الباقر العفيف

خلصت في الحلقات الماضية إلى أن دعاة المشاركة في الانتخابات، بوصفها وسيلة مستحدثة لمقاومة النظام، انطلقوا في أطروحتهم من المنطلق الخاطئ، ودخلوا للقضية مدخلا خاطئا، وطرحوا الأسئلة الخاطئة فيما يتعلق بالأزمة في السودان. فأما مُنطَلَقِهم ووقودهم المُحَرِّك فهو اليأس من رحمة الله ونصره، والخوف على الشعب من عنف النظام وبطشه، والإحباط من فشل المعارض وعجزه. وأما مدخلهم على المعضلة فكان تشخيص العلاج بدلا عن تشخيص المرض. وأما أسئلتهم التي طرحوها فكانت حول حواشي الموضوع ولم تتناول لبه وجوهره، أي طبيعة النظام.

ولذلك كان خطابهم كله موجها للمعارضة، ولم يكن موجها للنظام، أو لأهل الحكم وحواضنه ومؤيديه. والنتيجة هي أنهم أعفوا النظام من المسؤولية في المساهمة في حل الأزمة التي صنعها بيديه، ولم تصنعها المعارضة. فبدلا عن أن يطالبوا النظام بالاعتراف بفشله، والتصالح مع شعبه، وإبداء حسن النية بتحقيق السلام، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وتهيئة المناخ لانتخابات حقيقية وليست عبثية، طالبوا المعارضة بالتخلي عن شعار إسقاط النظام، والخضوع للأمر الواقع، والقبول بانتخابات يخوضونها بأيد مُكَبَّلة، وأفواه مُلجَمَة، وألسن مقطوعة. وهذا أمر مدهش حقا.

ربما كان اليأس من النظام، وكون أهله “صم بكم عمي فهم لا يعقلون”، أيضا وراء تجاهل هؤلاء مخاطبة الحكومة. فالنظام أثبت خلال مسيرته الطويلة أنه نظام عدمي، طائش، وغير مسؤول.. تقوده عصابة باعت نفسها للشيطان ففسدت وأفسدت. ويجلس على قمته رجل معتوه، ناقص عقل وقلب ودين، لا يأبه لمثل هذه الدعوات، وأنه ماضٍ في طريق الهاوية مهما كانت النتائج، حتى ولو تَشَظَّى الوطن دويلات، وهلك الناس أجمعون. ربما رأى دعاة المشاركة أن يُطَبِّقُوا المثل السوداني الشهير “المجنون في ذمة الواعي”. وأنهم توصلوا لنتيجة مفادها أن أهل النظام مجانين، وأن قادة المعارضة، رغم عجزهم، عاقلون. لذلك فمن واجبهم مسايرة المجنون ومصانعته وإرضائه، وبذلك ربما يتفادون شره.

يَبْرُزُ هذا الطرح الغريب عند السر سيد أحمد الذي يقر بأن “أهل الحكم مقتنعون بحجم الأزمة”، ولكنهم “غير قادرين” أو “غير راغبين” في “دفع الثمن السياسي اللازم ليجعل خطوات الاصلاح هذه تكتسب معنى وتأثيرا مباشرا على الأرض”. ثم يتساءل عن “كيفية مواجهة هذا الوضع”.. وبطبيعة الحال فإن هذا التساؤل يشير لإجابة واضحة تجعلك تتوقع منه مخاطبة “أهل الحُكْم” وحِثَّهم على أن يغيروا ما بأنفسهم، حتى يصيروا “أكثر قدرة” و”أكثر رغبة” في الإصلاح.. ومخاطبة حواضن النظام المتعددة، من حركة إسلامية، ومؤتمر وطني، وهيئة علماء، وخلافهم، يُحِثُّهم على الدخول في مراجعات فكرية، وإعمال العقل، وإظهار نوع من المسؤولية الدينية والأخلاقية والجهر بكلمة الحق عند السلطان الجائر.. ومخاطبة “الإسلاميين الواقفين على الرصيف” كما أخبرنا بهم، يحثُّهم على النزول من على رصيفهم، والتكفير عن سيئاتهم في حق البلد، وأن يلعبوا دورا يضغطون فيه نظامهم الذي ارتكب من الخطايا ما جعلهم “يحردون” منه، وأن يقوموا بما يقوم به مبارك الكودة حاليا، مثلا، إلخ. ولكنك تُفاجَأ بأنه يخالف كل هذه التوقعات، ويتجه بخطابه صوب الجهة الخطأ، أي صوب “القوى السياسية المعارضة”، التي يبدو أنها من شدة هوانها على الناس صارت “الحيطة القصيرة”، وينصحها بتقديم المزيد من التنازلات لاسترضاء النظام.

