بثينة تروس 

الى الذين يعقدون حاجب الدهشة في كل سانحة مذهلة، أوخبر لئيم، تسوقه الاقدار من صنيع حكومة الاخوان المسلمين، وحري جدير بنا ألسؤال، علام الاندهاش؟ أو لا ترونهم لا يزالون في خطبهم يكبرون، ويهللون باسم الله الواحد القهار، يعمرون المساجد، كلما رفع ذكر الله يهرولون خفافاً و( ثقالاً)، و يعتقدون انهم (أصحاب الايدي المتوضئة) ذوو الجباه المدموغة بثفنات كثرة الصلاة، ثم سيماهم لحي في وجوههم،  يتدارسون في حلقات التلاوة، ويصومون الإثنين والخميس، وحديثهم مبتدٍ ومنتهٍ بـ (سبحان الله)  ودعواهم للآخرين بان جزاكم الله خيراً ويحدثوننا ان ذنبهم مغفور اذ هم المصلحون، وفسادهم مجبور بفقه التحلل، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ) صدق الله العظيم..

وفِي دولة الشريعة الاسلامية ( المدغمسة)  بحسب الرئيس البشير الذي شهدناه حاجاً ، ومعتمراً، مقبلاً الحجر الأسود بالدموع والدعاء فالحج عنده  كغسيل الأموال، في شرعة فسادهم المالي، وزين له جهله بالدين ان يقتل، ويسفك الدماء، ثم يحج باموال ضحاياه، ويرجع كيوم ولدته أمه فيعاود فعله مجددا ، ويعود عامه المقبل حاجاً، متناسياً عظم المسئولية التي أرقت مضجع سيدنا عمر بن الخطاب ( لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها : لِمَ لم تمهد لها الطريق يا عمر) .. نعم!! بغلة وليست دماء ثلاثة الآلآف من مواطني دارفور!! 

 ظلت حكومة الاخوان المسلمين  لقرابة  ثلاثة عقود من الزمان، تعيث فسادا في هذه البلاد باسم الدين، ووهم تحكيم الشريعة الاسلامية،  ويحدثنا خطبائهم، كالشيخ عبدالجليل الكاروري، في خطبة الجمعة من مسجد ( الشهيد) مذكرا الشعب بان دولتهم أسلامية التوجه بقوله (بعد ما كان في الخرطوم 144 بار (خمارة) هسي في 5500 مئذنة).

والكاروري ليس خطيب مسجد أغبش أغبر، بل صاحب سيرة تنافس الولاة والحكام فهو ( رئيس دائرة العلوم الطبية بالمركز العالمي لابحاث الايمان، وعضو مجلس ادارة بنك التنمية التعاوني، وأمين عام جمعية الاصلاح والمواساة، ورئيس نادي توظيف العلم التابع للجمعية، ورئيس مجلس ادارة مجمع الشهداء، وعضو مجلس جامعة امدرمان الاسلامية، ورئيس دائرة الثقافه والإعلام مجمع الفقه الاسلامي، ورئيس الجمعية السودانية للمخترعين، فضلا عن رئاسته المنظمة السودانية للاحصان و تنمية المجتمع)..

لكل ذلك، ما كان بمدهش أن قال للناس منذ سنوات خلت بأن الرئيس البشير (ولي من أولياء الله الصالحين) وعندهم هو حاكم لهذا البلد باْذن الله وشرعته،  وكيداً في نصاري ويهود المحكمة الدولية، فهو لاخوف عليه ولا هم عليه يحزنون!!

ومن أعجب الامر بعد كل هذه المساجد، تخرج علينا شرطة النظام ألعام، بان احد انجازاتها، القبض علي شباب من الجنسين بتهمة انهم من  (عبدة الشمس)  فان صحت تلك التهمة،  فهي وصمة عار في جبين الاخوان المسلمين، وعلماء الإسلام  بأكثر من هؤلاء الشباب،  اذ كيف بعد كل  هذه المآذن التي تصدح بالآذان خمس مرات في اليوم، يلجأ  شباب هذا البلد الاسلامي، الي الشمس؟ وبالرغم من أفولها عند الغروب يجدون انها ( الأكبر ) من دولة المشروع الاسلامي الحضاري، وحالهم ( ولا اعبد ما تعبدون) ؟

رهطاٌ آخر، بما فيهم الفتيات، فرّ الي المخدرات ليغيّب عقله من لا معقول الحكومة. قالت الادارة العامة للمكافحة بحسب (الاخبار) “أن جملة البلاغات المدونة ضد العنصر النسائي في العام 2016 حوالي”487″ بلاغاً منها (109) بلاغ ترويج ،و(378) بلاغ تعاطي ،وذكرت الادارة أن جملة المضبوطات من الحبوب بأنواعها المختلفة بالخرطوم تقدر بـ(107) كيلو جرام ،منها (1338) جرام ترامادول و(15200) جرام كبتاجون،و(11307) جرام)..

