محجوب محمد صالح

استمرأ المسؤولون السودانيون تبرير كل أخطائهم باللجوء إلى نظرية «المؤامرة»، فكل أزمة تقع هي نتيجة «مؤامرة»، دبرها الأعداء، وهي مكيدة من حاقدين، وهم برآء من نتائجها، والأزمة الاقتصادية تسبب فيها الحاقدون المتآمرون، وبذلك تتنزل عليهم الراحة، وترتفع عنهم -حسبما يعتقدون- المسؤولية، وتتوالى تصريحاتهم التي تكشف أبعاد تلك المؤامرات المتوهمة، ولكن حديث رئيس الوزراء السوداني الفريق أول بكري حسن صالح أمام البرلمان خلال هذا الأسبوع، كان مفاجأة لأنه كان بذلك أول مسؤول يعترف بالأزمة، ويعترف بأنها أدت إلى معاناة قاسية يتحملها المواطنون، وأن الحكومة تتألم لتلك المعاناة، وهي تعرف أبعادها، وتشاركهم الألم، صحيح أن السامعين لا يبحثون عن حكومة تشاركهم «الألم»، إنما يبحثون عن حكومة تتخذ من الخطوات ما يزيل آلامهم، فلم يجدوا شئياً من ذلك في حديث رئيس الوزراء أمام البرلمان، لكنه كان مختلفاً -على الأقل- حين اعترف بوجود الأزمة، واعترف بمسؤولية الحكومة، ولم يحاول أن يلقي المسؤولية على طرف آخر، مثلما يفعل الآخرون.
إن المواطن المغلوب على أمره، الذي ظل من بداية هذا العام يعيش في أزمة خانقة، استحال معها أن ينجح في توفير ضرورات الحياة لأفراد أسرته، ندرة الوقود والعربات التي تتكدس أمام مراكز الخدمة النفطية، التي فرغت خزاناتها من النفط، وليست هي المشكلة، ولكنها واحدة من تجليات الأزمة، والناس يعيشون في لب الأزمة طوال الشهور الأربعة الماضية، وقد عانوا كثيراً من التضخم المتصاعد دوماً، ومن الأسعار التي تزيد كل صباح، ومن تدني قيمة الجنيه السوداني، ومواصلته لذلك التدني من يوم ليوم، حتى أصبحت الحياة مستحيلة بالنسبة لأغلب المواطنين، ثم جاءت أزمة النفط الأخيرة، فزادت الطين بلة، ليواجه الناس مزيداً من الصعوبات في التنقل حتى إلى أماكن عملهم، والأسوأ من ذلك عدم توفر الوقود حتى لمتطلبات الموسم الزراعي، الذي تعتمد عليه الحكومة ليوفر لها شئياً من الصادرات، كمصدر للعملات الأجنبية، ومع اشتداد الأزمة وتراكم الإخفاقات، لم تحاول الحكومة أن تتبنى مشروعاً لحلول عاجلة، وتراوح موقفها بين الصمت المطبق أو تكرار الوعود الهلامية التي لا مكان لها على أرض الواقع.
رئيس الوزراء أمام البرلمان، قال إن الوضع صعب جداً، وإن الأزمة ظلت تتصاعد على مدى 7 سنوات -أي منذ انفصال جنوب السودان، الذي أخذ معه أغلب بترول السودان- وإن الحل الذي تأخر كثيراً، لن يكتمل بين يوم وليلة، ولا شك أن الحكومة السودانية تتحمل كامل المسؤولية عن الفشل في استغلال موارد البترول في مرحلة ما قبل الانفصال، لكي تطور قدرات السودان الزراعية، وهي تعرف تماماً أن مرتكز الاقتصاد السوداني الحقيقي هو القطاع الزراعي، ولكنها أهملته، وبددت موارد النفط التي تدفقت على البلاد، ولم تسمع للأصوات الكثيرة التي ترددت ناصحة لها بحسن إدارة موارد النفط بدلاً من تبديدها، وحتى بعد انفصال الجنوب لم تظهر الحكومة السودانية تصميماً على مشروع يخرج بالسودان من الضائقة الاقتصادية، وظلت تردد الوعود التي لا تنجز، والبرامج الثلاثية والخماسية الوهمية التي تفتقر للتخطيط السليم، وتوفير المدخلات، وبناء القدرات، وإعداد البنى التحتية، فلا غرابة إن لازم الفشل كل تلك البرامج المعلنة، حتى أحكمت الأزمة حلقاتها حول رقاب كل السودانيين!!
أزمة السودان الآن لم تعد أزمة اقتصادية فحسب، إذ باتت للأزمة تداعياتها الاجتماعية والسياسية، وخلقت اضطراباً في الجهاز الحكومي، وكشفت عن خلافات وتناقضات وتصريحات متعارضة من المسؤولين الحكوميين، مما أحدث ربكة وإحساساً بانهيار وشيك!