معتصم أقرع

في بداية هذا العام لجأ النظام الى السيطرة على سعر الدولار وتفادي انفلاته باتخاذ اجرائين للحد من الطلب على العملة الاجنبية تشمل : 1- تحديد المبالغ التي يستطيع المواطن والقطاع الخاص سحبها من البنوك في حدود دنيا. أي تنفيذ مصادرة مؤقتة لأموال المواطن المودعة في البنوك . 2- الغاء نظام الاستيراد بدون تحويل قيمة. اي منع التجار والمنتجين من تمويل وارداتهم من سوق العملة الاسود/الحر. ويهدف النظام من ذلك الى اجبار المغتربين على ضخ تحويلاتهم من العملة الاجنبية عبر القنوات الرسمية بالسعر الرسمى بما ان الطلب على هذه التحويلات من قبل المستوردين قد تم وأده.

ايضا لجأت الحكومة الِى تهديدات قراقوشية بـمصادرة اموال وسجن واعدام من يخالف فرماناتها الاقتصادية التي تهدف الى تحديد اسعار السلع الاساسية وتثبيت سعر صرف العملة في مستوي تختاره الحكومة ويلتزم به جميع البائعين والمشترين واجبار الكل من التجار والمستوردين والمصدرين والمغتربين على تسليم حصصهم من النقد الاجنبي الى الحكومة او التصرف به حسب توجيهاتها.

سبق نبهنا الِى ان هذه الاجراءات غير قابلة للاستدامة لانها تخلق مشاكل لا تقل خبثا عن المشاكل التي تسعي لحلها. فمن ناحية اولى فأن الحد من طلب القطاع الخاص بغرض الاستيراد لا يلغي الطلب على تحويلات المغتربين بغرض تمويل هروب راس المال الوطني الي بلاد يأتمنها أهل المال على أموالهم وبغرض تحويل ارباح القطاع الخاص الاجنبى الي الخارج. وبما ان المغترب يستطيع التعامل مع اسواق عملة موجودة في الخارج ومدن الخليج تقع خارج نطاق القبضة الأمنية للنظام , فان هذا المغترب سوف يتمكن دائما من تحويل امواله للسودان من خلال قنوات سوق بعيدة عن الأوعية الرسمية للنظام . كما ان تقييد استيراد مدخلات الانتاج والسلع الاستهلاكية سوف يضعف الانتاج الزراعي والصناعي ويقود الى الندرة وانعدام السلع وتفشى السوق الاسود.

 

من المؤكد ان اجراءات الحكومة أعلاه قد نجحت مؤقتا في لجم جماح سعر الدولار الشيء الذي دفع المشير الِى الشماتة في المغتربين والسخرية منهم بأنه عليهم بل دولارتهم وشرب ماءها المنقوع . ولكن قد آن الاوان ليدفع المشير فاتورة حلوله الأمنية التلفيقية لمشكل الاقتصاد.

فحاليا يواجه الموسم الزراعي اخطارا جسيمة تهدد بفشل كارثي ينذر بمجاعة , كما تفشت ندرة السلع الهامة كالوقود والدواء في العاصمة وندرة سلع استهلاكية اساسية في الاقاليم البعيدة . وها هو المشير يقيل وزير خارجيته لانه تذمر من عجز الحكومة عن دفع مرتبات وتكاليف بعثاتها الدبلوماسية حول العالم لمدة سبعة اشهر . مما لا شك فيه ان المشكلة تكمن في ندرة الدولار , وليس في نقص المال بالعملة السودانية , فالمشير ونظامه وبنكه المركزي لم يواجهوا مشكلة موارد بالعملة المحلية فهم لا يتوانون عن طبع العملة السودانية لتمويل انفاقهم , فقد كان هذا ديدنهم في ثلاثة عقود من الزمان . ولكن المشكلة الان انه لا توجد دولارات تغطي جميع احتياجات الدولة الاستراتيجية , فتمت التضحية بالبعثات الدبلوماسية رغم ان قرارات سابقة قد نصت على تخفيض صرف هذه البعثات بـنسبة %33 ولكن رغم ذلك التخفيض عجز البنك المركزي عن توفير باقي احتياجاتها من النقد الاجنبي . الدليل الاخر الذي يؤكد على ان المشكلة تتعلق بندرة الدولار وليس ندرة الموارد بالعملة المحلية هو أن الشد والجذب وحرب البيانات والتصريحات الصحفية تدور بين وزير الخارجية المقال وبنك السودان , ولو كانت المشكلة تتعلق بندرة الموارد بالعملة المحلية فان حرب توزيع اللوم كانت ستتم بين وزير الخارجية ووزارة المالية , وليس البنك المركزي فهذا البنك مسؤول عن توفير النقد الاجنبي , اما الميزانية واوجه الصرف الحكومي فمن اختصاص وزارة المالية الركابية.

هكذا يبل المشير قراراته التعسفية ويشرب ماءها الاقتصادي على الناشف.

الحكومة تفاوض كبار الدائنين في واشنطن وأرقام صادمة عن “ورطة السودان”