.
إذن، ماذا تبقى من الجماهير التي يمكن أن تقود الثورة الشعبية المنتظرة؟ بقي الحزب الشيوعي، وحزب المؤتمر السوداني، وحزب البعث، والحزب الناصري، والحزب الجمهوري، وغيرها من الأحزاب الصغيرة. ولا مراء البتة في أن الأحزاب العقائدية اليسارية، وخاصة الحزب الشيوعي السوداني، كان لها ثقلٌ حقيقي في تحريك القوى النقابية، منذ الحقبة الاستعمارية، وحتى ثورة أبريل. ولقد كانت هذه القوى النقابية هي حجر الزاوية في نجاح كل من ثورتي أكتوبر وأبريل. لكن، وكما يعلم الجميع، فقد ضربت الانقاذ الخدمة المدنية، وضربت الحركة النقابية، وقضت عليهما تماما. كما أنها دفعت بالمهنيين والنقابيين، والحرفيين، وغيرهم، إلى السفر خارج البلاد. وقد بلغت أعداد من هاجر، من هؤلاء، الملايين. فإذا كانت أحوال أحزاب الاتحادي، كما ذكرنا، وإذا كانت أحوال أحزاب الأمة، كما ذكرنا، وإذا كانت الحركة النقابية تعاني سكرات الموت، إن لم تكن قد ماتت بالفعل، وإذا كان الحزب الشيوعي بلا حركة نقابية تقف من ورائه، فما الذي تبقى من القوى الحية المؤثرة التي في وسعها أن تُحدث ثورة شعبية؟ بل، أين هي تلك القوى الجماهيرية الموحدة، المنظمة، المتماسكة، التي يمكن أن تحرس منجزات أي ثورة قادمة؟
من الجانب الآخر، تغيرت ديموغرافيا العاصمة القومية، التي ظلت البؤرة الرئيسة لصناعة الثورات في السودان. فقد تآكلت فيها الطبقة الوسطى، وهو ما يوافقنا عليه معارضونا في الرأي. والقسم المتبقي من الطبقة الوسطى اليوم، ارتبطت مصالحه، بحكم سياسات التمكين، بمصالح النظام، وأصبح، بالضرورة، ضد تغيير الأوضاع القائمة، لأنه، منتفع منها. فبسبب كل ما تقدم ذكره، وبسبب غير ذلك، مما لا يسمح الحيز بذكره، لن يحدث، في تقديري، عصيانٌ مدنيٌّ مؤثر.
فحزام الفقر الذي يحيط بالعاصمة، يسكنه، الآن، أكثر من نصف سكان العاصمة. وهؤلاء هم الذين يملؤون أسواق العاصمة وحواريها، كل يوم، طلبا لما يُقيم الأود. هؤلاء لا يحتملون التوقف عن العمل، ولا، ليوم واحد. فإذا هم توقفوا، جاعوا، وجاعت أسرهم. أيضا، أصبح لقطاع كبير من الأسر متوسطة الحال، شخصٌ مغتربٌ، أو شخصين مغتربيْن، في بلد ما. وقد قلل ما يرسله المغتربون، من إعانات مالية، الضغط المعيشي، على قطاع واسع من الأسر السودانية. فعلى الذين يعارضوننا، بتعجل، أن ينتبهوا، جيدا، إلى أن الوضع الذي نعيشه الآن، وضع جديد، دخلت في ساحته عناصر لم تكن موجودة من قبل. وهي عناصر لا يمكن أن يتجاهلها، من يحلمون بإعادة استنساخ تجاربنا الثورية القديمة.
بطبيعة الحال هناك قوى أخرى معارضة، تتمثل في الحركات المسلحة. هذه القوى، لدى التحليل المحايد، تمثل خصمًا على طاقة الثورة الشعبية المرتقبة، وليس إضافة لها. فقد أضعفت هذ الحركات، من الناحية العملية، فرص خلق كيان معارض، مقاوم، متحد. فهي تنظر إلى المركز، حكومته، ومعارضته، ككتلة صماء تمثل في مجملها خصما تاريخيا. ولقد يكون لهذه النظرة ما يؤيدها حقيقةً، لكن بناء الفعل السياسي عليها، يخلق إشكالية، تحد من فرص الثورة الشاملة. ولقد ذكرت في سردي السابق أن الحركة الشعبية سبق أن أدارت ظهرها للقوى السياسية السودانية الشمالية، وشاركت الانقاذ في الحكم، منفردة، لمدة خمس سنوات، عقب اتفاق نيفاشا. لكن، انتهت، تلك الشراكة الثنائية، بفصل الجنوب، وبفشل الدولتين..
