خالد فضل

  شهران وتدخل الإنقاذ عامها الثلاثين في السلطة , خلال ثلاثة عقود تغيّرت البلاد أرضا وبشرا ومواردا , سمة التغيير سلبية مع الأسف , وأبسط مقارنة مع دولة جوار بمعطيات مشابهة وموارد أقل تعطي الإجابة القاطعة حول سلبية ما حدث في بلادنا . الآن نعيش في واقع انحلال الدولة السودانية التي تشكّلت خارطتها عقب الغزو الإنجليزي المصري للسودان في نهاية القرن التاسع عشر , وانتهى مشروع الإنقاذ المسيطر منذ يونيو1989م إلى محاق , لم يعد هناك مشروع سياسي بعد تحلل ما تسمى بالحركة الإسلامية واندثارها , التنظيم الجامع الذي ابتدأ مع الإنقاذ بمسمى المؤتمر الوطني صار ذكرى من الماضي يطوف حول كعبته نفر من أرباب المصالح الخاصة , باتت مصطلحاته لا تثير التفاتة أحد , أمين أمانة كذا ومسؤول كذا مما تتداوله نشرات الأخبار (المعسّمة) , انكشف الخواء الفكري لطبقة الإسلاميين الذين ملأوا الأرض ضجيجا لعقود من الزمان قبل الإنقاذ وبعدها .

  تناسلت الأزمات وتحوّرت لتصير كوارثا تحيط بالوطن من كل جانب وتنخر في جسده حتى أحالته إلى حالة ميئوس منها , فكل أزمة صغيرة كان يمكن علاجها بيسر استطالت وتشعّبت حتى باتت تعجز أمهر النطاسين ! والسبب وراء ذلك واضح , فقد تمّ تدمير بنية الخدمة العامة بشقيها المدني والعسكري , صارت الوظائف العامة غنائم يتشبّث بها من يحظى بمقعد فيها نظير مرتّب وحوافز وتسهيلات خاصة به وبمن يعول لذلك نلحظ احتدام الصراع والتنافس في أوساط ذوي المناصب ليس على أسس المصلحة العامة أو حل الأزمات أو تقديم جهد وخبرة وتجربة مفيدة بل على العكس يبدو أنّ أساس الصراع هو التقرّب أكثر لمن بيده الأمر والنهي رئيسا كان أو واليا أو وزيرا أو مديرا , هذه جرثومة إنقاذية قاتلة أصابت بعضا  من غير أتباع الإنقاذ وربما يعتبرون في عداد المعارضين لها , فالخوف على الوظيفة بات سمة ملازمة للكثيرين في اصغر الوظائف كما في أعلاها , ولعل الظروف الإقتصادية الطاحنة ومكابدة واقع عيش مضن ومرهق دون أفق في فرج قريب قد جعل الموظفين العموميين يتغاضون عن واجباتهم المهنية ويمنحون ضمائرهم إجازة مفتوحة بزعم كسول مفاده لو أنا عملت الصحيح حأفقد وظيفتي , وأقطع عيش أولادي , فهل تقبل لي ذلك ؟ عندئذ يرتد صاحب الحاجة إلى ضميره فيوافق المسؤول على ما فعل بدافع الحرص على معايش الأولاد , هذا الانهيار الأخلاقي الشنيع هو ما يسود الآن في معظم إن لم يكن كل جهاز الدولة وبنيتها في الخدمة العامة , وهو واقع أفرزته سنوات القهر الإنقاذي المتطاولة والتي تبدو بلا نهاية في أذهان الناس , وهو إلى ذلك من مؤشرات ضعف المعارضة التي لم تحسن تنظيم صفوفها بصورة عملية من أجل كسب تعاطف غالبية الشعب ومن ثمّ ممارسة الضغط الكافي لتعديل الموازين على الأقل , فكل أزمة تعبئ الناس ضد الإنقاذ بصورة عفوية ولكنها تتناسل  بصورة أسوأ دون أن تعوّل معظم الجماهير على فعل معارض رصين ومفيد , في الحقيقة يتجه كل فرد إلى معالجة ورطته بمفرده بأي صورة لا يلقي بالا لكرامة أو قيمة انسانية أو وطنية , غابت مفردة المصلحة العامة من كثرة ما ارتكب من جرائم تحت لافتتها , فقد أبيدت قرى وفرقان ومزارع ومساكن وأراض ومساجد حتى بزعم المصلحة الوطنية كما حدث في حريق دارفور , ومارست الإنقاذ الوحشية ضد مطالب عادلة وعادية في كل منشط من مناشط الحياة , في مناطق السدود أو حزام النزاع المسلح الذي يستغرق نصف مساحة السودان تقريبا , وحتى في سوح الجامعات وشقق الخرطوم ومعسكرات التدريب وفي الأسواق وضد المزارعين في ودنعمان .

