نبيل أديب

زوجتى العزيزة، إدانتنا اليوم ستتدخل البهجة في قلوب الطغاة في جميع أنحاء العالم وسيحتفل بها الساده السكارى في عواصم العالم من شيكاجو حتى بيتر سبرج ومع ذلك فإن إعدامنا سيكون بمثابة كتابة على الحائط تبشر بسقوط الكراهية وسوء الطوية والإنتهازية والإغتيال القضائى والقهر وسيطرة الإنسان على أخيه الإنسان .
من خطاب البرت بارسونز لزوجته لوسى بارسونز يوم صدور الحكم بإعدامه .

يحتفل العالم في أول مايو من كل عام بعيد العمال ووراء تحديد هذا اليوم للإحتفال بذلك العيد مأساة حقيقية في شكل محاكمة مهزلة يجدر بنا أن نذكر ضحاياها عندما نحتفل بذلك العيد.
في أكتوبر 1885 قرر اتحاد نقابات عمال أمريكا وكندا تحديد يوم أول مايو عام 1886 لإنجاز مطلب العمال في يوم عمل لا يزيد عن ثمانية ساعات، وعندما اقترب ذلك التاريخ دعا اتحاد العمال الأمريكي لإضراب عام في اليوم المحدد لتأييد المطلب. في أول مايو عام 86 إنتظمت مدن الولايات المتحدة الكبرى مظاهرات حاشدة من العمال تأييداً لمطلبهم ،وكانت شيكاجو هى مركز الحركة وقاد بارسونز مؤسس تجمع الشعب العامل الدولي وزوجته لوسى مظاهرة قُدِّرت بحوالي ثمانين ألف شخص. قُدِّر عدد العمال الأمريكيين المضربين في ذلك اليوم بحوالي نصف مليون عامل. وفي 3/مايو تجمع عمال مضربون قرب مباني الشركة التي يعملون بها وكونوا ما يسمى بـPicket Line وهو جدار بشرى يقيمه العمال المضربون حول محل العمل لحث زملائهم على تنفيذ الإضراب .

نشب عراك حين حاول بعض العمال الذين عينتهم الشركة بديلاً عن العمال المضربين الدخول لمقر الشركة، هاجم البوليس العمال المضربين فقتل منهم أربعة عمال وجرح عددا آخر.دعت إحتجاجاً على ذلك الحركة الفوضية ـ وهي حركة يسارية تؤمن بإلغاء الدولة والملكية الفردية ـ لمسيرة في اليوم التالي في ميدان الهاي ماركت Heymarket Square وكان آنذاك مركز تجاري في قلب شيكاغو.
مذبحة الهاي ماركت
في مساء 4 مايو تجمع في ميدان الهاي ماركت ما يقرب من الثلاثة ألف عامل ، وقد ألقت القيادات كلمات من على ظهر عربة Wagon إكتسبت شهرة خاصة بعد ذلك. بدأ سبايس الخطب فذكر أنهم لم يأتوا هنا للقيام بشغب، بل القصد من الحضور إلقاء الضوء على ما حدث في اليوم السابق. وتلاه بارسونز الذي ذكر أنه لم يأتي لإثارة الجماهير وعندما إنتهى بارسونز من خطابه قرر عمدة المدينة كارتر هاريسون أن ذلك التجمع لم يكن من شأنه الإخلال بالنظام وبالتالي فقد غادر محل المسيرة .
كان الجو مكفهراً ينذر بأمطار غزيرة وبدأ بالفعل في الإنهمار مع بداية خطاب فيلدن، وهو آخر المتحدثين، مما أدى لمغادرة أغلب الحضور ولم يبق إلا حوالي ثلاثمائة مشارك . أثناء إلقاء فيدمان لخطابه تحركت قوة من الشرطة حتى وصلت على مبعدة أقدام بسيطة من الخطيب، وصرخ الكابتن وليام وارد في الجمهور ” إنني آمركم بإسم شعب ولاية إلينوى بأن تتفرقوا بسلام فوراً” فرد فيدمان “حسناً سنذهب”. في هذه اللحظة القي شخص لم يتم التعرف عليه حتى الآن، على الشرطة قنبلة يدوية على شاكلة القنابل التي يتم تصنيعها في المنزل فإنفجرت مسببة سقوط عدد منهم. فردت الشرطة بإطلاق النار عشوائياً على الجمهور . لم يستمر ما عُرِف فيما بعد بالشغب في الهاي ماركت، أكثر من خمسة دقائق، ولكنه خلف سبعة قتلى من الشرطة، وعدد غير معلوم من القتلى بين الجمهور .
