نبيل أديب

أصبح الآن موضوع إصدار الدستور الدائم مطروحا في الساحة السياسية . فى هذه المساهمة البسيطة نرغب فى تناول مسألة أساسية فى صناعة الدستور، وهى تتعلق بالمبادئ فوق الدستورية التى يجب أن يلتزم بها المشرع الدستوري. إصدار دستور جديد يعنى العودة لمنصة التأسيس لأن الدستور لا يصدر عن السلطة التشريعية العادية، وبغض النظر عن الطرق المختلفة لتكوين منصة التأسيس، فإننا نرمى هنا للبحث فى الحدود الموضوعية التى تقيد تلك المنصة .

الدستور هو مجموعة الأحكام التى التى بموجبها تحكم دولة ما، فالدستور هو ثيقة الغرض منها تحديد السلطات العامة فى الدولة، وكيفية توليها وممارستها. يوزع الدستور الإختصاصات بين السلطات العامة فى الدولة، ودرجة الفصل بينهم، و الرقابة المتبادلة بين تلك السلطات، إضافة لعملية تحديد سلطات الدولة فى مواجهة الأفراد. عملية صناعة الدستور هى عملية تهدف لإنتاج مسودة دستور جديد، قادر على البقاء لفترة معقولة من الزمان يتم من خلاله إدارة الصراع السياسى فى الدولة، دون الإنزلاق للعنف. للوصول لذلك لا بد أن تأتى المسودة كنتاج لعملية حوار مستمر تستقطب المكونات الفاعلة فى المجتمع، للتوصل لإطار مقبول لإدارة الصراع السياسى بينها. الدستور القادر على البقاء لفترة معقولة من الزمان هو بالضرورة دستور ديمقراطي، والدستور الديمقراطي ليس نمطاً واحداً، فقد يكون دستوراً لدولة متحدة، أو فيدرالية، كما وقد يكون دستوراً يقيم نظاماً رئاسياً، أو ملكياً، والنظام الرئاسي، قد يكون برلمانيا أو رئاسياً، أو خليط بين الإثنين، وبعض الدساتير أشد تمسكاً من غيرها، فيما يتعلق بالفصل بين السلطات، ومراقبة السلطات لبعضها البعض. ولكن ما يميز كل هذه الأنظمة من بعضها البعض لا صلة له بديمقراطية الدستور، فكل هذه الأشكال الدستورية من الممكن أن تكون ديمقراطية أو إستبدادية، والفرق بينها أشار له بوبر حين عرفها في كتابه “المجتمع المفتوح وأعداؤه” بأنها ” النظام الذي يسمح بإزاحة الحكام دون اللجوء الي القوة “. وهذا يعنى خضوع الحكام لمحاسبة الشعب للمدى الذى يسمح للشعب بتغيير حكامه بإستخدام الآليات التى يوفرها الدستور. أساس ذلك تحديد سلطات الدولة فى مواجهة الأفراد، وتوجد الأحكام التى توفر ذلك التحديد عادة فيما أصبح يُعرف بوثيقة الحقوق. وثيقة الحقوق يذكر عنها توماس جيفرسون أنها هى “تلك الحقوق التى يتمتع بها الشعب فى مواجهة أى حكومة فى العالم، وهى حقوق لا يجوز لحكومة عادلة أن ترفضها”. ديمقراطية الدستور فى تقديرنا تبدأ وتنتهى فى وثيقة الحقوق. أساس وثيقة الحقوق حدده ماديسون فى خطابه للمؤتمر الذى أقر التعديلات العشر الأوائل فى الدستور الأمريكى المعروفة بوثيقة الحقوق بقوله” أساس وثيقة الحقوق هو أن تقوم بتحديد سلطات الحكومة، وتؤطرها، بأن تخرج من نطاق تلك السلطات تلك الحالات التى يمتنع فيها على الحكومة أن تفعل شيئاً، أو أن تفعل ذلك الشئ فقط بطريقة معينة. ”

