الباقر العفيف

في الحلقات السابقة، وتحديدا في الحلقة الثانية، استعرضتُ وجهتي النظر المختلفتين حول موضوع الانتخابات بكامل التجرد والموضوعية، لدرجة أن بعض القراء التبس عليهم الأمر فلم يدروا إلى أي الوجهتين أنحازُ. ثم ناقشتُ، بصورة نقدية، الحجج التي تقوم عليها وجهة النظر الداعية للمشاركة، بهدف تبيين نقاط ضعفها وقصورها. فعلتُ ذلك من منطلق المساهمة في البحث عن التحليل الأقرب إلى الصواب، وليس من منطلق التعصب الأعمى لرأيي، أو الرغبة المتأججة في إحراز نصر في مناظرة. فكلا الرأيين يُعَبِّران عن تقديرات ذاتية مبنية على تحليل سياسي، يحتمل الخطأ والصواب. ولقد حاولتُ لفت النظر إلى جوانب القصور التي شابت تحليلات الداعين للمشاركة بهدف تسديدها، وليس بغرض تسفيهها.     

وقد أوصلني ذلك التحليل الناقد إلى خلاصة مفادها أن فكرة التخلي عن شعار إسقاط النظام، عن طريق الانتفاضة الشعبية السلمية، وتجريب منازلته عن طريق الانتخابات، إنما خَرَجَتْ من بين صلب اليأس وترائب الخوف. كما أنها تَنمُّ عن قِلَّة حِيْلة، ونضوب رأي. فالواضح أن أصحابها حَارَ بِهِم الدَّليلُ، وانْغَلَقَتْ أمامهم السبل، فما عادوا يرون سوى منفذ واحد، هو الانتخابات، والتي ستكون، بطبيعة الحال، بشروط النظام الذي سوف لن يتحرك بوصة واحدة تجاه إرخاء قبضته الأمنية من أجل عيون الذين قبلوا بمنافسته في الانتخابات. والذي غاب عن هؤلاء أن التنازلات من النظام لا يمكن أن تأتي مِنَّة منه ومنحة، وإنما تُنْتَزَعُ انتزاعا. وإن وسيلة هذا الانتزاع هي الشارع، الذي لابد من استنهاضه سواء كان الهدف إسقاط النظام أو تعديل قانون الأمن. وواهم من ظن أن تقديم التنازلات للنظام والاعتراف الكامل به، لا اعتراف الأمر الواقع الذي يردده البعض ويخلط بينه وبين الأول، وتوطين النفس على القبول بوجوده، والعيش في ظله، سيرقق من قلبه ويحمله على أن يرخي من قبضته. ولهم في قصة العرب مع إسرائيل عبر كثيرة، إذ اعترفوا بها هكذا بالتقسيط، دون أن تدفع هي أي ثمن أو تنازل لهم مقابل اعترافهم ذلك. وسيحصل النظام، التلميذ النجيب لإسرائيل، على اعتراف كل هذه الأحزاب التي تطايرت نحو ناره كالفراشات على نار الهوى، وسيقول لسان حالها “جئنا إليها واحترقنا”..

ففكرة دخول الانتخابات إذن لا تقوم على عناصر مستقلة بذاتها، أي أنها لا تنهض على قوائم من جنسها، وإنما تستعير قوائمها من فشل المعارضة في تغيير النظام حتى الآن. فهي بطبيعتها ليست الخيار الأول حتى بالنسبة لأصحابها، بل في أحسن حالاتها تمثل الخطة البديلة عن الخطة الأصلية. والخطط البديلة بطبيعتها يُلْجَأ إليها عند فشل الخطة الرئيسية. وهي ما كانت لتجيء إلى الوجود أصلا إذا ما قُدِّرَ للخطة الأصلية أن تنجح. والخطة البديلة ستموت موتا فجائيا فور نجاح الخطة الأصلية، أي فور قيام الثورة.