خلفية تاريخية
كانت الحركة الفوضوية قد بدأها في أمريكا في الستينات من القرن التاسع عشرالمهاجرون الألمان، وهي الحقبة التي تلت إنتهاء الحرب الأهلية، وظهور نوع جديد من القيادات العمالية تدعو لتحرير الشعب العامل. وقد شهدت تلك الحقبة نمواً سريعاً للحركة الفوضوية داخل النقابات العمالية، على خلفية تبنيها لشعارات مطلبية من أهمها يوم عمل من ثماني ساعات، مما أكسبهم إحترام العمال وتأييدهم. من بين القيادات العمالية الفوضوية التي برزت في الفترة السابقة للشغب في الهاي ماركت البرت ولوسى بارسونز. ولدت لوسى بارسونز في ولاية تكساس، في عام 1853م من أصول مختلطة من الزنوج ومن الهنود الحمر. وقد تزوجت في عام 1871م من القائد العمالي البرت بارسونز، وهو مهاجر ألماني أبيض، مما دفعهما للهجرة إلى شيكاجو هرباً من إستنكار أهل تكساس لزواج البيض من العناصر الأخرى. كانت لوسى تتميز بقدرة خطابية عالية وقد كونت مع زوجها ثنائياً خطيراً في نظر شرطة شيكاجو . أسس الزوجان بارسونز صحيفة “المنبه ” لسان حال تجمع الشعب العامل الدولي وهو تجمع ساهم الزوجان مع آخرين في تكوينه في عام 1883م .
إستمرت لوسى بارسونز لسنين عديدة بعد المحاكمة المهزلة في نشاطها الثوري حتى توفيت في حريق نشب بمنزلها عام 1942م وكانت تبلغ من العمر 89 عاماً ومع ذلك فقد كانت الشرطة تعتبرها، حتى في ذلك السن، مصدر خطر على الأمن، وقد قامت بمصادرة مكتبتها الخاصة والتي كانت تحتوي على 1500كتاب، عقب وفاتها.
المحكمة المهزلة
قامت الصحف بحملة إعلامية مكثفة ضد المهاجرين الذين قادوا الشغب، كما وصفته الصحف الصفراء. وقد إستخدمت الشيكاجو تايمز لغة نارية تؤجج الكراهية فقالت “دعونا نجلد أولئك الذئاب السلافية، حتى يعودوا لكهوفهم الأوربية، التي خرجو منها” قامت الشرطة بالقبض على المتهمين في الأيام التي تلت الشغب في الهاي ماركت، ولكنهم لم يعثروا على بارسونز الذي كان قد غادر الولاية بناءاً على نصيحة زوجته. وقد تم إجراء تحقيق قضائي أمام Grand Jury أسفر عن إتهام سبايس، وشواب، وفيدمان، وبارسونز، بقتل الشرطي ديجان Degan . وقد تم بعد ذلك إتهام لينج بصناعة القنبلة التي ألقيت على الشرطة ثم أضيف ثلاثة آخرين لقائمة الإتهام.
بدأت المحاكمة في 21/6/1886م فى حضورسبع متهمين حيث كان ما زال بارسونز مختفياً، وقدأصيبت القاعة بذهول حين فوجئ الحضور بالبرت بارسونز، المتهم الهارب، يدلف بكل بهدوء إلى قاعة المحكمة، ويجلس مع باقي المتهمين في القفص، بإرادته الحرة. كان إختيار المحلفين ينبئ مسبقاً بنتيجة المحاكمة، فقد تم إختيارهم بواسطة الشرطة وليس إختيار عشوائي كما جرى العمل عليه. ولم يكن بين المحلفين أى عامل أو مهاجر أو يحمل أفكاراً سياسية غير محافظة. قدم الإتهام مولر الذي رأس إجتماع الثالث من مايو الذي قرر المسيرة، فشهد بتفاصيل القرار بتنظيم المسيرة، ولكنه أنكر أنه تم نقاش إعداد متفجرات، لأن الإجتماع لم يكن يتوقع أصلاً تدخلاً من الشرطة. تعرف شاهد مشكوك في شهادته على سبايس بإعتباره هو الشخص الذي ألقى القنبلة، وذكر شاهد يدعى تومسون أنه سمع سبايس يسأل شواب هل تكفى واحدة، أم يجدر بنا أن نأتي بعدد آخر ” وقد إستنتج الشاهد أنهما يتحدثان عن قنبلة” .