صناعة دستور ديمقراطي

صناعة دستور ديمقراطي ، تعتمد على شكل التوصل لمسودة الدستور، بنفس القدر التى تعتمد به على محتوى مسودة الدستور ، لأن إشراك الجميع فى التوصل لأحكام توفر أساس ديمقراطى للحكم يؤكد إشاعة وقبول الثقافة الديمقراطية بين التنظيمات السياسية وذلك يضع أساساً للمارسة الديمقراطية التى يرجى أن ترسيها الأحكام المزمع تبنيها. أضف لذلك أن إشراك الجميع فى التوصل للمسودة بشكل توافقى يدعم ثبات الدستور ويمنع الإنقلاب عليه فيما بعد. لذلك فإن إشراك الجميع فى صناعة الدستور ومنحهم الزمن الكافى للحوار لا يساعد فقط على التوصل لتبني الشكل الديمقراطي للدستور، بل أيضاً على إستدامته. حتى تتم صياغة دستور يجمع عليه الفرقاء المكونون للتجمعات المختلفة داخل الدولة، فإنه لابد من التوصل لدستور لا تتم فيه فرض رؤي مجموعة واحدة، ولا يهدف لتجميد التوزيع القائم للسلطة والثروة ، بل يسمح للجميع أن يتعايشوا فى إطار يقبلهم جميعا، ويسمح بتداول سلس للسلطة.وهذا يعني  أن يعبر الدستور عن إرادة الأغلبية دون أن يهدر حقوق الأقلية، وأن يضمن أن إجازة أى تعديلات للدستور لا تخرق حق الأقلية، أو تفرض إرادة أغلبية مؤقتة، وذلك لا يتحقق إلا بمنع الطغيان، فالطغيان في نهاية الأمر، هو إستخدام السلطة لحسم الخلافات. واقع الأمر هو أن الديمقراطية ترتكز بنفس القدر، على حقين وهما الحق فى المساواة والحق فى الحرية. وبالتالى فإنه يمكن التعرف علي مدي توفر الديمقراطية في النظام بدرجة وجود الحرية والمساواة في ذلك النظام.

الحق فى المساواة و سلطة الأغلبية

الحق فى المساواة أمام القانون يعني تمتع المواطنين بفرص متساوية، وعدم جواز التمييز بينهم بسبب الجنس أو العنصر أو العقيدة، وهذا الحق يقتضى أن يشتركو جميعاً فى إدارة شئونهم بقدر متساو، وهو ما يتم التعبير عنه بمبدأ صوت واحد للشخص الواحد، وهذا يعني في نهاية الأمر أن يكون القرار في يد الأغلبية، وهو ما تتحقق به الديمقراطية في جانبها الإيجابي. ويمكن التعرف علي الأنظمة غير الديمقراطية من وجود العوائق التي تحول بين الأغلبية وبين ممارسة السلطة، ويظهر ذلك في أكثرصوره خشونة، عندما تحتكر أقلية السلطة، وتمارسها دون رقابة حقيقية من الأغلبية، وذلك إما بعدم السماح للشعب بالتعبيرعن رأيه في إنتخابات دورية لإختيار الحكام، أوبالسماح بإنتخابات دورية شكلية يتم تفريغها من القدرة الحقيقية علي تغيير الحكام. ولكن الخشية على الديمقراطية لا تنتهى بمنع طغيان الأقلية بل أيضاَ بمنع  الوقوع فى فخ طغيان الأغلبية.

الحق فى الحرية وحق الأقلية

”  إننى إذ أرفض منح السلطة المطلقة التى تجيز فعل أي شيء لأي شخص ، أرفض أيضا منحها لأي عدد من الأشخاص ” أليكس دي توكفيل

” يجب أن يتم تقييم البلد بالطريقة التي يعامل بها أقلياته ” غاندي.