ويبقى السؤال المفصلي هنا هو: هل ينسحب فشلنا في تغيير النظام عن طريق الثورة الشعبية طيلة السنين الماضية على المستقبل أيضا؟ وبعبارات أخرى هل يستحيل إسقاط النظام عن طريق الثورة الشعبية؟ إن دعاة المنازلة الانتخابية يؤمنون بذلك. وهناك قلة بينهم لا يتمنون حدوث الثورة أو انتصارها، بحسبانه سوف يقود للفوضى والفتنة وسفك الدماء، والانهيار الشامل. وعليه، فالمحصلة النهائية للدعوة لخوض الانتخابات لا تعدو كونها دعوة غير مباشرة للاستسلام للأمر الواقع. وإناخة بعير المعارضة المُتْعَبْ عند خيمة النظام، مما يعني الانتصار النهائي للكائن الهلامي الشائه المُسَمَّى بالمشروع الحضاري. كما أن الانتخابات في ظل هذا النظام سوف لن تقود إلى تغيير يذكر ولو بعد عقود.

الانقاذ جماع أمراضنا

تجسَّدت في الانقاذ جماع أمراضنا السياسية والثقافية والايديولوجية، وبلغت قمة توترها، ولم يبق لها سوى الانفجار أو الانهيار الذاتي.  فإذا كانت الطبقة السياسية السودانية وعموم الشعب في الشمال النيلي يعانون من اغتراب عن ذواتهم النوبية، ويعيشون الحياة، ويواجهون العالم بهوية عربية متبناة، فإن الإسلامويين يعانون من اغتراب مزدوج. فهم بالإضافة للاغتراب العام الذي يعانيه الجميع، يعانون من اغتراب أخر أشد وطأة، وذلك بتبنيهم لهوية إسلاموية عابرة للحدود الجغرافية للوطن السوداني، ومستعلية على الأخلاق والأعراف السودانية، وحاكمة عليها. والمعضلة الكبرى، أن اغترابهم ليس فعلا لازما لهم وحدهم، بل جعلوه متعديا ليعم المجتمع كله، وبالقوة الجبرية. لذلك لا يعتبر نظامهم مجرد نظام حكم استبدادي “وطني”، مثل نِظامَي النميري وعبود، بل هو في حكم الاستعمار الاجنبي. وهو لذلك لا يهدد حريتنا وحسب، كشأن الأنظمة السابقة، بل يهدد هويتنا وروحنا وكينونتنا، أي وجودنا. يريد أن يحدث تحولا في هويتنا شبيه بذلك الذي حدث في العهد السِّنَّاري ١٥٠٦ـ ١٨٢١، والذي أنتج لنا هويتنا العروبية الحالية (الصوفية المزاج)، ولكن في اتجاه الهوية الإخوانية/الوهابية (الجلفة المزاج). فلو اكتمل هذا المشروع، لا قَدَّر الله، سيمثل إيغالا في الاغتراب عن هويتنا الأصلية، تكاد تستحيل العودة منه. هذا هو الخطر الماحق الذي نواجهه. فوجودنا هو ما ندافع عنه. وهذا المصير البشع هو ما نحاول أن نمنع وقوعه.   

حرب الوجود وحرب الحدود

فإذا صح هذا التحليل، وهو عندي صحيح، سيعني أن حربنا مع النظام حرب وجود لا حرب حدود، أي أنها لا تدور فقط حول حدود التغيير السياسي، والاقتصادي والاجتماعي. بل وأيضا على الصعيد الوجودي، أي على صعيد الهوية، وعناصرها الفكرية والروحية والوجدانية، وعلى صعيد اللغة والمفردة والرمز، وهو ما أسميته من قبل “المقاومة الشاملة” للنظام. وهذه المقاومة الشاملة للنظام بطبيعتها مقاومة طويلة المدى، وسوف لن تنتهي بإنجاز التغيير السياسي، الذي يمثل الجراحة التي تستأصل الأورام السرطانية، وإنما ستتواصل بكثافة شديدة بعد ذلك لمحو آثارهم العالقة بالفكر والروح والوجدان، مثلما تتواصل جرعات الكيموثيرابي لمحو آثار الخلايا السرطانية في الجسم المصاب حتى لا تعاود الهجوم مجددا، ربما بشراسة أكبر.

