الباقر العفيف

 

في هذه الحلقة أناقش حجتين طرحهما السر سيد أحمد في معرض دفاعه عن دعوته للقوى السياسية بالتخلي عن هدف إسقاط النظام عن طريق الثورة الشعبية، والدخول في الانتخابات القادمة. جاءت حُجَّتُه الأولى في معرض حديثه حول الفرص التي أضاعتها الانقاذ، والثانية جاءت في معرض حديثه عن فترات الانتقال.

الفرص المهدرة

يقول السر إن الإنقاذ أهدرت أربع فرص. الفرصة الأولى هي انفرادهم بالحكم وهم مسنودون بتنظيم فعال وقوة مالية كبيرة. وأَزِيدُ على قول السر، أنهم كانوا أيضا مسنودين بما هو أهم من ذلك، ألا وهو التنظيم الدولي للإخوان المسلمين. هذا الانفراد بالسلطة وَفَّر لهم تماسكا داخليا، ووحدة هدف كانت كفيلة بأن تُمكَّنهم من انطلاقة قوية لتحقيق مشروعهم. الفرصة الثانية هي نجاحهم في إحداث تغيير سياسي في أثيوبيا وأريتريا. هذا النجاح جعل منهم لاعبين مهمين في الإقليم، ووَفَّر لهم هدوءً يحتاجونه في الحدود الشرقية الطويلة مع البلدين. والفرصة الثالثة هي انتاج البترول وتَوَفُّر ريعه المُقّدَّر، بحسب السر، بحوالي ٣٠ إلى ٣٥ مليار دولار. والفرصة الرابعة هي استمرارهم في الحكم لفترة هي الأطول في تاريخ البلاد مما لم يتسنى لحكم “وطني” سواهم.

ويمضي السر للقول: “ورغم هذه الفرص فإن النظام لم يَتَمَكَّن من تحقيق استقرار سياسي واقتصادي في البلد. بدليل الأزمة الخانقة في هذين الجانبين. وعدم مقدرته على إقناع القوى السياسية من خلال ممارسته وصدقيته بالعمل السلمي واعتماد صندوق الانتخابات وسيلة للتغيير”. وهذا كلام صحيح، واضح ومستقيم. ولكن، جريا وراء عادته في عدم اتساق النتائج مع المقدمات، يضع السر نقطة على السطر، ويأتي بنتيجة من الهواء، out of the blue وهو قوله: “وبسبب مقاطعة المعارضة للانتخابات في ٢٠١٠، تَمَّ إهدار وضع طوبة في البناء الديمقراطي”.

أنظر إلى هذا التناقض البَيِّن. النظام ليس له صدقية ولم يفعل القليل الذي يقنع القوى السياسية باعتماد الانتخابات وسيلة للتغيير، مما يجعل المقاطعة أمرا منطقيا. ومع ذلك أهدَرت المعارضة فرصة وضع طوبة في البناء الديمقراطي.

وأنا كقارئ أتوقع أن تكون النتيجة مستخلصة من المقدمة، أي أن يواصل الكاتب الحديث عن النظام، ويُرِينا حُكْمَه فيه بعد أن أضاع كل تلكم الفرص التي لم تتوفر لغيره. كأن يقول مثلا: “إن نظاما توفرت له كل هذه الفرص الثمينة فأهدرها إنما هو نظام فاشل وفاقد للأهلية والشرعية. إن شرعية أي نظام حكم في الدنيا إنما يستمدها من تحقيق مشروعه للبناء الوطني. وهذا النظام أثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه ليس له مشروع للبناء الوطني. بل له مشروع أممي، لا علاقة له بوطننا السودان، أو بشعبنا السوداني. فأولويته الكبرى هي أن يخدم أجندة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين. ذلك التنظيم الذي لا يؤمن بالأوطان أصلا، ويحتقرها لدرجة أن يقول مرشده المصري “طظ في مصر”. وهدفه المعلن هو استعاذة الخلافة الإسلامية. ولذلك فإن نظاما أهدر ماضينا وحاضرنا لا يجب أن نتركه يهدر مستقبل أجيالنا القادمة ويجب علينا مقاومته بكل ما نملك ومهما كلفنا من جهد ووقت وتضحيات”.