إذا كان الحق فى المساواة يمنع طغيان السلطة بإخضاعها لأرادة الأغلبية، فإن الحق فى الحرية يُخضِع إرادة الأغلبية لحقوق الأقلية، إذ أن سلطة الأغلبية لايجوز أن تكون مطلقة وإلا قادت للطغيان، والطغيان مرفوض حتى ولو مارسته الأغلبية، السلطة المطلقة هي عنصر غريب عن الديمقراطية، حتي لو كانت سلطة غالبية الشعب. فكما أن السلطة العامة لا يجوز أن تكون سلطة مطلقة، بل تخضع للحدود المقبولة للنظام الديمقراطي، فإن سلطة الأغلبية أيضاً يجب أن تخضع للحدود المقبولة للنظام الديمقراطي، وهذه الحدود هي عدم إنتهاك حقوق الأقلية. واقع الأمر هو أن المساواة التي تقود الي وضع القرار في يد الأغلبية، توفرها نفس الحقوق التي تمنع طغيان الأغلبية، فالحريات الأساسية الأكثر أهمية توفر الحرية للأغلبية والأقلية معاً، وهى إذ تفعل ذلك تمنع تغول الأغلبية، على حقوق الأقلية، فحرية التجمع والتنظيم، وحرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة، هى حريات لا يجوز للقانون الإنتقاص منها وهذ يمنع الأغلبية من إنتهاكها، ولكنها أيضاً تدعم سلطة الأغلبية، لأن تلك الحريات تساعد في ان يكون للمواطن إختياراً مدركاً Informed decision مما يساعد الأغلبية على التوصل للقرار الصحيح ، بما يوفره لها من معلومات وما يتيحه من نقاش، و بدون ذلك يتم إفراغ خيار الأغلبية من محتواه، ويخضعها عن طريق تجهيلها لتأثير الأقلية المسيطرة، وهذا يقضى على حكم الأغلبية، فعدم السماح بالنقاش الحر، وإحتكار الحكومة لوسائل الإعلام، أو إستخدامها السلطة للتضييق علي المخالفين في الرأي، كل هذا ينتهي بالإخلال بالمساواة و يؤدي الي عدم تمكين الأغلبية من ممارسة حقها في إتخاذ القرار. من الجانب الآخر فإن طغيان الأغلبية السياسية يؤدي الي إفساد الحق فى المساواة، فمبدأ المساواة يفرض إقامة العملية الإنتخابية علي أساس صوت واحد للشخص الواحد، ولكن طغيان الأغلبية يمنع ذلك، لأنه إذا سُمِح للأغلبية بأن تقمع حقوق الأقلية في التنظيم والتعبير وتلقي المعلومات، فإن ذلك يمنع حق الأقلية في أن تحول نفسها لأغلبية، فحق الشعب فى أن يقرر يتضمن بالضرورة حقة في أن يغير قراره، وهذا الحق يعبر عن نفسه بصيانة حقوق الأقلية ولكن إذا سمح للأغلبية التي فازت فى الإنتخابات بأن تحول نفسها لأغلبية دائمة، عن طريق قهر حقوق الأقلية، فإن الديمقراطية كحكم للشعب تتحول الي ديكتاتورية. إذاً فإن وضع السلطة المطلقة في يد الأغلبية يخل بأساسى المجتمع الديقراطى وهما الحرية والمساواة.