حكم الوقت

صحيح أن النظام نجح في البقاء في الحكم لقرابة الثلاثة عقود. ولكنه نجاح لا يُشَرِّف عاقلا، لأنه حققه عن طريق الدمار لا الإعمار، وعن طريق الحرب لا السلام، والكراهية لا الحب. والفرقة لا الوحدة. وبعبارة واحدة عن طريق الدماء القانية الحمرة، لا عن طريق الحقول الزاهية الخضرة. والسؤال الأهم هو: هل حكم الوقت في صالحه أم في صالح الشعب؟ فمن الناحية السياسية، يعلم القاصي والداني والعالم والجاهل، والمؤيد للنظام والمعارض له، وباعتراف أهل النظام أنفسهم أن نظامهم أفلس ماديا ومعنويا. وتقريبا مات سريريا.. فأقبل بعضُهم على بعض يتلاومون، ويبكون ويردحون.. وما منعهم من إعلان الوفاة إلا وقوف صنمهم الذي بنوه بأيديهم مستندا على بندقية حميدتي. هذه هي المنسأة التي تنتظر دابة الأرض لتقضي عليها. فما هي دابة الأرض؟ في الواقع هناك الكثير من دواب الأرض نحصرها فيما يلي..

أولا: الحركة الاسلامية

 الحركة الاسلامية إحدى هذه الدواب التي تنخر في المنسأة. فهي الدولة العميقة، التي تسيطر على الخدمة المدنية، والمرافق الحيوية، وعلى المال والأعمال. وهي التي بسطت يدها كل البسط حين سرقت وتحلَّلت، وحين هرَّبت الأموال لماليزيا وتركيا ودبي، وحين جَنَّبّت الأموال في الوزارات والمصالح المختلفة انتظارا لمثل هذا اليوم. وهي التي أمسكت يدها الآن وجعلتها مغلولة إلى عنقها، وهي تَتَبَسَّم في وجه البشير، ذات الابتسامة الترابية الصفراء، ولسان حالها يقول له “اذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا هاهنا قاعدون” ما دُمْتَ تزعم أن ربك هو الذي أتاك الملك ولسنا نحن من أتينا به إليك. كذلك للحركة الإسلامية وجود مكثف في الجيش والأمن والأمن الشعبي، إلى جانب الأجهزة السرية الأخرى. والحركة الإسلامية هي التي تكاد تعطل دولاب الدولة الآن. وفي إمكانها أن تعلن العصيان المدني إن أرادت فلا يجد البشير مناصا من الركوع، ولكنها تخشى انفلات الأمر عن السيطرة.

ثانيا: الإسلاميون المنشقون والحردانون

ومن الدواب قِسْمٌ مُقَدَّر من قادة وعضوية المؤتمر الوطني الرافض للتجديد للبشير. ومنها المجموعات المنسلخة من الحزب الحاكم، كالشعبي، والإصلاح الآن، ومنبر الخال الرئاسي، وسائحون وغيرها. كل هؤلاء ينخرون في المنسأة بصمت، وأحيانا بخشخشة مسموعة. ويجدر القول هنا أن نخر جميع هذه الأصناف من الإسلاميين ليس في مصلحة الشعب بحال.  فهم إنما يصطرعون علينا لا من أجلنا. نحن بالنسبة لهم إنما نمثل الغنيمة، أو على الأصح، الفيء الذي أفاءه الله عليهم دون قتال. نحن عظمة النزاع التي يتقاتلون عليها. وصراعهم انما هو صراع النخاسين فيما بينهم على “زريبة العبيد”، كل يريد امتلاكها خالصة لنفسه. لذلك من مصلحتنا أن يُضعِفُوا أنفسهم، أو يفنوا بعضهم بعضا، وشعارنا يجب أن يكون “واشغل أعدائي بأنفسهم”.

