الباقر العفيف

خلصت في الحلقة الأولى إلى أن الدعوات لخوض الانتخابات إنما صيغت من مادتي اليأس والخوف، مع إضافة قليل من بهار الأمل في تغيير يبدو خافتا مثل نجم بعيد. وأن هذه الدعوات لا تعدو أن تكون دعوة للاستسلام للإنقاذ، وتوطين النفس على القبول بها على سوءاتها، والتواؤم مع قواعد اللعب التي تضعها لمصلحتها والعمل من داخل هذه القواعد.

والنور حمد نفى في مقاله الأخير أن يكون طرحهم انطلق من حالة يأس رغما عن تأكيده أن اليأس “حالة يعيشها الجميع دون استثناء” ويمضي ليقول “أن هذا الخيار تأسس على فحص دقيق للواقع السياسي وعلى تقييم واقعي لقواه المتوفرة حاليا وإمكاناته”. فهو ينفي أن يكون اليأس هو منطلق الفكرة، ولكنه يثبته ويعممه على الجميع في الوقت ذاته. وبطبيعة الحال فاليأس لم يولد من العدم، كما أنه ليس حالة مستقلة عن الواقع وموازية له. بل حالة ناشئة من هذا “التقييم الواقعي للوضع السياسي” الذي أوصل أصحابه إلى قناعة تامة بعجز المعارضة عن استنهاض الشارع، وعطبها الدائم الذي ما منه شفاء. فالقاسم المشترك بين دعاة التخلي عن الثورة الشعبية واعتماد المشاركة في الانتخابات كوسيلة للنضال هو القناعة بأن ما لم تقدر عليه المعارضة في الثمانية والعشرين سنة الماضية لن تقدر عليه في مستقبل أيامها. وعليه فالتفكير الواقعي يقتضي أن تتخلى المعارضة عن هدف إسقاط النظام عن طريق الثورة الشعبية. لأن الثورة الشعبية لن تقوم، والإنقاذ باقية باقية.. وعليه يصبح التمسك بشيء عصي على التحقيق ضرب من الجنون.

وبالطبع ليس في اليأس ما يعيب إذا صََّحت مقدماته وتماسكت الأرض التي يقف عليها. ونحن نعلم أن يأس المهزوم من تعديل ميزان القوة حال المواصلة في القتال، أو إنهاكه وفراغ ذخيرته، يولِّد الاستسلام.. وحتى الاستسلام قد يكون عين الحكمة في مقامه، وقد ينتج عنه نصر ما، بطريقة ما، في وقت ما. هذه كلها دروس مستقاة من تجارب دول مثل اليابان وألمانيا اللتين أقرتا بالهزيمة واستسلمتا لدول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ثم نهضتا من الرماد.

إذن الخلاف بيننا ليس في المصطلحات، ولكن في دقة أو صحة التحليل من جانب، وفي اجتراح الحلول من الجانب الآخر. وفي بقية هذه الحلقات سأناقش فكرتين أساسيتين. الأولى تجئ في إطار الإجابة على تساؤل مفاده: هل طرح السر سيد أحمد والنور حمد والآخرون الأسئلة الصحيحة؟ وهل أبانوا لنا بدقة من نصارع؟ وحول ماذا نصارع؟ في اعتقادي أن هناك فجوات كبيرة في التحليل. وأن التحديات التي تواجه بلادنا لهي من العِظَم بحيث لا تنفع معها أمثال الحلول المقترحة. وأن بعض الحجج التي أوردها السر سيد أحمد في مقالاته يمكن أن تصلح أسسا لرفض الانتخابات، واستمرارية المقاومة.

أما الفكرة الثانية فتدور حول أن المشاركة في الانتخابات، في ظل الخضوع لشروط الإنقاذ، ليست على التحقيق المخرج الوحيد، أو المخرج الآمن لأزمتنا الحالية. بل إن التواضع عليها قد يعرض شعبنا للضياع. هذا سيكون في الحلقة الثالثة. أما في هذه الحلقة فسأورد تلخيصا لمداولات المجموعة الإطارية التي أشرت لها في المقال الأول.

المجموعة الإطارية

كما اسلفتُ القول، عقدت المجموعة الإطارية أول هذا العام جلسة للتداول حول جدوى المشاركة في الانتخابات، قدَّم فيها اثنان من أعضاء المجموعة مداخلتين جيدتين، واحدة مع والثانية ضد المشاركة في الانتخابات. وانبى على المداخلتين نقاش علمي رصين. كذلك وعدتُ بالعودة لحديث السر سيد أحمد عن تجارب دول شمولية نجحت معارضاتها في منازلة الحزب الحاكم وانتزاع السلطة منه عن طريق الانتخابات بعد عدد من الجولات الانتخابية مثل السنغال. وقد دعم مُقدِّم المداخلة الأولى فكرة السر هذه. وسأكتفي بإيراد الحجة في هذه الحلقة، وأرجئ الرد عليها في الحلقة القادمة.