 ضرورة تفادى تكرار تجارب الدساتير السابقة

سيادة الشعب تعنى أن ينبع الدستور من إرادة الأمة، ولكن لا تعنى أن تلك الإرادة لاتخضع لأى قيود، بل على العكس من ذلك فإن هنالك قيود موضوعية يجب أن لا يخرج عنها واضعو المسودة، ونعنى بذلك ما لا يجوز للدستور أن يشمله من أحكام، أو ما لا يجوز للدستور أن يغفله من أحكام، وذلك لأنه حتى لو تمت صناعة الدستور بشكل مثالى، ساهم فيها مجموع المكونات السياسية والثقافية والإثنية، وتم فيها التوافق بشكل مثالي، فإنه يتوجب أن يأتى الدستور معبراً عن العقد الإجتماعي الملزم بين الشعب والسلطة، بحيث لا تسلل إليه نصوص تجعل منه معبراً عن غلبة تيار واحد، لان مثل هذا الدستور لن يكون مقبولاً لمدى زمني معقول. بالرغم أنه ليس من المقبول تصور صدور دستور دائم، جامد جموداً مطلقاً بمعنى وثيقة لا تتعدل، ولا تتبدل، ابد الدهر، فإنه ايضا ليس من المعقول أو المرغوب فيه تكرار تجارب الدساتير السابقة، والتى لم يتعدى بقاء أى منها سوى سنوات معدودة، و لم يتجاوز العقد الواحد بينها سوى دستور 73، وهو تجاوز غير حقيقى لأنه لم يحظى خلال فترة سريانه التى لم تزد عن إثنتى عشر عاما بقبول لا من الشعب، ولا من السلطة الحاكمة. فهى فترة قضاها الشعب فى محاولات متكررة لإسقاط ذلك الدستور، وقضاها النظام من جانبه فى خرقه .

حتى يمكن إصدار دستور له إستمرارية معقولة فإن ذلك لابد أن ينبنى على حوار حقيقي يؤدى إلى قبول حقيقي لمبادئ دستورية أساسية، لا يمكن الأتفاق بأى أغلبية على إستبعادها من الدستور، أو على أو على إحلال أحكام لا تتفق معها، وإلا  كنا مزمعين على الإعراض عن خبراتنا الدستورية، ومقبلين على إعادة الأزمات التى مررنا بها من قبل .

تجربة جنوب إفريقيا

فى 11 فبراير 1990 تم إطلاق سراح نيلسون مانديلا وإنهاء 27 عاما من السجن الذى بدأ فى عام 1962 كان ذلك مؤشراً لقبول النظام العنصري فى جنوب أفريقيا لضرورة التوصل  لحل تصالحي ينهى النظام العنصري الذى لم يعد مقبولاً داخلياً ولا خارجياً، وبدأت المناقشات المضنية بين النظام العنصري القائم، وبين حزب المؤتمر الوطني الافريقي بقيادة مانديلا، والتى إنتهت فى عام 1994 حينما صدر الدستور الإنتقالي، الذى تم بموجبه إجراء إنتخابات أسفرت عن فوز المؤتمر الوطنى الإفريقى بأغلبية مقاعد البرلمان، وتولى نيلسون مانديلا رئاسة الجمهورية، وأصبح ديكليرك النائب الاول، وإمبيكى نائباً ثانياً، فى حكومة الوحدة الوطنية وهو مشابه لوضع مؤسسة الرئاسة فى السودان، مع ملاحظة أن توزيع السلطة فى السودان تم دون إجراء إنتخابات وأن الحزب الحاكم قبل صدور الدستور الإنتقالى ظل يحكم بعد صدوره، محتفظاً برئاسة الجمهورية ومنصب النائب الثاني، إضافةً لأغلبية أعضاء مجلسى البرلمان و أعضاء مجلس الوزراء، تاركاً للحزب المعارض منصب النائب الأول فقط. وهذه الإختلافات هى التى قادت إلى الإصلاح الديمقراطي فى جنوب إفريقيا والإبقاء على الوضع القائم فى السودان .