هذه هي النتيجة المنطقية التي تقود إليها مقدمة السر سيد أحمد، ولكنه يبدو كسائق عربة في الطريق العام، يقرر فجأة ترك وجهته، وينحرف بزاوية حادة ليدهس المعارضة في الرصيف، ويحملها المسؤولية، كونها قاطعت انتخابات ٢٠١٠ وبذلك أضاعت علينا وضع لبنة في البناء الديمقراطي. ويَحَار المرء أين هو البناء الديمقراطي الذي رفضت المعارضة وضع طوبة عليه، وهو نفسه يصف النظام بعدم الصدقية، وبأن مشهده العام هو “عجزه في إحداث اختراقات وحلحلة مشاكل البلاد المزمنة، رغم قدرته الفائقة في الحفاظ على السلطة”؟ فكيف يستقيم للمعارضة أن تضع طوبة في بناء لا وجود له؟ اللهم إلا إذا استقام وضع الطوب في الهواء، أو في بنيان مُتوَهَّم كحُلَّة فرعون.

فترات الانتقال

يُحَلِّل السر سيد أحمد الفترات الانتقالية الثلاث ليصل إلى نتيجة مفادها أنها كانت فاشلة في تحقيق الانتقال الديمقراطي، وأنها تقوم دليلا واضحا لعدم جدوى الثورات الشعبية، مما يحفز على تجريب الانخراط في الانتخابات. فبالنسبة لثورتي أكتوبر ١٩٦٤، وأبريل ١٩٨٥، فإن من أهم نقائصهما كانت قِصَر الفترتين الانتقاليتين اللتين أعقبتاهما، وبالتالي عجز حكومتيهما عن إنجاز مهامها. فسبب فشل أكتوبر الأساسي هو تصرفات الأحزاب السياسية المتلهفة للعودة للحكم، بعد فطام منه دام ست سنوات. أما بالنسبة لأبريل، فسبب فشلها اختلال ميزان القوة بين المجلس العسكري الانتقالي، وبين التجمع النقابي الذي قاد الانتفاضة، وكذلك بسبب النشاط الهدام لتنظيم الجبهة الاسلامية القومية.  ويأسف السر لأنه لم يَتِمّ تقييم أو نقد جِدِّي لفشل الفترات الانتقالية بواسطة الأحزاب السياسية، مما يجعلنا لا نطمئن إلى عدم تكرار الأخطاء والفشل الناتج عنها.

وبطبيعة الحال هذا حديث سليم جدا نوافقه عليه. ونزيد عليه القول إننا نعرف قدرات أحزابنا السياسية. ونعرف أنه ليس لديها مراكز بحوث ومستودعات أفكار think tanks وهذا لا شك عيب كبير، وأَحَد أهمّ أسباب ركودنا السياسي. ولكن نعلم أيضا أن هذه المهمة قام بها كُتَّابٌ ومحللون سياسيون، سودانيون وغير سودانيين. وهناك أدب كثير كُتِبَ في نقد الفترات الانتقالية. ولقد حُمِّلَت الأحزاب السياسية، وبالذات الحزبين التقليديين الكبيرين، مسؤولية الفشل، وهي أول من دفع ثمنه. فبالإضافة للقهر الذي تَعَرَّضَت له هذه الأحزاب من الأنظمة الشمولية، وحسبها ذلك من عقاب، فإنها دفعت ثمنا باهظا أكبر، هو فقدان الثقة فيها وسط قطاعات مقدرة من الشعب، وبالذات قواه الشبابية الحية. ولقد لعب النظام على هذا السخط العام فَرَوَّج، عبر “كتيبته الالكترونية”، للعبارة المفخخة التي يرددها الكثيرون، “نعمل ثورة عشان يجينا الصادق تااااني”، وذلك لتثبيط الهمم عن الثورة.

أرى أن من واجب المثقفين، أمثال السر سيد أحمد، أن يواصلوا هذا النقد، وأن يطالبوا القوى السياسية المعارضة بإحداث مراجعات حقيقية في سلوكها عبر التاريخ، وأن تخرج برؤى واضحة حول الفترة الانتقالية القادمة من حيث طول مُدَّتِها، ومن حيث مَهامِها، ومن حيث سلوك الأحزاب خلالها. كذلك على المثقفين واجب تثقيف الشعب عما هو منتظر منه خلال الفترة الانتقالية وما بعدها، وضرورة تنظيم نفسه من خلال المجتمع المدني لحراسة حريته المستعادة.