الحجج الداعمة للمشاركة

أشارت المداخلة الأولى إلى أن أول الحجج وأكثرها قوة هي أن المشاركة تُثمِر نتائجَ لا تثمرها المقاطعة. وأن البحث العلمي يثبت ذلك. فهناك دراسات كثيرة في هذا الموضوع. فعلى سبيل المثال، درس مايكل ماثيو (٢٠١٠) حالات مقاطعة وتهديد بالمقاطعة في ١٧١ بلدا، بين العام ١٩٩٠ والعام ٢٠١٠. والخلاصة التي توصل لها هي: “إن المقاطعة في الغالبية العظمى من الحالات لم تكن فعالة في إحداث التغيير المأمول في الحكم. بل بالعكس كانت كارثية بالنسبة للمعارضة، بينما أدت لتكريس السلطة في يد الحزب الحاكم “. وضرب أمثلة ضمنها:

  • لبنان ١٩٩٢، قاطعت الأحزاب المسيحية الانتخابات بحجة التدخل السوري فاكتسحها حزب الله.
  • صربيا ١٩٩٧، قاطعت أحزاب المعارضة الانتخابات، فأعيد انتخاب مِلوسيفِك وأشعل الحرب في كوسوفو.
  • زيمبابوي ١٩٩٥، قاطعت المعارضة الانتخابات فأعيد انتخاب روبرت موغابي
  • العراق ٢٠٠٥، قاطع السُّنة الانتخابات، فجرى تهميشهم وإقصاءهم.

أما في حالتنا فإن المشاركة تحقق ثلاثة فوائد رئيسية، هي:

أولا تتيح للأحزاب بناء قدراتها والاتصال بجماهيرها وتعبئتها.

ثانيا، تقدم سياسات بديلة توفر في أول الأمر شعاعا خافتا وأملا ضئيلا لدوائر محدودة. وسوف يبدأ الشعاع في اللمعان والأمل في النمو بمرور السنين وتوالي الدورات الانتخابية اللاحقة.

ثالثا، أن المقاطعة لم ولن تنجح في إحداث التغيير المنشود. بل هي في الحقيقة تضر الأحزاب المقاطعة أكثر مما تضر الحكومة. هي تضعف الأحزاب وتُهمِّشها في نظر الجمهور وربما تهددها بالسقوط من ذاكرته مع تطاول العهود الدكتاتورية كما هو حاصل عندنا.

الحجج الرافضة للمشاركة

تتأسس الدعوة للمقاطعة على الحجج الرئيسية التالية:

أولا، الانتخابات سوف لن تكون حرة شفافة ومتكافئة الفرص. الحزب الحاكم بيده كل شيء، المال والاعلام والحكومة بجميع أجهزتها من أمن وجيش وشرطة وخدمة مدنية ومفوضية الانتخابات وقانونها. ومع ذلك فالحزب الحاكم ماهر في الغش في جميع مراحل العملية الانتخابية، فقد زور التعداد السكاني، والتسجيل، والتصويت حيث ضبطت عناصره وهي تعبئ الصناديق و”تخجَّها” بليل.

ثانيا، المشاركة تمنح الانتخابات المزوَّرة وكذلك الحكومة المنبثقة عنها شرعية مجانية، تلعب فيها أحزاب المعارضة دور “الُمَحلِّل” الذي يوفر لها المشروعية حيث ستبدو الحكومة في نظر الشعب والعالم أنها حكومة منتخبة شرعيا، والعبرة بالنتائج مهما كانت الطريقة مختلة.

ثالثا، المشاركة دون أن تدفع الحكومة استحقاقاتها بإبداء الجدية والإرادة السياسية للخروج بالبلاد من هذا النفق لا تعني بالنسبة للمعارضة سوى الاستسلام. فالحكومة ستفرض على المعارضة شروط المنتصر victor’s justice. مثلما يردد البشير في خطبه الأخيرة. ضمن هذه الشروط:

  • تحريم الاتصال بحاملي السلاح أو التعامل معهم.
  • تحريم الحديث عن اسقاط النظام.
  • تحريم الحديث عن العدالة والمحاسبة، إلخ..

أما المعارضة، من الجانب الآخر، فستعلم أنها إنما جاءت لبيت الطاعة منكسرة ذليلة صاغرة. وهي، في ظل القوانين الحالية، ستظل أسيرة “بيت الحبس” الذي تقبع فيه حاليا، وسوف لن تستطيع مغادرة دُورِها، والاتصال بجماهيرها في الندوات الجماهيرية، في الميادين العامة، إلا في مواسم الانتخابات، وفقط أثناء الحملات الانتخابية. ثم ترجع لبيت الحبس لخمسة أعوام قادمة. وهذا يُسْقِط الحجة القائلة بقدرة الأحزاب على بناء القدرات والاتصال بالقواعد وبناء المؤسسات الحزبية التي يقول بها دعاة المشاركة.