طوال فترة المفاوضات التى سبقت دستور 94 المؤقت، لم يكن الوضع هادئا ولا سلميا، فقد ظل العنف سائداً فى جنوب إفريقيا وقتل ما يزيد عن أربعة عشرة ألف شخص، فى السنين الأربع التى  تلت إطلاق سراح مانديلا، وإننتهت بتوليه الرئاسة. صدر دستور 94 المؤقت على أساس أن يظل العمل قائم به لمدة سنتين فقط، يتم فيها صياغة الدستور الدائم، وقد تم تكوين حكومة الوحدة الوطنية والتى تم فيها إقتسام السلطة ليس خبط عشواء كما حدث فى السودان، بل إنعكاساً لنتيجة الإنتخابات، فتمثل فى الحكومة الأحزاب التى نالت 5% فأكثر من الأصوات بالنسب التى حصلوا عليها. ما يعنينا هنا هو أن الجمعية التأسيسية التى إنتخبت لصياغة الدستور الدائم، تم تحديد سلطاتها فى الجدول الرابع بعدد 34 مبدأ دستوريا يجب أن يتضمنها الدستور القادم. وقد تضمن ذلك الجدول مبادئ تتعلق بإقتسام السلطة، بين المستوى القومي، وما دونه ومبادئ تتعلق بحقوق الأقليات، وأخرى بحقوق الإنسان، وإجراءات تعديل الدستور، كما وتضمنت مبادئ الفصل بين السلطات، وإستقلال القضاء، وخضوع الحكومة للمحاسبة، والمبادئ التى تجعل ذلك ممكناً عن طريق حرية تلقى المعلومات، ووضع الدستور المؤقت آلية للتيقن من أن المبادئ الدستورية قد تم تضمينها فى مسودة الدستور الدائم، وذلك بأن تتطلب إجازتها من المحكمة الدستورية .

كانت الجمعية التأسيسية قد عقدت جلسات سماع متعددة، وطلبت من الجمهور التعليق على المسودات المختلفة، وقد تلقت ما يزيد على 2 مليون رأى، وتعليق قبل إصدار المسودة النهائية، وقد عمدت المحكمة الدستورية، وهى محكمة حديثة التكوين إذا أنها تم تكوينها مع نفاد الدستور المؤقت، طلبت المحكمة الدستورية من كل الأحزاب السياسية والأفراد أن يتقدموا بتعليقات حول مواءمة المسودة للمبادئ الدستورية، ورغم أن خمسة أحزاب سياسية، وعدد من المنظمات قد تقدموا بتعليقاتهم، إلا أن المؤتمر الوطنى الأفريقي لم يقدم أى تعليق وذلك لأنه كان يؤيد المسودة، وبهذا وضع الحزب الغالب المحكمة الدستورية فى مأزق أن يكون قرارها ذو صبغة سياسية، من حيث أنها إما أن تنتصر للحكومة، أو للمعارضة، وقد قررت المحكمة أن بعض المواد المضمنة فى المسودة تخرق المبادئ الدستورية .

قررت المحكمة الدستورية أن المسودة خرقت المبادئ الدستورية، من حيث أنها لم تمنح سلطات واضحة للمستويات الأقل من المستوى القومي للحكم، وكان ذلك بسبب أن حزب المؤتمر الأفريقي لم يكن راغباً فى منح سلطات لمحليات لم يكن يتمتع فيها بأغلبية، رغم تمتعه بالأغلبية على المستوى القومي. كذلك فقد رأت المحكمة الدستورية هنالك خرقا للمبادئ الدستورية، فى المسودة حين حصنت بعض القوانين من سلطة المراجعة القضائية، وكذلك رأت أن الحقوق والحريات العامة لم يتم تضمينها بالشكل المطلوب فى المسودة، وبعد أن أعيدت المسودة للجمعية التأسيسية، قامت الجمعية التأسيسية بالتعديلات المطلوبة، ومن ثم تمت إجازة المسودة بشكل نهائي فى ديسمبر 96. ورغم انه كان من الواضح أن حزب المؤتمر الوطني الافريقي سينال الأغلبية فى أى إنتخابات مقبلة، فى المدى المتوقع، إلا أنه لم يستطع أن يمرر أجندته فى مجملها، بل إضطر للتنازل عن بعض منها .