ولمثل هؤلاء الشباب  توضع أسئلة امتحانات الشهادة السودانية ( الاسلامية)، التي صارت مادة لتندر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي أسئلة فقهية، من شاكلة ( ماحكم رجل طلق إمرأة ثم زنا بها حكمه الرجم أم الجلد؟  وما حكم رجل  زنا بإمرأة ظاناً أنها زوجته، يرجم أم يجلد أم لا يقام عليه الحد). وهكذا، فإنه  من الواضح ان قد أسرف واضعو الامتحانات في الولاء والتأكيد  لمرؤوسيهم  انهم مخلصين لمشروع ثورة التعليم الاسلامي ، ولو كان الطلبة يتابعون مخازي حكومة الاخوان المسلمين، لكانت الاجابة قطعاً لا!! لايقام عليه الحد!! بل  ان ذلك الزاني سوف يعود الي موقعة  بعد ان تتم ترقيته، وفق فقه  علماء السلطان الذي قام بالغاء حد الرجم،  لصالح ( زناة) الحكومة  وتم استبداله بالجلد والسجن والغرامة، ثم لم يجلد حتي الان منهم احد..  

الحقيقة ان  الهوس الديني والفكر السلفي ، كغول الخرافة، كلما قطع له رأس برز آخر،  ففي ظل انعدام الحريات، والتضييق علي منافذ الوعي،  ومحاربة الاخوان المسلمين لكل الأفكار التي تفضح زيفهم، تتاح المنابر  فقط، لرجال الدين، وعلماء الاسلام، والفقهاء،  والمهووسين، يستغلون هؤلاء  الشباب، ويعبثون  بعاطفة  الشعب السوداني المحبة للدين بالفطرة.  فهاهي جحافل ( حزب التحرير/ ولاية السودان)  تخرج علينا فيما أسمته بالذكري 59 لهدم  ( الخلافة الجرح النازف في جسد  الأمة)   وهو برنامج مدته الزمنية شهر استخدمت فيه منابر الجامعات، ونشطت حول الطلبة والشباب، أقامت اهم فيه  الحوارات، والحملات الدعائية، والندوات.

ودعوة  العودة للخلافة، انتظمت جميع مدن، وولايات البلاد، بلافتاتها المصقولة، و بشعارات تستنفر الناس والهمم من شاكلة ( أنه زمان الأمة وزمان الخلافة، فحي على إقامتها راشدة على منهاج النبوة، وحي هيا  للالتحاق بصفوف حزب التحرير.) و( اقامة الدستور الاسلامي).

وحزب التحرير / ولاية السودان، هو  احد الفروع الاساسية للحزب الذي يقسم البلاد الاسلامية الي ولايات، ويطالب بإقامة الشريعة الاسلامية، ويدعو للجهاد الاسلامي في انتزاع الحكومات في كافة البلدان الاسلامية من (الرويبضات على سدة الحكم وضياع الممتلكات والمقدسات جراء غياب الحكم بالإسلام).

ولقد نجح حزب الخلافة الاسلامية  في استدرار عطف الناس في المساجد من خلال الخطب، لجهرهم بفساد (رويبضات) الاخوان المسلمين،  مما لاقي عند الناس متنفساً لأوجاعهم، التي حين جهرت بها المعارضة، قامت الدولة باعتقالهم وحبسهم، وتهديدهم بعد اطلاق سراحهم بالاعتقال مجدداً إن عادوا لنفس المطالَب وحذرت احزابهم من ( سؤ السلوك).