تفاقمت أزمات البلاد على يدي الإنقاذ بحيث أصبحت الأزمة هي الأصل وما عداها استثناء يستوجب الحمد وزفرة الإرتياح , فمن يحصل على جالون وقود في هذه الأيام يعتبر نفسه قد حاز القمر , والموسم الزراعي على الأبواب وملايين الأفدنة الشبقة  في انتظار (تموز) إله الخصب ليلقح (زهرته) كما في أساطير البابليين , ولكن صفوف السيارات تتلوى في فلوات المدن الريفية بعد أن ضاقت بها طرقاتها الضيقة , هذه أزمة قيد الإنشاء , والغلاء الطاحن يهرس في جنيهات البنك المركزي , وعندما يصرخ (غندور) صرخة واقع يعانيه سفراؤه في الخارج يجئ الرد سريعا وعاجلا , منو القال ليك يا سيد غندور تقول (الحقيقة) ؟ كيف تعلن إفلاس السلطة وهي التي احتكرت مليارات الجنيهات نزعتها من أصحابها الذين كانوا قد أودعوها البنوك وصارت تصرفها لهم بمعيار (قدّر ظروفك) الشائع الإستخدام في دكاكين الأحياء السكنية والقرى , فالصلصة والزيت وحتى ربع كيلو اللحمة صار قدّر ظروفك يقاس بالملعقة , والإنقاذ خيال المآتة المعلّق فوق خارطة الوطن تنخرط في ألاعيبها القذرة وفنون تعذيبها للشعب , والشعب لاه يجري ألف شخص خلف سيارة سعتها 14راكب يفرض قائدها سعر مشواره دون رحمة فيقبل الراكبون ما فرض عليهم لأنّهم أبطال نالوا مقعدا بقوة العضل ثمّ ينصرفون لسبّ الإنقاذ والحالة المرّة الكعبة التي ليس لها مثيل ويختمون نجواهم بالسؤال والإجابة عن المعارضة الغائبة أو (الله يولي من يصلح ) على أحسن الفروض , يفترقون ثمّ يعودون في آخر النهار لذات الوال وعلى واقع أكثر سؤا , ويمارسون ذات سلوك الصباح وهكذا دواليك , والإنقاذ الفانية وخيالها الجاثم بعبع يترائ للناس , في شكل مسدس محطة وقود يمسك به أمنجي يوزع الوقود بالقسط ! وفي شكل جوالات سكر يوزعها آخر بالكيلو على الصفوف , والدقيق كذلك , بينما شحنات الذهب تمر عبر المطار تهريبا , فتقوم الشكلة بين المواطنين وتتشاجر القرى في شرق النيل ووو يحدثونك عن زيادة الإنتاج والإنتاجية , وفي مفكرة الصباح ورشة عمل للضرائب عن تحقيق الربط , والسوق يجف , السلع تختفي , العلاج لمن استطاع للملايين سبيلا , ومع ذلك هناك حاتم السر وزير ومبارك المهدي كذلك ومستشار هو علي الحاج وود المهدي عبدالرحمن ! وأسرى الشيوعيين يقتادون للقاء قوش ! عمّنا صديق يوسف يقول مجبر أخاك لا بطل , وأفق الحلول يبعد والثوار يقتتلون فيما بينهم حتى أنّ حميدتي وجد الفرصة مواتية لتوزيع المصاحف على الخلاوي كما تقول لافتة منصوبة في الشارع العام قبالة قيادة الجيش ! هل انعدمت الحلول ؟ دائما أجيب من يسألني حلّا بعبارة لا أدري نجاعتها ؛ الحل موجود لكنه غير منظور في اللحظة التي نلمحه فيها سيتحقق دون شك هذا هو الأمل الوحيد .