اخترقت الانقاذ حركات دارفور فتشظت، وأصبح قبيل منها مشارك في السلطة، وبقي قبيل آخر منها معارض للسلطة، ولكنه ظل يفقد وزنه العسكري والسياسي، باضطراد ملفت. وكما سبق أن ذكرت، فإن هجوم قائد العدل والمساواة، خليل إبراهيم على العاصمة، في عام 2008، أفقد الحركة تعاطف جمهور الوسط والشمال النيلي. أيضا، كان خروج الحركة الشعبية قطاع الشمال، عسكريا، إلى أبو كرشولة، وأم روابة، بعد أن فشلت شراكتها، هي الأخرى مع المؤتمر الوطني، خطأ قاتلا آخر. بسبب هاتين العمليتين العسكريتين، أصبح جمهور الوسط والشمال النيلي، الكاره لنظام الانقاذ، حائرًا بين كراهيته لنظام الانقاذ، وقلة ثقته في قومية الحركات المسلحة، وحقيقة نظرتها للصراع؛ بوصفه صراعًا بين جميع السودانيين، بلا استثناء، وبين نظام متسلط متجبر، عاجز عن الانجاز. وليس صراعا بين الهامش وما يمثل كتلة المركز، برمتها، دون فرز. أما ما جرى بين عبد العزيز الحلو من جهة، ومالك عقار وياسر عرمان من الجهة الأخرى، في الآونة الأخيرة، فيمكن أن يعطي تصورا للانشقاقات التي يمكن أن تحدث مستقبلا بين حملة السلاح. لقد تشظّى الواقع السياسي السوداني، تشظيا غير مسبوق، وتباعدت خطوطه، وتعارضت أجندته، وتقاطعت. وقد ضعُفت، مع هذا التشظي، وتضارب الأجندة، وحدة الهدف، ووحدة الشعور، التي سبق أن جمعت بين السودانيين، في ثورتي أكتوبر وأبريل. هذه هي الصورة الحقيقة للأوضاع، دون تزويق أو رتوش، وما عداها، في نظري، مجرد أمنيات، لا أكثر
أيضًا، خرج من المعادلة ما ظللنا نسميه “انحياز الجيش للشعب”. فالجيش السوداني، جرت أدلجته من البداية، واكتمل إفراغه، تمامًا، من العناصر المهنية الملتزمة بمهنيتها، العارفة لدور الجيش، المؤمنة بحراسته للصالح العام، وواجبه في الوقوف إلى جانب الشعب الأعزل، حين يتعرض للموت في الشوارع. تحول الجيش، بمرور الزمن، مثلما جرت التحولات لعدد من الجيوش في دول الجوار، إلى واحدٍ من مجموعات المصالح، وأصبح هو، والأمن، والشرطة، جزءا من القوى الاقتصادية المرتبطة ببنية النظام، وبنمط ممارساته. أصبحت هذه المؤسسات العسكرية جزءا لا يتجزأ من النادي الخاص، المحتكِر للسلطة، والثروة، وللجاه. فمن المستبعد أن يقف هذا الجيش، بصورته الحالية، إلى جانب أي ثورة شعبية. ولم تكن أكتوبر وأبريل لتنجحا، لولا تدخُّل الجيش، وانحيازه لخيار الشعب، في اللحظة الحاسمة. ومع انحياز الجيش في لحظة الثورتين، فشلت الثورتان في تحقيق أهدافهما. والدليل، على فشلهما، ما آلت إليه أحوالنا الآن.