يقول السر سيد أحمد، أن على القوى السياسية المعارضة “إعلاء راية العمل السلمي من داخل السودان وتحدي المؤتمر الوطني من خلال صندوق الانتخابات” وينصحها “بالعمل السياسي السلمي.. والصبر عليه، واستغلال أي فرصة متاحة بالمشاركة وليس بالمقاطعة”. فمقدمة السر سيد أحمد لا تقود لنتائجها المنطقية.. فهو بدلا عن مطالبة أهل الحكم الذين عاثوا في الأرض فسادا، ولم يتركوا موبقة في حق الوطن والشعب إلا وارتكبوها، بأن يقوموا هم بالخطوة الأولى بإبداء حسن النية واستعادة الثقة مع الشعب، يطالب المعارضة بتقديم التنازلات المجانية للنظام.. وهذا وضع مقلوب رأسا على عقب.

وفي علم السياسة يوجد لهذا الوضع المقلوب مصطلح هو “سياسات الاسترضاء”policy of appeasement. أما تعريف تلك السياسة فهو “أن تقدم تنازلات غير منطقية لدكتاتور متسلط وشره للسلطة، وأن تسكت على انتهاكاته أو تقره عليها، مدفوعا بحالة قلق كبير منه على تهديده للسلام”. ارتبط هذا النوع من السياسة باسم نِفِيْل شامبرلين Neville Chamberlain رئيس وزراء بريطانيا منذ منتصف الثلاثينات من القرن الماضي وقبيل الحرب العالمية الثانية، حيث اتبع هذه السياسية مع هتلر، مُقِرَّا له على خرقه لاتفاقية فرساي treaty of Versailles وتَوَسُّعِه في أراضي الراين والتشيك، ظنا منه أن هتلر سيكتفي بما ابتلعه، وأنهم بذلك سيتفادون الحرب. ولقد فشلت هذه السياسية فشلا ذريعا، وأُدِِينَتْ إدانة كبيرة، وذهبت مثلا في التاريخ بوصفها سياسة ضعيفة، قصيرة النظر، زادت شهية هتلر للمزيد من التوسع وإشعال الحرب. وقد أدى فشل تلك السياسة لسقوط شامبرلين من رئاسة الوزارة وصعود ونستون تشرشل الذي قاد الحرب مع دول الحلفاء ضد هتلر. ومثلما فشلت سياسة الاسترضاء مع النازي الألماني فسوف تفشل أيضا مع النازي السوداني.

وحديث عن الاقتصاد

أفرد السر سيد أحمد حلقة كاملة عن الاقتصاد أبان فيها فشل النظام في إدارته. فقد أهملت الحكومة دعم المشاريع الانتاجية، بالذات في الزراعة والصناعات التحويلية، أيام الطفرة البترولية التي وفرت لها مليارات الدولارات. وكذلك فشلها في “كبح الانفاق الحكومي عبر تقليص الحكومات المترهلة، والسفريات الخارجية الكثيرة عديمة الفائدة”. كما تحدث عن “سياسات التمكين الاقتصادي، والشركات الرمادية” التي يديرها النافذون ولا تخضع لقانون.

ولكن هناك قضايا جوهرية في أمر الفشل الاقتصادي للإنقاذ أغفلها السر سيد أحمد. وبالطبع لا يمكن الحديث عن الاقتصاد بغير الحديث عن قضايا الفساد الكبرى، كقضية الأقطان، وبيع أصول مشروع الجزيرة، وسودانير، وخط هيثرو، وفساد البشير وأشقائه، وزوجته “الصغيرة”، وعبد الرحمن الخضر، والمتعافي، وطه، وخلافهم. وبغير الحديث عن الأولويات المختلة للإنفاق الحكومي وتخصيص نسبة تبلغ ال ٧٠٪ من الميزانية للأجهزة الأمنية، والانفاق العسكري، والقصر، وإهمال الإنفاق على الصحة والتعليم وخصخصتهما. كذلك لا يستقيم الحديث حول الاقتصاد بغير الاشارة للدولة الزبائنية clientelist state، ودولة المحسوبية patronage state.. فالنظام بحكم طبيعته وهيكله لا يستطيع خفض الترهل الحكومي لأنه مبني على شراء التأييد عن طريق الوظيفة الحكومية، ما أدى لهذا التفتيت الذري للولايات، واستيلاد ولايات جديدة، كل حين وآخر، بواسطة الانقسام الأميبي، لخلق وظائف جديدة لمؤيدين جدد. فعلى سبيل المثال، دارفور، التي كانت ولاية واحدة، قُسِّمَتْ لثلاثة ولايات، ثم ما لَبِثَت أن تكاثرت، مثل الفطر، إلى خمس ولايات. وكردفان التي كانت ولاية واحدة، قُسِّمَت لولايتين، ثم صارت ثلاث ولايات. وهكذا حتى بلغ عدد ولايات البلد ١٦ أو ١٧، والله أعلم.

