مبارك الكودة

الأزمة مكانها وين عبارة قالها وزير البترول دفاعاً عن موقفه الشخصي تجاه الأزمة في برنامج ( حال البلد ) الذي  تناول أزمة الوقود وما نتج عنها من معاناة ، وقد الح الوزير أو أصر لمعرفة مكان الأزمة ، والأزمة  الحقيقية التي يسأل عنها الوزير ليست بِعَرَض إنما هي مرض داخل ذواتنا ، ودائماً ما أضع  نفسي  حالةً للدراسة  والتشخيص ، ومن الأمراض التي أعاني  منها  ويعاني  منها  كل السودانيين  الخوف من تحمل المسئولية كما نرى ،وعدم القدرة على اتخاذ القرار بحرية بسبب التناقضات التي شكلت وجداننا فهنالك كثير من المؤثرات الخارجية تُقيدُنا  وتحاصرنا وتجعل  من  اتخاذ  القرار صعباً جداً سواء  كان  ذلك  في الأمور الخاصة أو العامة ، وإذا أُتُخذَ القرار فهو ناقص الجودة وغير مكتمل بسبب  هذه المؤثرات الخارجية ، مما يجعلني أعيش حالة  من  عدم  الرضا والتصالح مع النفس ٠

وعلي سبيل المثال لا الحصر أَجِدُ نفسي وبعد مراجعاتي الفكرية متسقاً جداً من حيث المفهوم مع مشروع العلمانية السياسي والذي يتلخص في دولة المواطنة  والقانون بمعناها الشامل واعتقد بما لا يدع مجالاً للشك أو هذا التعريف للعلمانية هو دين الحق ، الدين الذي يجعل الحاكم يقف على مسافةٍ وآحدة  من كل الناس بمختلف عقائدهم ، الدين الذي يجعل من القاضي حكماً عدلاً بين النبي ( ص ) والمواطن اليهودي ، الدين الذي أحد  الصحابة يعلن في ندوة عامة ( صلاة الجمعة ) أنه  لن يسمع ولن يطيع الّا  إذا حدثه رئيسه من  أين  جاء   بثوبه الثاني ٠

وبالطبع  هنالك شبهات كثيرة  في الأدب الاسلامي السياسي حول مصطلح العلمانية شوهت دين الحق تَحُول بيني وبين إعلان  هذا القرار بقوة رغم قناعتي به خوفاً من المواجهة لأني ضعيف وإن شيئت فقل جبان ، لذا تجدني أبحث  عن المبررات ليتوافق مبدأ  العلمانية  الذي اعتقدته ديناً مع الموروث الذي وجدته سياجاً منيعاً ضد إعمال  العقل ، فلا زلت أسيراً  لهذه المنظومة رغم كفري بها ٠

وكما نرى يفرح العلمانيون المسلمون أيّما فرح عندما يسمعوا أن هنالك أحداً من  مفكري الاسلام يقول بأن العلمانية من الدين  وهذا الفرح بلا شك يُصور حالة الانهزام  النفسي المريع أمام  عقولنا وامام  الفطرة التي فطر الله الناس عليها وأمام مخرجات التجربة الانسانية والتي ينبغي أن نكون جزءاً منها ، وكل ذلك بسبب الإرهاب  الفكري الذي نعيشه وبسبب الموروث من اجتهادات السابقين عِلماً بأن الحرية هي الأصل في المعتقد  وهي المكون الأساس للإنسان ٠

إذاً فالازمة  ليست أزمة وقود ولا  خبز ولا حكم إنما أزمة نخب مريضة في ذاتها مشتتة في فكرها  لأسباب كثيرة منها التربية بتناقضاتها ، والتعليم بعواره ، والتنوع الثقافي الذي عجزنا عن ادارته لعجزنا عن فهمه ، ومنها الزعامات الفارغة التي جعلت همها كله في مصلحتها الشخصية ، ودونكم خطابات سادتنا وكبراءنا من المسئولين  في الملمات الرسمية والتي ينبغي ان تكون رسمية  ومسئولة ولكنها للأسف الشديد لا رسمية ولا مسئولة  تنتهي بما ابتدأت به دون ان يستفيد السامع شيئاً فهي عبارة عن حفل للاستعراض الشخصي تُختتم بعرضة  يشترك فيها السائل والمسئول علي أنغام أغنية  أنا ليهم بقول كلام دخلوها وصِقِيرها حام ورغم أني كنت أتبختر على أنغام هذه الاغنية بِمَظنة  النصر والانجاز الّا  أنها حالة في تقديري تعبر عن حالة مرضية من جنس الأمراض الكثيرة التي نعاني منها وتتجلي هنا وهناك في صورٍ شتي تستوجب بالضرورة التشخيص والعلاج ٠

والله من وراء القصد وهادي السبيل ٠