خالد فضل

   منذ أن وضع أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام قواعد بيت الله الحرام , تكفّل سبحانه وتعالى بحمايته , هكذا تقول المأثورات الإسلامية , وهكذا نشأت أجيال المسلمين من قبل أن يصبح الإسلام بضاعة توضع في أرفف بقالات الجماعات الإسلامية السياسية تتربّح من عرضه لزبائن مُغرر بهم . وفي القرآن الكريم وردت قصة حماية البيت الحرام باقتضاب بليغ لفتح المجال أمام العقول لتعمل وفق ما يقول علم البلاغة عن سر الإعجاز المرتبط بالإيجاز في القرآن الكريم , وكانت الطير الأبابيل وحجارتها من سجيل هي السلاح الذي شتت جيش عرمرم مركباته الأفيال أو لعلها بغال ضخمة كالأفيال بحسبان عدم ملائمة بيئة الجزيرة العربية لجنس الفيل , الشاهد أنّ حماية بيت الله بمكة من قبل الله تعالى قد حدثت قبل مجئ الدين الإسلامي نفسه , لذلك لا مجال للمزايدة حول (حماية الحرمين ) من جانب فئة سياسية باطشة وظالمة وفاسدة تتلفح برايات الإسلام ؛ كما هي حالة النظام الفاسد المسيطر على مقاليد الثروة والسلطة في السودان منذ 30سنة تقريبا .

  الملاحظ كذلك أنّ غزو مكّة وضرب البيت الحرام قد تمّ في بواكير عصور الإسلام وعلى يدي جيشين مسلمين صدف أنّ أحدهما ينتمي للمذهب الإسلامي السنّي , والآخر للمذهب الإسلامي الشيعي , الأول هو جيش الحزب الأموي الحاكم وقتذاك , في صراعه المسلّح ضد الحزب الزبيري المعارض والذي اتخذ من مكّة وبيتها الحرام قاعدة ومنصة انطلاق سياسية وعسكرية , وكما تقول الروايات التاريخية عن مصعب بن الزبير نجل السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق وهو يدخل على والدته يائسا وخائفا من أن يتم التمثيل بجثته بعد قتله على يدي جيش الأمويين وقائده الحججاج بن يوسف الذي قذف البيت الحرام بقذائف المنجنيق الفتّاكة وقتئذ , فقالت قولتها التي سارت مسرى الأمثال (إنّ الشاة لا يؤذيها السلخ بعد ذبحها ) , المرّة الثانية كانت على يدي جيوش القرامطة وهم على مذهب الشيعة في صراعهم المسلّح ضد دولة بني العبّاس الإسلامية , فتقول بعض الروايات التاريخية , أنّ ذلك الجيش قد دخل مكة واستباحها بما في ذلك الحرم المكي , ومنع الحج لسنوات إلاّ بإذن منهم أو من الخليفة الفاطمي في مصر , بل تمّ نزع الحجر الأسود ورميه في قرية بالبحرين لمدة 22سنة قبل أن تتم إعادته لاحقا , في هاتين المناسبتين لم يتم رمي جيوش غزاة مكة بالحجارة من سجيل ولم تظهر قاذفات الطير الأبابيل , فلماذا ؟ وحتى عندما هاجمت جماعات من قوات الحرس الثوري الإيراني بيت الله الحرام واستخدمت الأسلحة والقنابل والمتفجرات في الثمانينات من القرن الماضي وفي موسم الحج وذروته المعروفة , لم تُشاهد (طير الأبابيل) تردع في الإرهابيين .

  الحكومة السودانية قالت في بيان توضيحها لسبب الزج بالجنود السودانيين في محرقة اليمن أنّها تفعل ذلك (لحماية الحرمين الشريفين ) من عدوان جماعة الحوثي في اليمن , فيما كانت السعودية تحشد في تحالفها السياسي والعسكري لخوض الحرب بزعم إعادة الشرعية للحكومة اليمنية التي أطاحت بها جماعة الحوثي , لم تتحدّث السعودية عن حماية الحرمين وملكها يُلقّبُ منذ الثمانينات ب (خادم الحرمين) وكانت المفارقة بائنة في إدعاءآت نظام الخرطوم , ربما مصداقا لقول عاطف خيري الشعري : جاتنا القوافل محمّلة بالضجيج , ساقتنا من حلبة رقيص , ورتنا كيف قتلوا الحسين كيف صلبوا المسيح , وبكينا أكتر منها , باعتنا في الآخر رقيق !