رابعا، لا أحد يقول بأن المقاطعة يمكن أن تسقط الحكومة، ولكن نقول بأنها تحرجها وتضعفها، وترسل لها رسالة بليغة مفادها أن الشعب واع وذكي ولا يمكن استغفاله وجره لمثل هذه المسرحية العبثية. إن منظر مراكز الاقتراع وهي خاوية من المقترعين، بينما ضباط الانتخابات نيام على مكاتبهم، في الانتخابات الماضية، أحرج الحكومة وجعلها محل سخرية العالم. ثم إن المقاطعة تمثل واحدة من أمتن أشكال المقاومة التي تلهم الشعب وتشحذ هممه، وتنشط ملكة الإبداع فيه ليبتكر أشكالا أخرى من المقاطعة الاقتصادية، ورفض الخروج للشارع، والبقاء في البيوت، والعزل الاجتماعي لرموز النظام، مثلما حدث في عزاء السنهوري الذي طُرِد منه نافع، وعزاء فاطمة أحمد إبراهيم الذي طرد منه بكري وأحمد هارون.

خامسا، تجريب المجرَّب. فقد جرَّبَت أحزاب المعارضة مشاركة الحزب الحاكم منذ ٢٠٠٥، في إطار اتفاقية السلام الشامل، دون أن تُزَحزِح الحكومة قيد أنملة في مسألة إصلاح القوانين، إلى أن جاءت انتخابات ٢٠١٠. حدث هذا في وقت كانت موازين القوة بين الحكومة والمعارضة أفضل بكثير مما هي عليه الآن بالنسبة للمعارضة. فما بالك الآن وأنتم تقرون بأن المعارضة في أضعف أحوالها على الإطلاق. إذن لا يمكن أن تُكَرِّر نفس الفعل وتَسْلُك نفس الخطوات وتتوقع نتائج مختلفة. فالمشاركة لا تعني سوى أن تتحوَّّل أحزاب المعارضة إلى شيء شبيه بأحزاب الحوار الوطني. أي عبارة عن “تمومة جرتق” وإكسسوار تزين به الحكومة جيدها في الحفلات الدولية.

سادسا، المشاركة لن تحدث التغيير حتى ولو على المدى المتوسط أو الطويل. بل ستعطي الإنقاذ على الأقل ثلاثين عاما قادمة. فالبشير سيفوز في جميع الدورات القادمة إلى أن يموت في الكرسي، وسيخلفنا بعده جيل الانقاذ الثاني وهكذا ستضيع الحقوق والدماء إلى الأبد، وسوف يكتمل استعبادنا بواسطة هذه الطبقة الحاكمة الجديدة إلى الأبد. وسوف تتحقق مقولة نافع بأنهم “سيسلمونها لعيسى”.

كيف يرد دعاة المشاركة على دعاة المقاطعة

أولا عن تزوير الانتخابات:

يقول دعاة المشاركة نعم سوف يكون هناك تزوير. ولكن يمكن للمعارضة تضييق هذه الثغرة عن طريق المراقبة الحزبية ومراقبة المجتمع المدني المحلي والدولي لجميع مراحل العملية الانتخابية. فالمشاركة تتيح للأحزاب إثبات التزوير في حين أن المقاطعة تخلي الساحة للحزب الحاكم ليزور بارتياح. كذلك يمكن للمعارضة أن تجعل من قضايا القوانين المقيدة للحريات وقانون الانتخابات وغيرها معارك يومية تخوضها ضد الحكومة وحزبها الحاكم، تحاصرها بها إلى أن تجبرها على إصلاحها.

ثانيا، حول مسألة إعطاء النظام شرعية:

هذه الحجة لا قيمة لها لأن النظام لا يحتاج لشرعية تمنحها له أحزاب المعارضة ولا يعبأ بحجبها عنه. فهو حاصل على شرعيته بالقوة. والمجتمع الإقليمي والدولي يعترف به ويتعامل معه.

ثالثا، أما عن كون المشاركة استسلام فهذا غير سليم. فالاستسلام هو أن تتخلى عن هدفك في التغيير. أما المشاركة ففي حقيقتها تبديل للوسائل والآليات وليست تخلي عن الهدف.

رابعا، أما عن كونها لا تحدث التغيير على المدى المتوسط والطويل، فهذا أيضا ليس صحيحا. فالمشاركة في الانتخابات والصراع مع الحكومة وبناء التحالفات بين أحزاب الوسط، وقوى الهامش، والمتساقطين من الحزب الحاكم، يفرز ديناميات جديدة ستغير مسار الأحداث وتؤدي للتغيير.

هذا ملخص لمداولات تلكم الجلسة. وأرجو أن أكون أنصفت الجانبين. أما في الحلقة القادمة فسأعود لمناقشة رؤى السر سيد أحمد والنور حمد، وأوضح وجهة نظري في نقاش المجموعة الإطارية، وبالذات مسألة البحث العلمي.

 

تصحيح واعتذار

نسيت أن أورد اسم الأستاذ نبيل أديب كواحد من أوائل الذين كتبوا يُحِثُّون المعارضة على خوض الانتخابات. وفي نفس الوقت أوردت اسم السر السيد ضمن الذين دعوا للمشاركة وهو في الحقيقة لم يفعل. أعتذر لهما وللقراء.

الحلقة الأولى منشورة على الرابط:

الدعوة لدخول الانتخابات كوسيلة لمقاومة النظام: ما وراء الفكرة