  صحيح انه في ظل هذه الضائقة الاقتصادية التي تنتظم البلاد اليوم، واستحالة سبل الحياة الكريمة للإنسان، وغياب حقوق الانسان، قد تبدو مثل هذي  الدعاوي مشروع امل وخلاص ، في جو هذا الاحباط السياسي، والانحطاط القيمي، اما في عهد الانحطاط الفكري هذا،  فيبدو دعاتها كمصلحين، وابطال في مواجهة الحكومة، لكن الحقيقة التي لاتخفي علي حصيف، أن تلك الدعاوي  للمغاضبين والمصلحين من داخل سوح الإسلاميين، هي ايضاً، بصورة من الصور، مرعية من دولة الهوس الديني، وذلك بإطلاق يدها في مساحة حرية للإعلان عن نفسها وأنشطتها، ولها اعلامها وصحافتها، وعلى رأسها حزب التحرير وزعامته،  وهم جميعهم جرابهم خاوِ من الحلول، لحل مشاكل السودان الراهنة، وانما هم يعملون علي أعادة إختراع العجلة، وتجريب المجرب، وماهم الا الوجه الاخر لمن يسمونهم هم “الروبيضات”، اذ يتمتعون بنفس الأماني الفطيرة، فقط انهم لم يبلغوا سدة الحكم 

لدى التحقيق، فإن منطلقات جميع السلفيين، وقوى الهوس الديني، بما في ذلك الاخوان المسلمين، هم  اصحاب منهجية دينية تنطلق من نفس الفهم الديني السلفي المشترك، واثبتت التجربة في اللحم والدم فشل ذلكم المشروع

لقد شهدنا ( داعش) فهي دعوة خلافة إسلامية ، وقد تيسر لها الحكم وشهدنا جهدهم في اعادة الخلافة الاسلامية كما كانت في العهد الاول بإقامة الشريعة الاسلامية، وتطبيقها الحرفي كما كانت في القرن السابع علي بشرية اليوم. ولقد تابعنا كيف تبرأ منها الإسلاميون والسلفيون أنفسهم.

ودعوة حزب التحرير/ ولاية السودان، هي فتنة سوداء  كعمامة  ابوبكر البغدادي في العراق، وهي داعش الاخري، ولا مجال لتذويق هذا الامر، وتجميله  او التعامي عنه، فهم لايملكون الفكر الاسلامي  السليم ، الذي يجد فيه المسلمون حاجتهم، ويحل معضلات عصرهم من داخل الدين، مجدداً انها  دعوة الجهاد، والتحريض علي قتال الكفار ، ومحاربة من ينادون ( بمحاربة الارهاب) وهم الأخسرين، فلقد شهدنا عهود ( انبطاحهم) لامريكا، وتسول الرئيس للامان  والحماية من روسيا. 

ومثل هذه الدعاوى، حتي الوهابية  في السعودية، والذين  يتبعونهم، ويسمون أنفسهم بـ (أنصار السنة)   اليوم  قد تراجعوا عنها ، تحت ضغوط عديدة، ومايهم في امرها انها لو استمرت علي هذا المنوال دون أن يكون هنالك بديل فكري واضح، مسنود بدولة الديموقراطية، فسوف تؤول الأحوال الي فوضي عارمة، او تصير تلك البلاد المقدسة، محمية دولية، و مزارات تاريخية مفتوحة للسياحة والتسوق. ولو قدر الله لهم امرهم،  فقد لايجد المسلمون قبلة او كعبة يحجون اليها.

إن حاصل الذي نعيشه الان من مفارقات الإسلامويين في السلطة، ماهو الا نتاج ازمة الاخلاق وان النبي الكريم صلي الله عليه وسلم اختصر كل امر الدين في الاخلاق، فهو لم يكلم المسلمين، بان اقامة الخلافة  هي أصل الدين بل قال (إنما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق)

خلاصة القول ان  الهوس الديني  علاجه كي الوعي، والمطالبة بمزيد من الحريات، في مقابل الحريات المطلقة لاصحاب تلك الدعاوي من الفقهاء، ورجال الدين والمتمكنين، وان تتاح فرص المنابر المتساوية لاصحاب الاتجاهات الفكرية المتعددة، في الجامعات ووسط الطلبة والشباب.

لا بد من أن تجتمع الأصوات لتعرية  وفضح عدم مصداقية الحكومة في محاربة التطرف والارهاب وأنهم هم الذين يطيلون في عمر الهوس الديني بالبلاد. ونعلم اجمعين أن حكام البلاد من الاخوان المسلمين اراذل، يعبدون السلطة والمال، وقد شحت هذه الأيام موارد الأموال في البلاد، فأفتتنوا فيما بينهم)، لايستطيعون استخدام الارصدة في بنوك ماليزيا والخليج، ولايقوون علي امتداد المقاطعة الاقتصادية الامريكية،  وبينهم وبينها أحجية (ياطالع الشجرة)، هم يرغبون في الأموال، والاموال عند امريكا، وأمريكا تخشي الارهاب، والحكومة ترعاه!! 

اذن انها غاية، المطالبة بالحريات الاساسية.