لقد أشرت في مقالاتي السابقة في هذا الخيط، وفي غيره، إلى أن حدوث ثورة جياع، أمر ممكن. وثورة الجياع تختلف عن الثورة المنظمة المخطط لها، التي تملك القوة المادية التي يمكن أن تثبت بها الأوضاع، عقب اقتلاع النظام.
إن أسوأ شيء يمكن أن يحدث في اللحظة الراهنة، هو أن تحدث في البلاد ثورة جياع. فعلى المعارضين، ألا يتمنوها، أبدا. وعلى النظام الحاكم، إن كان يسمع ما يقال له، أن يعمل بكل ما يستطيع، لكيلا تحدث. فثورة الجياع تستعصي على القمع، وتنتهي بالقضاء على الأخضر واليابس. فهي لا تميز، لأنها، حين تنطلق، إنما تنطلق من معادلة صفرية، وطرفا هذه المعادلة هما: “عليّ وعلى أعدائي”.
ربما من الضروري إيضاح أن الدخول في مسار الانتخابات، لا يعني إيقاف حراك الشارع نهائيا. ما يعنيه، حقيقة، هو الانخراط مع الجماهير، والعمل في أوساطها، لبناء الطاقة الدافعة للتغيير من القواعد، والعمل على إصلاح ما خربته الانقاذ من وعي الناس وأخلاقهم. يضاف إلى ذلك، فإن النشاط في العمل الانتخابي يساعد في تحويل الأحزاب إلى مؤسسات، فهي، إلى الآن، ليست مؤسسات. كما أن العمل الانتخابي، يساعد الأحزاب على تحسين خطابها السياسي، وعلى تطوير برامجها الانتخابية، وعلى تدريب كوادرها. وأهم من ذلك، فإن، العمل في المسار الانتخابي، بكل علله المتوقعة، في البداية، سوف يعين على جمع رأس المال الجماهيري، الذي يجعل من الجماهير قوة حقيقية، ضاغطة. وحين يجي الوقت لتنزل إلى الشارع، بعد فترة من العمل في المسار الانتخابي، وفي مأسسة أجهزتها، تكون قد نزلت وفق تشبيك قاعدي متين، تتساوى في قوته طاقة العاصمة وطاقة المدن الإقليمية، وطاقة كل الريف السوداني، وسائر القوى الحية.
إن طاقة الثورة، وقوتها، تُبنى بناء، ولا يخلقها الهياج العاطفي اللحظي، أو الشحن الخطابي. كما أنها لا تهبط من السماء بسبب الضغوط المعيشية، وحدها.
باختصارٍ شديد، لم ينطلق طرح خيار المنازلة الانتخابية المتواصلة، حتى النصر، من حالة اليأس، رغم أنها حالة يعيشها الجميع الآن، دون استثناء. لقد تأسس هذا الخيار على فحص دقيق للواقع السياسي، وعلى تقييم واقعي لقواه المتوفرة حاليا، وإمكاناتها. وسوف أناقش في الحلقة القادمة ضرورة محاولة جر الإسلاميين، الذين قفزوا، أو هم على وشك القفز، من سفينة الانقاذ، إلى هذا المسار، وكذلك، جر المتململين داخل بنيات الأحزاب القديمة، جميعها، لتتشكل منهم جبهةٌ عريضةٌ، تقوم على رؤى نقيضة لما ظل يحكمنا لثلاثة عقود. بل، ونقيضة، لما ظل يحكم ممارستنا السياسية، منذ فجر الاستقلال. فحكم الاسلاميين الذي جثم على صدورنا لثلاثة عقود، لم يكن سوى تتويج لخلل بنيوي، صحب مسيرة السودان المستقل، منذ بداياتها.
(يتبع)
elnourh@gmail.com

الحلقة الأولى على الرابط:

السر سيد أحمد وخيار الانتخابات لهزيمة النظام

الحلقة الثانية على الرابط:

السر سيد أحمد وخيار الانتخابات لهزيمة النظام (2)

الحلقة الثالثة على الرابط

النور حمد يواصل مناقشة أطروحة الانتخابات لهزيمة النظام (3)