إن الأحداث الجسام، والخطوب المُدْلَهِمَّة، عندما تُصيب الشعوب، تُخلف وراءها حكمة عامة. فربما ينطوي الخيرُ في الشرِّ، وربما وُلِدَت الحنايا من بطون البلايا كما يقولون. ولأن أحزابنا افتقدت الخيال، سلَّط الله عليها من لا يخافه ولا يرحمها، ليُجَمِّرها بالنار حتى يُزيلَ خَبَثَها، ويقوي خيالها. ومن حِكَم السادة الصوفية قولهم “من لم يَسِر إلى الله بلطائف الإحسان، سِيْقَ إليه بسلاسل الامتحان”. وليس هناك من امتحان تَعَرَّض له شعبُنا، وتَعَرَّضَتْ له أحزابُنا، أكبر من امتحان الإنقاذ. وليس هناك من فتنة عمَّ شَرُّها الناس جميعا، ولم يسلم منها حتى أبوها الذي أشعلها، أكبر من فتنة “الكيزان”. فإن لم نتعلم من ثلاثين عاما من العذاب والشقاء، ومن الدماء والأشلاء، ومن الذل والهوان، ومن الأحزان والحرمان، ومن ضياع الآمال والأعمار والأجيال، إذن لا نتعلم أبد الآبدين.

أما النقطة الأهم، عند السر سيد أحمد، التي أَدَّت لنجاح الثورتين فهي انحياز ضباط في الجيش للثوار. ولكنه يقول سرعان ما “انقلب نفس هؤلاء الضباط على حكم الأحزاب”. وهذا صحيح. أما ما لم يقله السر، ولكنه كامن في حديثه، فهو أنه لم يَعُد هناك ضباط ينحازون للثورة هذه المرة. وأنا أرى في هذا خير كثير. لأنه حتى لو حدثت المعجزة ووُجِدُوا، فإن انحيازهم للثورة القادمة سوف يضر ولا ينفع. فقد أثبتت السِّتُّون عام العجاف من عمر بلدنا المستقل، والتي أضاع منها العسكر خمسة وأربعين عاما، أن لا خير في العساكر، وأن ما فعلوه في البلد شديد الشبه بما تفعله الثيران في مستودعات الخزف. المهم أن السر بعد أن يذكرنا بانحياز الجيش للثورات السابقة، وتعذره هذه المرة، يخلص من ذلك للقول: “فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يكون التركيز على العملية الانتخابية خاصة والفترات الانتقالية أثبتت فشلا في إحداث نقلة في عملية الصراع؟”.

ولكي ما نناقش رأيه هذا لابد من الربط بينه وبين حديثه عن الفترة الانتقالية الثالثة التي أعقبت اتفاقية السلام الشامل ٢٠٠٥. يشير السر إلى أن آية فشلها أنها “شهدت إجازة قانون الأمن، بواسطة البرلمان الذي شارك فيه الجميع بمن فيهم الحركة الشعبية والتجمع الديمقراطي الذين فشلوا في إثارة المادة ١٢٦”.

وبالطبع يتحمل ممثلو المعارضة بعض المسؤولية في إجازة تلكم القوانين القمعية في البرلمان تحت سمعهم وبصرهم. ولكن هناك بالطبع فرق بين أن تَعْجَز عن إسقاط قانون قمعي، نسبة لخفة وزنك في البرلمان، وبين أن ترغب في تشريع ذلك القانون، وتدفع بكل قواك لإجازته؟ فهل الحركة الشعبية وأحزاب التجمع هم من فعل ذلك؟ أم الذي فعل ذلك هو النظام الذي احتفظ لنفسه بالأغلبية الميكانيكية؟ أليس النظام هو من لوى ذراع الحركة الشعبية لتسكت عن إجازة القانون؟ أليس هو من مارس عليها الابتزاز بكرت “تقرير المصير”؟ أليس هو من ضغطها لتسحب مرشحها للرئاسة؟ أليس هو من عَطَّل قيام المفوضيات؟ وزَوَّر التعداد السكاني؟  وزور السجل الانتخابي؟ وأتى بالأصم؟ وأفسد الانتخابات؟  ودفع الجنوبيين دفعا ليختاروا الانفصال؟ وأشعل الحرب في المنطقتين؟ ودَمَّر دارفور؟ إن الشيطان الرجيم نفسه يعجز عن فعل ما فعلوا، وإنني أتصوره رافعا قبعته تواضعا أمام هؤلاء المردة الأشرار، أو جالسا القرفصاء عند أقدامهم، كالتلميذ النجيب، ليتعلم منهم أصول المهنة.