هل الإسلاميون جزء من الحل؟

فالإسلاميون يمثلون المشكلة وأصل الداء، ولا يمكن بأي حال أن يكونوا جزءا من الحل، ما دام تعشعش في رؤوسهم تلك الأفكار المسمومة التي هدمت وطنا بحجم السودان. وما داموا عاجزين عن إحداث أي مراجعات فكرية حقيقية في مشروعهم البربري الذي أوردنا موارد التهلكة. وما داموا لا يحسون باغترابهم المزدوج عن أصلهم وهويتهم السودانية (النوبية)، ذلك الاغتراب الذي يجعلهم أقرب للأخ المسلم الفلسطيني والأردني والسوري من مواطنهم السوداني. والذي يجعل نساءهم يذرفن الدموع السواجم على أطفال غزة ولا يشعرن مجرد الشعور بمعناة أطفال دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق. وما داموا يرون أن العيب في إخوانهم الذين “فتنتهم السلطة” على حد قول الترابي، وليس في الفكرة الشيطانية التي تجمعهم بهم ذاتها، والتي هي تجسيد للفتنة الحقيقية. وما داموا لا يعترفون بأنهم كانوا أكبر مصدر للشقاق الوطني في تاريخنا. وأنهم منذ أن حلوا بأرضنا، كلعنة آلهة الشر، في الميثولوجيا الإغريقية، لم تذق بلادنا طعم العافية، حيث ظلوا يقفون وراء كل “البلاوي” والفتن والمحن التي حاقت بشعبنا منذ حادثة “رقصة العجكو” بجامعة الخرطوم، وحل الحزب الشيوعي، وحكم الردة على الأستاذ محمود، ثم إعدامه، وهدم الديمقراطية الثالثة، ثم الانقلاب عليها، وبيوت الأشباح، وإشعال الحروب وتأجيجها، وفصل الجنوب، إلى أن أحالوا البلاد إلى حطام وطن يجلسون عليه اليوم.

وليس أدل على قولي هذا من كلمات عرابهم نفسه، وهو يصف أخلاق حركته، في كتابه (السياسة والحكم: النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع)؟ يقول الترابي: “كانت الحركة أحيانا تعارض كيفما اتفق، وقد تلقى نفسها مفتونة بحمية المعارضة أن تزاود في الحق وتكابر بينما تحب أن يكون ولاؤها بالحق دون عصبية وقيامها بالسلطة دون ميل، أو تنابذ في الخطاب وتهاتر بينما تعلم أن واجبها أن تقول التي هي أحسن وتدفع بها، أو تشاقق في العلاقة أو تهاجر وحقيق عليها أن تبشر ولا تنفر وتجمع صف الأمة ولا تفرقه، أو أن تنافق بظاهر من الموقف وتزدوج بمعاييرها وأولى لها أن تصدق وتستقيم في المخبر والمظهر وأن تقيم الميزان”.    

فكيف يكونوا جزءا من الحل وهم على هذا الحال؟ في الحقيقة سيظل الاسلاميون مشكلتنا الكبرى، وتحدينا الأعظم. فهم شوكة في خاصرة الشعب، وألما في عنقه، وشللا ارتعاشيا أصاب مراكز العصب فيه. وسوف لن تذوق بلادنا العافية إلا بواحد من سبيلين. إما أن ننجح في إقصائهم، أو أن ينجحوا هم في تغيير ما بأنفسهم، ويعودوا إلى حضن شعبهم، وهو أمر يبدو مستبعدا ولكنه ليس مستحيلا، فقد رأيناه يحدث داخل حركة النهضة في تونس. ولا أعتقد أنهم بحاجة إلى ضمانات مستقبلية، تقدمها لهم القوى السياسية الآن، تحفزهم ليقوموا بتلكم المراجعات، أو لكي ما يشرعوا في العودة إلى حضن الشعب. فهذا ما يجب أن تمليه عليهم ضمائرهم، إن استيقظت، لا الوعود بمعاملة تفضيلية لهم في أي مرحلة من المراحل. فهم ليسوا أطفالا مدللين، ويجب أن يتحملوا مسؤولياتهم السياسية والقانونية والأخلاقية. خصوصا وقد خرج من بينهم أفراد شجعان قاموا بمراجعات فردية حقيقية، أحدثوا بها قطيعة مع ماضيهم في الحركة والإنقاذ، مثل الدكتور خالد التجاني والأستاذ مبارك الكودة، وهناك أفراد آخرون يتحركون بحذر في هذا الاتجاه، مثل المحبوب عبد السلام.