    في الواقع ليس الأمر حماية الحرمين ؛ فليس من كمال اسلام السودانيين القيام بهذه المهمة , بل جاء في أول عهد سلطة الإسلاميين السودانيين الرائد يونس محمود ليصف (خادم الحرمين ) بأقذع أنواع الشتائم مما تحتفظ به ذاكرة الناس هنا وهناك حتى يوم الناس هذا , وصدى عباراته المقذعة عن (الفهد المروّض) وسيرة (بني قريظة ) … إلخ , الأمر كان عبارة عن مساومة في سوق النخّاسة , الجنود مقابل الريالات , وبتغطية مكشوفة للأغرار  من الصبية , تدفّقت بضعة ريالات وتسرّبت في حوض الرملة الآسن , عمولات وصفقات , ووصلت المسألة حد السيطرة على القصر الجمهوري وقراراته بوساطة مدير مكاتب الرئيس وحكايته التي لم يحدث لها مثيل في العصر الحديث , فمدير مكاتب رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة ولها نشيد وطني يردده لاعبو منتخبها الوطني في المناسبات الرياضية الإقليمية والدولية , يصبح مستشارا ب (عُقال ) في صبيحة اليوم التالي لفصله من منصبه الرفيع لم ولن تحدث مثل هذه الوقائع الاّ في قصص الفانتازيا الموغلة في الخيال , ولكنها جرت فعليا في السودان ! وارتبط وجود القوات السودانية في اليمن بسيرة ذاك الماجد (مدير مكاتب الرئيس ومستشار البلاط الملكي السعودي ) مما يدعو لطرح فرضية يمكن تحقيقها غدا , وهي أن يتم وضع العقال على رؤوس جميع الجند السودانيين في اليمن ومنحهم (التابعية السعودية) , ساعتها من سيقوم بسحبهم من اليمن أو المساومة بالسحب نظير 102مليون دولار ثمن (بنزين) يبل جوف آلاف السيارات والماكينات الظامئة في عز الصيف وفي مناخ الفساد الإنقاذي الإسلامي في السودان ؟ لقد استمعت إلى مقطع للزميل الصحفي عبدالباقي الظافر متحدثا لإحدى الفضائيات مشيرا إلى فكرة المساومة تلك , وعندما سألته المذيعة عن مئات القتلى والجرحى من الجنود وإن كان ذلك دافع الحكومة السودانية للتفكير في سحب الجند من محرقة اليمن مرّ على ذلك السؤال مرور الكرام , فنحن حقّا في ظل سلطة لا تلقي بالا لمن يموت من شعبها وكيف تلقي له بالا وهي نفسها متهمة دوليا بإبادة شعبها ! فأين توابيت القتلى من الجند التي تصل المطار ويستقبلها رئيس الدولة وتشيّع في موكب رسمي حزين ؟ هل شاهد أحدكم ذلك ؟ بيمما كلّ دولة الإمارات مثلا تهبُّ في مثل هذه الوقائع وفي ذات الحرب التي يموت فيها جندنا السوادنة (سمبلة) بزعم بائس (حماية الحرمين ) بينما الواقع يتحدث عن جالون (بنزين) , وهل إذا خيّر الجندي السوداني بين العودة للسودان أم مواصلة حربه في اليمن سيختار العودة؟ وطالما الحكاية كلها بزنس في بزنس فلماذا لا يختار العُقال ومعه الريال وإن مات أو جُرح يجد خلفه التعويض بما لا يحلم بربعه في بلاده التي (انجبته وقالت غريب ) والمقطع لعاطف خيري كذلك , هذه الفرضية يمكن أن تحدث بالمناسبة وبالتالي لا يعود الجنود ولا تجد السلطة الوقود , فماذا ستفعل ؟ ومن قبل سافر فريق للمشاركة في مسابقة رياضية دولية ورفض بعض أفراده العودة وطلبوا حق اللجؤ السياسي في دولة المنشط ذاك , فالجند محترفون كذلك ويمكن لعرض احتراف مغر أن يغيّر وجهتهم , ولتذهب حدوتة (حماية الحرمين ) إلى النسيان , فقد حمى الله بيته قديما بالطير الأبابيل وليس عن طريق مساومات سوق نخاسة القرن الحادي والعشرين , وتتلوى صفوف السيارات في طلمبات الوقود , والوسم الزراعي على الأبواب , ووزير الدولة للنفط يبكي ويخشى مصير غندور ورئيس الوزراء يشكو ووووو انتخابات 2020 شغل شاغل لساكن القصور ! و الشعب الذي في عداد المهمل والمركون والفاض عن الحاجة , أيصمت أم كلمته الحاسمة قادمة لا محالة لا محالة لا محالة .