الدليل القاطع على انقطاع العشم في “نظام الكيزان”

مثَّلَتْ الفترة الانتقالية الثالثة الفرصة الذهبية الحقيقية التي لو كان النظام قادرا أو راغبا في تحقيق الاستقرار السياسي، والسلام الاجتماعي، والنمو الاقتصادي، لما أضاعها. ولكنه لم يمتلك الإرادة السياسية بسبب من طبيعته العدوانية، وأيديولوجيته الاقصائية لكل ما هو آخر في السودان، سواء كان هذا الآخَر اثنيا، دينيا، أيديولوجيا، أو نوعا، كالمرأة. هذا الفشل يثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن من ينتظر سلاما أو تحولا ديمقراطيا من هذا النظام سيكون كمن ينتظر جودو. وكلنا سمعنا خطاب البشير بالأمس القريب الذي يعلن فيه على رؤوس الأشهاد، بأنه لن يترك الملك الذي أعطاه له مالك الملك، لأحد، ولا حتى للمؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية. وأنه غير مشغول البتة بانتخابات ٢٠٢٠، التي يُعَوِّل عليها السر وصحبه. إنها موجة الجنون بالغة مداها، لم يبق لها إلا أن تتكسر على الشاطئ وتذهب جفاء. وأنا لا أدري ما الذي يمكن أن يفعله النظام، أكثر مما فعل، ليقنع دعاة المشاركة في الانتخابات أنهم إنما يُمنُّون الناس بشيء “كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا”.

استنساخ أكتوبر وأبريل

أما كون الشروط التي أنتجت أكتوبر وأبريل لا وجود لها، لأن السياق تَغَيَّر، فهذا من المعلوم للناشطين بالضرورة. ولا أدري من أين أتى الافتراض العجيب أن دعاة الثورة يريدون إعادة التاريخ بحذافيره.  إن دعاة الثورة، بالإضافة لمعرفتهم بتغيُّر السياق، من اختفاء الطبقة الوسطى، وتحطيم النقابات المستقلة، والإفقار العام الذي جعل الشعب جاريا يومه كله وراء قطعة خبز، يعرفون أيضا ما أصاب الجيش والشرطة من “أخونة”، وما أصاب ضباطهما من إفساد، وإشغالهم بالشقق والعربات وغيرها من أنواع الرِّشَا التي تفرغهم من النخوة. وهم عليمون بعنف الأمن وأساليبه الدنيئة، التي يجدونها في جلودهم وعظامهم. وهم يعلمون أن البشير صنع جيشا موازيا من مليشيات إجرامية لتحميه من جيشه، الذي يدعي الانتماء له، ومن الشعب. كل ذلك معروف ولا أعتقد أن هناك من له أي أوهام أن أكتوبر ستعود من التاريخ بنفس الكيفية التي جاءت بها في العام ١٩٦٤. أو أن البشير سوف لن يستخدم مليشياته في سفك دماء العُزَّل، فدماء شهداء سبتمبر لَمَّا تجفُّ بعدُ.

ولكن يعلم هؤلاء النشطاء أيضا أنه مثلما وُلِدَت أكتوبر من أحشاء الشعب السوداني في ظل تلكم الشروط، بالكيفية التي وُلِدَت بها، أي بمخاض هَيِّن ليِّن ميسور، فسوف تولد الثورة القادمة من أحشاء ذات الشعب في ظل الشروط الحالية، وأنه سيكون مخاضا عسيرا، شاقا، وطويلا. والذين يظنون عدم الاستجابة الواسعة من الجمهور لدعوات الانتفاضة دليلا على خطل الدعوة، لا يقرأون تجاربنا وتجارب غيرنا من الشعوب. حدث مثل ذلك في أبريل، حيث كان الطلاب يخرجون لأيام متتابعة من جامعاتهم في مظاهرات تشق الأسواق، يتفرج عليها المارة بسلبية ظاهرة، حتى صدع الطلاب المحبطون بالهتاف المستفز “الشعب جعان لكنه جبان”. وحدث مثله في بدايات الثورة المصرية حيث سَخِر الرئيس مبارك من قلة أعداد المتظاهرين لدرجة أن أمر قواته بتجاهلها قائلا لهم: “خلوهم يَتْسَلُّوا شوية”.

