عثمان ميرغني
يوم الجمعة الماضي وعلى “كورنيش” النيل صادفتُ مجموعة من الشباب الغض حوالي عشرين يتحلقون وقوفاً – إذ لا مكان ولا مقاعد للجلوس- حول أحدهم يمسك بإناء حديدي ويستخدمه كطبل ليغنوا حوله ومعه.. والمشهد ربما عادي مرَّ بالكثيرين، يعبر عن محاولة مستميتة من الشباب فرض مساحة تنفيس في عاصمة جافة من جمال الروح تتزين بالأزمات..

حسناً؛ إن كان هذا حال شباب من أحياء سكنية مرموقة.. وفي موقع سياحي أثير مثل شاطئ النيل، فكيف بملايين الشباب في أحياء أو مدن أو قرى لا تملك معشار ما أتيح لهؤلاء الشباب؟

بالله عليكم.. أين يجد الشباب مواقع يمارس فيها استكشاف الذات وتطويرها فضلاً عن الاسترخاء.. فالترفيه ليس مجرد تنفيس، بل هو إبداع وفن لا تمارسه إلا أنفس مبدعة وفنانة..

أتعلمون أين يذهب بقية الشباب الذين لم تتوفر لهم “طبل” ليمارسوا بها شظف الترفيه الفقير؟ أغلب الظن تحتويهم جلسات المخدرات ورفقة الظلام الدامس والبحث عن الموت غرقاً في بحور الأحزان واليأس.

يا أهل السودان.. شبابنا يغرق أمام أعيننا.. أمس نشرت الصحف تصريحاً لرئيس اللجنة الاجتماعية بالمجلس الوطني (البرلمان)، أنَّ نسبة إدمان المخدرات بلغت 20% من جملة شبابنا السوداني.. بمعنى أنَّ واحداً من كل خمسة شباب سقط في جب المخدرات اللئيم.. أأيقاظ أمية أم نيام!

شبابنا لم يخلقوا من ضلع أعوج، يحملون في جيناتهم الانحراف.. لا.. لكن التغافل عن مشكلاتهم وتوفير أسباب الحياة الكريمة لهم تحطمهم أولاً، وتحرم المجتمع من رحيقهم، وثمارهم..

طبعاً أعلم تماماً أنَّ هاتفاً بداخلكم يقول (نحن في شنو والعثمانية في شنو؟) البلاد تعتصرها أزمات غلاظ من كل جانب، فمن أين لنا بعقل ينظر في حال الشباب ويسترحم الحال الذي يعصف بهم.. لكن صدقوني هي قضية واحدة، أزمة الاقتصاد من أزمة الشباب.. وأزمة الشباب من أزمة الاقتصاد وكلتا الأزمتين من رحم السياسة والساسة..

الأزمة واحدة لكن تعددت رؤوسها التي تطل بها.. فشل سياسي يتبعه فشل اقتصادي يتبعهما فشل اجتماعي.. ومحال حل الحال دون إصلاح مؤسسي.. يطهر البلاد من رجس الفشل الذريع.. لن ينصلح حال بلد مؤسساته الإصلاحية نفسها معطوبة..

تصوروا مؤسسة في مقام جامعة الخرطوم، عِزنا وفخرنا الوطني.. كان الأولى أن تكون هي الحاضنة الأكثر أماناً للشباب، منصة الإصلاح إليها يلجأ الوطن والمواطن، ولكن يا حسرة على شاعرنا إسماعيل حسن وهو ينطق بالحكم المرير:

(حليل الكان بِهدي الغير.. صِبِح محتار يَكُوس هَدّاي)..

أرى تحت الرمادِ وميض نارٍ، ويوشك أن يكون لها ضرام.
التيار