المبادئ فوق الدستورية والأساس الديمقراطى

الدعوة لتبنى مبادئ معينة لا يمكن لأى أغلبية إستبعادها من الدستور القادم، أو على إحلال أحكام لا تتفق معها فيه، قد تبدو للنظرة المتعجلة وكأنها مخالفة للأساس الديمقراطي الذى نزعم أنه هو الأساس الوحيد القادر على منحنا دستور يمكن له البقاء لمدى زمنى معقول، بحساب أعمار الدساتير، لتعارضها مع مبدأ سيادة رأى الأغلبية ولكن ذلك غير صحيح، فمن جهة من المؤكد أن النظام الديمقراطي لا يقوم على قرار الأغلبية فحسب، بل يتطلب بالضرورة الحفاظ على حقوق الأقلية، ومن جهة أخرى فإنه مهما توفر للمبادئ المنافية للأحكام فوق الدستورية من أغلبية فإنها تفتقد التفويض اللازم لتبنى أحكام معينة فى الدستور. وذلك لأن الدستور هو القانون الأعلى للبلاد، وهو التعبير عن الإرادة الشعبية عن كيف يتم حكم البلاد، إلا أن هنالك صعوبات لا يمكن أن تخفى على أحد متصلة بذلك، فتفويض الشعب للسلطة التشريعية محدد من حيث الزمان والسلطات، فهو محدود من حيث الزمان بدورة واحدة، يسترد بعدها الشعب تفويضه، وهو إضافة لذلك محدد من حيث السلطات بحدود عدم تجاوز الحدود الدستورية للتشريع. والسؤال هو ما هى حدود التفويض بتشريع الدستور، فالدستور رغم أن شرعيته تقوم على رضا المحكومين فإن التفويض الشعبي بإصداره يثير صعوبة تتعلق بشرعية تفويض صادر من الشعب فى لحظة زمنية معينة، بالنسبة لدستور يراد له أن يحكم الأجيال القادمة، التى لم تفوض أحداً لإصداره. لذلك فإنه لابد من أن يتم تحديد مبادئ دستورية لا يجوز تجاوزها بالنسبة للهيئة التى ستضع الدستور بتفويض من الشعب، لأن الشعب نفسه لا يمتلك سلطة تجاوزها. وهذه المبادئ الدستورية التى لا يجوز تجاوزها تتصل بالحريات العامة، التى لم يتنازل الشعب عنها حينما قرر إقامة سلطة يخضع لها فى حدود القانون، فهو قد إشترط بالضرورة عدد من الشروط منها خضوع السلطة للقانون، وخضوعها لمحاسبة الشعب على أسس دورية . الغرض من تبنى المبادئ الدستورية هو بدون شك تفادي طغيان الأغلبية ، وذلك بفرض حدود على قدراتها التشريعية، بالنسبة للدستور وبالنسبة للقانون، فبالإضاقة لأهمية ذلك بالنسبة للمجتمعات التى تفتقد التجارب بالنسبة للإنتخابات، والحريات الفردية، فإنها مهمة لكل المجتمعات، من حيث تحديد الحدود التى يتم تنازل الفرد والمجموعات المختلفة عن حريته وحرياتهم، لقاء ما توفره الدولة لهم من أمان، فأى تشريع يتيح للدولة أكثر مما هو مطلوب من الفرد أن يتنازل عنه من حرية يؤدى بالضرورة لطغيان السلطات العامة، ويفقد الشعب حرياته الاساسية،. يقول جون ستيوارت ميل ” إن الغرض المشروع الوحيد لممارسة السلطة علي شخص ضد إرادة ذلك الشخص، في مجتمع متحضر، هو منعه من الإضرار بالآخرين ”  وما ينطبق على الفرد ينطبق على المجموعات الثقافية والإثنية وعلى الفئات الاضعف فى المجتمع .

نبيل أديب عبدالله

المحامي