لقد شاهد أهل النظام، “أيام العصيان”، علامات الأفول في الأفق، أو كما يقول الخواجات، the handwriting is on the wall. إن منظر الشوارع الخالية من المارة يملأ قلوب الطغاة بالرعب أكثر من منظر الشوارع الممتلئة بالمتظاهرين. مثل هذا العصيان لم يحدث في السودان من قبل، وهو على التحقيق ليس استنساخا من أكتوبر وأبريل. إن المظاهرات المنضبطة التي تسير في الشوارع وهي تردد “سلمية سلمية ضد الحرامية” دون أن تقذف حجرا، أو تتلف شيئا، لم تحدث من قبل بهذه الكيفية. ومن المؤكد أن شعبنا سَيُجَرِّب أشكالا أخرى من المقاومة السلمية لم يجربها في الماضي. وستأتي هذه الأشكال الجديدة تطويرا لمقاومته الحالية للسدود، والسيانيد، وبيع الأراضي. سيجرب شعبنا المقاطعة الاقتصادية، وسَيُصَعِّد من المقاطعة الاجتماعية، كطرد نافع، وبكري، وأحمد هرون من عزاءي السنهوري وفاطمة. وغيرها من المقاطعات التي ستَطَّرِدُ حتى تصل درجة تكسير القوانين، مثل الامتناع عن دفع الإتاوات لحكومة الفساد، وعصيان قانون النظام العام، وغيره من القوانين القراقوشية.

إن ما حدث في ميدان جاكسون قبل أيام قليلة إنما له دلالة كبيرة لمن يقرأون العلامات. فعندما جاءت كشة المحلية لم يهرب أصحاب الطبالي والفرَّاشات، كما هي عادتهم، هذه المرة. بل انعكست الصورة تماما، فقد هرب عمال المحلية أمام الباعة المتجولين عندما هجم الأخيرون عليهم، بينما لم يتدخل رجال الشرطة الذين أحنوا رؤوسهم للرياح ريثما تمر، وتحولوا إلى متفرجين. وفي الوقت ذاته أسرع رجال الأمن بإنزال بكاسيهم التي كانوا يختطفون بها النشطاء، وحولوها إلى ترحيل مجاني للشعب، وذلك لتخفيف التكدس في الميدان حتى لا يتحول لانفجار. وهكذا أُجْبِر الأمن ليصبح خادما للشعب، رغم أنفه، ولو مؤقتا.

إن في جُعْبَة شعبنا الكثير من الافعال العبقرية للمقاومة، وستستمر إلى أن تقطع نَفَسْ النظام. إن نَفَس الشعوب، مثل عمرها، أطول من نفس الطغاة الملتاثين. والمقاومة السلمية للظلم والظالمين من أعظم الأعمال وأنبلها، ويجب أن تستمر. “ألا إن منظر الظلم فظيع.. ألا إن منظر الظلم شنيع” كما صدع بها الأستاذ محمود من قبل. وهي سوف تستمر، لأن في استمرارها حياة شعبنا وكرامته ومستقبله. وواجب المثقف العضوي هو ألا يُثَبِّط الشعبَ عنها.

وكذلك من المعلوم بالضرورة وسط الناشطين، أن الثورة هذه المرة سوف تختلف عن المرات السابقة.  فهذه المرة لابد لها من أن “تتسامى بإرادة التغيير إلى المستوى الذي تملك به المعرفة بطريقة التغيير… وهذه تعني هدم الفساد القائم، وبناء الصلاح مكان الفساد” كما قال الأستاذ محمود عن أكتوبر الثانية. والحمد لله أن الإنقاذ سَهَّلت على الثوار هذه المهمة، إذ هدمت أركان الدولة القديمة وأتت عليها من القواعد. لذلك فهي ستُبْنَى من جديد على أسس جديدة ومغايرة. وسينبعث وطننا، عملاقا وشامخا، من رمادهم.

نواصل.

 

الحلقة الأولى منشورة على الرابط

الدعوة لدخول الانتخابات كوسيلة لمقاومة النظام: ما وراء الفكرة

الحلقة الثانية منشورة على الرابط:

الدعوة لدخول الانتخابات كوسيلة لمقاومة النظام: ما وراء الفكرة(٢)

الحلقة الثالثة منشورة على الرابط

الدعوة لدخول الانتخابات كوسيلة لمقاومة النظام: ما وراء الفكرة (٣)

الحلقة الرابعة منشورة على الرابط

الدعوة لدخول الانتخابات كوسيلة لمقاومة النظام: ما وراء الفكرة(4)