هذه الحكومة المترهلة تحتاج لمصادر مالية ضخمة، مثل مصادر المملكة السعودية، لكي ما تعمل. ومعضلة النظام الحقيقية أنه واقع بين مطرقة العجز عن توفير المال اللازم لتزييت تروس هذه الماكينة الضخمة من جانب، وسندان العجز عن تقليصها من الجانب الآخر. وعجزه عن تقليص حجم الحكومة إنما هو عجز هيكلي يستحيل عليه إصلاحه. لأنه، إن فعل، سيكون بمثابة بتر أطراف الجسم واحدا بعد الآخر، وهذا أمر، بطبيعته، لا ولن يتم اختيارا. إذن هناك حتمية مؤكدة وهي أنه ستجيئ اللحظة التي سوف تتوقف فيها هذه الماكينة عن الحركة قريبا، مما سوف يُعَجِّلُ بانهيارها. وحينها سوف “تَبْرُك” الدولة، أي تُنِيخُ عن نفسها، مثل البعير المثقل بالأحمال، حتى وإن لم تُنِخْها المعارضة.

ولقد لفت نظري حديث السر عن “تنامي اتجاه الناس إلى أخذ مصيرهم بأيديهم”، نتيجة لفشل الحكومة الاقتصادي. ومثال ذلك “ما شهدته قرية ود بلال بالجزيرة، التي كونت لها شركة للاستثمار والتنمية، وجعلت من سكان القرية حملة أسهم فيها”. أقامت هذه الشركة التعاونية مشاريع ناجحة، واستطاعت توفير التأمين الصحي لسكان القرية، وتقديم الخدمات الاجتماعية، ورعاية الأسر الفقيرة. اجتذب نجاح التجربة اهتمام أهل القرى المجاورة، فصاروا يَحِجُّون إليها لدراسة التجربة بهدف تطبيقها على واقعهم. ومضى السر سيد أحمد ليقول “أثبتت التجربة أنه يمكن عمل شيء إيجابي رغم البيئة الطاردة التي تتميز بغياب السياسات، وعدم ثباتها، وتعقيد الاجراءات، وانعدام الشفافية، في مشاريع الاستثمار الأجنبية، والتباس علاقتها بالسكان المحليين، وعمليات الفساد والمباغتة في القرارت التي تجعل من التخطيط والترتيب أمرا من الصعوبة بمكان”، ورغم ذلك ينصح الحكومة، الموصوفة بكل هذه الصفات المعوقة للاستثمار، أن تتدخل وتعمل على تعميم تجربة قرية ود بلال، في جميع محليات البلاد، وتسهيل إجراءات إنشاء مثل هذه الشركات الريفية. ومرة أخرى يفاجئنا السر سيد أحمد بنتائج لا تتسق مع مقدماته. إذ يستغرب المرء من دعوته لنفس الحكومة الموصوفة في الفقرة أعلاه، وليس حكومة أخرى ربما تأتي في المستقبل، بدس أنفها في تجربة نجحت بعيدا عنها، لتفسدها. فكأن فاقد الشيء، بالنسبة للسر، يمكن أن يعطيه. في الحقيقة يحتاج المرء لقدر هائل من التفاؤل، وكذلك لحسن نية من النوع الذي يفرش الطريق إلى جهنم، وقدر من الموضوعية التي تعبر الحدود إلى الغفلة، objectivity to a fault لكي ما يقترح مثل هذا الاقتراح.. خصوصا وأنه يخبرنا أن التجربة تنمو وتنتشر طبيعيا، وأن القرية باتت تستقبل وُفُودَ من قُرَى مُجاورة تسعى لاستلهام تجربتهم. فالواضح من سرد السر سيد أحمد نفسه أن شرط نجاح التجربة كان البعد عن الحكومة. وأنه افترع سرده بأن الناس “تريد مسك مصائرها بيدها”، يعني “ما بِيَدِ الحكومة”.

إن هذه التجربة يمكن أن تُقْرَأ قراءة ثانية ومختلفة، حيث يمكن النظر إليها كنوع من أنواع المقاومة. فقد استغنت القرية عن الحكومة، وأدارت لها ظهرها.. شَقَّت قرية ود بلال طريقها للحصول على مصادر رزق، وتوفير فرص عمل، وتوفير خدمات، ومحاربة الفقر في مجتمعها، بنفسها، دون حاجة للحكومة. فهذه القرية إذن ملأت فراغ الحكومة، وفعلت ذلك بواسطة العمل الأهلي ومجتمعها المدني، ولم يبق لهم سوى إعلان الاستقلال ورفع علمهم الخاص بهم على سارية قريتهم.  فهل هناك مقاومة أنجع من هذه؟

نواصل.

الحلقة الأولى على الرابط

الدعوة لدخول الانتخابات كوسيلة لمقاومة النظام: ما وراء الفكرة

الحلقة الثانية على الرابط

الدعوة لدخول الانتخابات كوسيلة لمقاومة النظام: ما وراء الفكرة(٢)

الحلقة الثالثة على

الدعوة لدخول الانتخابات كوسيلة لمقاومة النظام: ما وراء الفكرة (٣)