ثالثا: الموقف الإقليمي والدولي

والموقف الإقليمي والدولي الذي يدفع باتجاه ذهاب البشير هو أحد دواب الأرض هذه. فأمريكا والسعودية والأمارات ومصر كلهم يريدون نظاما خالٍ من الاخوان المسلمين، فهذه الدول صنفتهم إرهابيين. وتجري عمليات استئصال الفكر الإخواني والسلفي في بَلَدَيْ المنشأ، مصر والسعودية. أما في مصر، فقد جرى استئصالهم سياسيا، بقوة الشارع، ويجري استئصالهم عسكريا بقوة الجيش والأجهزة الأمنية. أما تصفيتهم الفكرية فتقوم على قدم وساق. فلأول مرة في تاريخ مصر الحديث يطل المستنيرون الدينيون ودعاة التجديد من على شاشات التلفزة الرئيسية يفتتحون عصر تنوير جديد، ويُعَرُّون أفكار حسن البنا وسيد قطب والمودودي وابن تيمية. ويحاصرون الأزهر، ويضطرونه لتغيير بعض المناهج البالية. وها هي مصر تقرر إزالة مادة التربية الاسلامية من على مناهج التعليم، وتستبدلها بمادة للقيم والأخلاق.

أما السعودية فيخطو ولي عهدها الشاب بخطى حثيثة، وأحيانا بقفزات قَطَعت نَفَس “المطاوعية” وديناصورات الفقه الوهابي، وجعلت الأرض تميد تحت أقدامهم. وهو يفتح النوافذ ويشرع الأبواب ليدخل الهواء النقي وأشعة الشمس الدافئة على الغرفة الرطبة المظلمة الكئيبة. ويضخ ماء الحياة الدفاق على مجتمع أدمن الجفاف والجلافة والموت. وهو بعبارة واحدة، يستدبر المذهب الوهابي السلفي ويغادر سجنه الضيق إلى رحاب الدنيا الواسعة بكل اختلافها وتنوعها وألوانها وأذواقها.

وهكذا نرى أن كلا من مصر وهي الأم التي ولدت الفكر الإخواني، والسعودية، (وبالطبع معها الأمارات وبقية دول الخليج) وهي المرضعة التي ظل الأخوان المسلمون يمتصون ثديها، ويتمرغون على حجرها لعقود من الزمان، أدارتا ظهريهما لهم، معلنتان انتهاء عهد طويل من الجهل والغفلة والشر المطلق، الذي أسموه “عهد الصحوة” زورا وبهتانا. إن واجب المثقفين المستنيرين ودعاة التجديد والاصلاح الديني والثقافي في بلادنا العمل جنبا إلى جنب مع رصفائهم من البلدان العربية لرفع وعي شعوب المنطقة التي ظلت عرضة لمسيرة طويلة من تجهيل العقول وإظلام النفوس، تدفع ركائبها حفنة من الحداة الكاذبين، وجيوش من أهل الجهل النشط، على مدي زمني يقارب القرن من الزمان. حتى بلغت موجة التجهيل قمتها بالتسونامي المدمر المُسَمَّى داعش.

هذه هي ثمرة شجرة الزقوم التي غرسها حسن البنا في العام ١٩٢٨، والتي شُبِّه طلعُها برؤوس الشياطين. وبسقوط خلافة داعش المدوي والسريع، يُسْدَل الستارُ على فصل ويُفْتَح على فصل جديد. أو كما قال الشاعر “انقضى عهدٌ وعهدٌ من جدارٍ قد أقامَ”. وبعبارات أخرى، ليس بعد ذلك سوى الجذر والانحسار، والتحرر من هذا الداء العضال، الذي حول دين الله إلى دين للشيطان، وقلب الشر خيرا، والخير شرا.