لم يقدم الإتهام خلاف ذلك ما يربط أي من المتهمين بالشغب الذي وقع في الهاي ماركت، وكانت أكثر شهادة ملفتة، هى شهادة عمدة شيكاجو هاريسون، والذي ذكر أن التجمع كان سلمياً، وأنه لم ير أثراً لسلاح لدى المشاركين، وقد ذكر أنه أخطر رئيس قوات الشرطة أن يأمر الإحتياطي بمغادرة المكان، إذ ليس هنالك إحتمال بأن تقع حوادث عنف. وقد أثبت شهود الدفاع أن كلا من سبايس و شواب كانا في عربة الخطباء بعيدين تماماً من المكان التي ألقيت منه القنبلة. كما أكد العديد من الشهود أنه عقب إلقاءالقنبلة لم يطلق الرصاص إلا من قبل الشرطة، مما يؤكد أن كل القتلى تم قتلىهم برصاص الشرطة friendly fire .أدلى المتهمون بشهاداتهم وأنكروا جميعاً صلتهم بأحداث العنف أو بالتحريض عليه. هاجم الدفاع الشرطة، وذكر أنهم ليسوا أبطالاً بل هم أشخاص وضيعين يقودهم المفتش بونفيلد، أكثر من تقلد منصباً رسمياً وضاعةً، وقد ذكر أنه يستحيل عقلاً أن يحضر بارسونز زوجته وأطفاله لتجمع يعلم أنه سيتحول إلى مسرح عنف. وذكر المحامي في نهاية دفاعه أن قرار الإتهام بالسير في الإجراءات مع ضعف البينات يعني أنه بنى دعواه على العاطفة والتحيز Passion and Prejudice وحذر المحلفين من أن يبنوا قرارهم على التحيز فيظل ذلك يطاردهم حتى القبر، وتمثل بقول المسيح ” إفعلوا للآخرين ما تودون أن يفعلوا بكم” .
في صباح 20 أغسطس 1886م أعلن المحلفون أنهم توصلوا لإدانة المتهمين الثمانية، وحكم على سبعة منهم بالإعدام شنقاً، والثامن بالسجن لمدة خمسة عشرة عامأً، وهللت الصحافة للحكم وزعمت أنه قوبل بإرتياح عام .
منح المتهمون بعد الإدانة فرصة لمخاطبة المحكمة. وجه لينق خطابه للقاضي جاري قائلاً ” أنا أحتقرك وأحتقر قوانيك فلتشنقنى لقاء ذلك” وأبدى نيب الذي حُكِم عليه بالسجن أسفه لأنه لن يشنق مع رفاقه. أما بارسونز فألقى خطاباً طويلاً ومؤثراً ذكر فيه أن إدانته نظمتها الصحافة الرأسمالية، وأن إعدامه لن يكون أكثر من اغتيال قضائي .
رفضت المحاكم الأعلى الإستئنافات التي قدمت لهم، وعندما أصبح الحكم نهائياً وقع ما يزيد عن مائة ألف شخص من مختلف العواصم العالمية على عريضة تدعو حاكم الولاية إلى إستخدام سلطته في العفو. وقد وقع كبار الكتاب على تلك العريضة منهم برنارد شو وأوسكاروايلد ولكن الحاكم خفف الحكم على شواب وفيلدن فقط من الإعدام إلى السجن المؤبد . قام لينج بالإنتحار في ليلة تنفيذ الحكم بأن فجر قنبلة في فمه.تم إعدام الأربعة الباقين في ظهر الجمعة 11 نوفمبر 1886م وقد هتف المحكوم عليهم لحظة إعدامهم هتافات تؤكد تمسكهم بمبادئهم .
العفو
تم إنتخاب المهاجر الألماني التجيلد لمنصب حاكم ولاية الينوى في عام 1892م بتأييد من العمال و أصحاب الأفكار التحررية . طالب عدد من مؤيديه أن يعيد النظر في محاكمة الهاي ماركت ففعل وهاله ما رأى من إنكار للعدالة بالنسبة لأحداث كان السبب الوحيد فيها عدم قدرة الشرطة على أداء واجبهم ،وتحيزهم ضد المشاركين في المسيرة ،ومن ثم فقد أصدر قراره بالعفو عن من بقي منهم على قيد الحياة ،وذكر ” أن الإجراءات التي أدت إلى الحكم عليهم كانت خاطئة، وتنطوي على إجهاض للعدالة .يلاحظ المرء أن الغالبية العظمى من المساجين هم الفقراء والنساء والصغار، ويبدو وأن جهازنا العقابي يجد ضحاياه من أولئك الذين يناضلون في معركة غير متكافئة من أجل البقاء” عندما إنتهى ا التجيلد من كتابة قرار العفو إلتفت إلى صديقه دارو قائلاً ” دعنى أقول لك شيئاً. من الآن فصاعداً أنا شخص ميت سياسياً” وقد حدث ما توقعه، فقد نهشته الصحافة فذكرت الواشنطن بوست “وماذا تتوقعون من شخص أجنبي مثله” بينما ذكرت الواشنطن بوست ” لا توجد قطرة دماء أمريكية واحدة في شرايين الحاكم فهو لا يفكر كالأمريكيين ولا يشعر مثلهم وبالتالي فهو لا يتصرف كأمريكي” .
بقرار من الدولية الثانية فى باريس إعتمدت الحركة العمالية يوم الأول من مايو عيداً للعمال إحتفالاً بشهداء الهاى ماركت .
نبيل أديب عبدالله
المحامي