المهم أن علاقة هذه البلدان بالنظام ليست علاقة استراتيجية، وإنما هي علاقة الأمر الواقع من جانب، وعلاقة تحكمها قدرته على تقديم الخدمات الصغيرة مدفوعة الثمن من الجانب الآخر. وواهم من يظن أن للنظام قدرة على ضغط السعودية بتلويحه بسحب “جنوده” من اليمن.  فهم أولا ليسوا جنودا، بل مرتزقة. والمرتزق في يد من يدفع له، لا في يد الوسيط الذي يسمسر به. وثانيا، أن تجنيدهم يحل للنظام مشكلة عطالة كبيرة وسط شباب القبائل العربية في دارفور، حيث أصبح التجنيد اليوم “فرصة اغتراب” جديدة، بديلها هو زيادة معدلات الجريمة، من نهب مسلح واغتصاب وفوضى، في هذا الإقليم المُمَزَّق. وبناء على هذا فرهان النظام على تسول اسعافات الخليج قصيرة الأمد من منح وودائع وقروض لإخراجه من أزمته الراهنة إنما هو رهان خاسر.

هذه الدول تتعامل مع البشير، بحكم الأمر الواقع، وتتربص به في ذات الوقت. ولو كان البشير طاغية صغيرا وحسب، وليس متهما هاربا من العدالة الدولية، لكانت هذه الدول دعمته ضد “الإخوان”، وكان بإمكانه هو أن يضحي بهم من أجل المواصلة في تغذية عروقه المدمنة على السلطة. ولكن، لسوء حظه، فإنهم يعتبرونه عبئا ثقيلا لابد من التخلص منه. ويفضلون عليه عسكريا غيره، كنائبه بكري مثلا. وحتى قطر وتركيا مزاجهما وهواهما قطعا مع الحركة الإسلامية، وليس مع البشير. كل هذا يُحِدَّ من قدرة النظام على التَّسوُّل والمناورة، ويُنْذِر بتطاول الأزمة الاقتصادية، وتفاقم معاناة الشعب. واحتمال انفجار الأوضاع.

الشعب هو الحل

بيد أن الرهان الأكبر على الشعب السوداني. فهو المرشح لقلب الطاولة على المَلِكْ الميت، والمنسأة ودواب الأرض. نعم الرهان على الشعب بالرغم عن أنه يمر بأوضاع اقتصادية لم يمر بها منذ “مجاعة سنة ستة” التي انحفرت في الوجدان الشعبي في نهايات القرن التاسع عشر. وهذا ما حفز وكالات الأمم المتحدة لتحذر من خطر وقوع مجاعة في البلاد. ولكن الشعب يحتاج لتعبئة واستنهاض. وطلائع التغيير هي من سوف يضطلع بمهمة الاستنهاض هذه. وسوف لن تستطيع طلائع التغيير النجاح في هذه المهمة، ما لم تتوحد على شيئين أساسيين أولهما قيادة الحراك المفضي لهزيمة النظام بوسائل سلمية، ولكنها حاسمة وجذرية، تقتلعه اقتلاعا من العروق. وثانيهما برنامج سياسي شامل يطرح حلولا يقبلها الشعب للمعضلات الهيكلية التي ظل يعاني منها السودان عبر الحقب، وتفاقمت وتبلورت إلى درجة المرض المفضي إلى الهلاك. وحدة القيادة ووحدة البرنامج هو ما ينتظره الشعب، وهو ما تحتاجه الثورة. وأرى أن واجب السياسيين، والكتاب، والمثقفين انتاج مبادرات تؤدي إلى تحقيق هذين الهدفين. ومن واجب المجتمع المدني السوداني تنظيم نفسه في شكل حركة حقوق مدنية تُحْرِز وتَحرِس حقوق الشعب المنتزعة. وتصبح رقيبا على أعمال الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية.

هذه هي الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة. بيد أني سأواصل الكتابة في مجال تقديم المبادرات الذي دعوت إليه.