خالد فضل

   محو الأمية من البرامج العظيمة في مجال التنمية البشرية , شأنّه كشأن كل الأفكار الكبيرة لدى كل البشر لكنه في السودان قد تحول إلى أضحوكة ؛ وفي سودان حقبة الإنقاذ الآفلة لا ريب كل معنى يُمارس ضدّه , كل فكرة أو برنامج مفيد يحمل بين طيّاته النعمة للناس يتحول إلى نقمة يصطلي بعذابها غالبية الشعب , ومصطلح (الإنقاذ) نفسه قد صار بالفعل إلى عكسه تماما وبات الناس يرجون إنقاذا من الإنقاذ , ومحو الأمية صار بالتطبيق (نحو الأمية ) ؛لأنّه صار إلى فترة يقضيها الخريجون بمسمى الخدمة الوطنية يلملم الواحد /ة منهم شوية حبوبات تحت ظل راكوبة يتونسون على الأكثر ثم ينال بعدها شهادة البراءة من الخدمة الإلزامية فلا أمية حوربت ولا الوطن خُدم ,  ومكافحة الفقر صارت  مكافحة الفقراء وهكذا دواليك .

    أحد الأساتذة من الكتّاب الصحفيين الذين يعيشون في أمريكا اسمى زاؤيته في الصحف المحلية بعنوان غربا بإتجاه الشرق , يشير إلى أنّه رغم عيشه في الغرب إلاّ أنّه مهموم بالشرق ومشارك في شؤونه والشرق يعني وطنه , وقيل أنّه حُظي بمستشارية إعلامية في لندن  لينافح من هناك عن الإنقاذ التي هي الوطن أو الوطن في شكل إنقاذ  , ما علينا فهذا ليس مجال مقال اليوم ولكن لأنّ الوطن يبدو أنّه أحلى ك (ذكرى) منه كواقع , وأذكر أنّ صديقنا المبدع محمد محمد خير الكاتب والمستشار الإعلامي  السابق لسلطة الإنقاذ في الدوحة قد كتب في أحد أعمدته من أقاصي الدنيا ذات المعنى أي أن تعيش ذكرى الوطن أحلى من أن تعيش فيه كواقع . وتلك لعمري فرضية تجد الشواهد والأسانيد التي تؤكدها في كل يوم يمر من أيام الإنقاذ في السودان . وإلى شئ من سؤال الأرق هذا ذهب الراحل الكاتب والسياسي الخاتم عدلان بعنوان كتابته ما الوطن وما المنفى ؟ وكذا الحال مع ما توصلت إليه دراسة أكاديمية على مستوى الدكتوراة في جامعة لندن _إن لم تخنّي الذاكرة _ شكّلت المادة الرئيسة لكتاب مفهوم القومية لدى الأفندية في السودان للراحل د. خالد حسين الكد , إذ لم يتم ترسيخ مفهوم القومية السودانية وبالتالي ترسيخ مفهوم الوطن في السودان لدى طبقة المتعلمين ناهيك عن عامة المواطنين من ذوي الحظ الأقلّ في التعليم أو الأميين الذين لم يفكّوا الخط والذين يُفترض أن تتوجه إليهم برامج محو الأميّة عوضا عن تطبيق برنامج محو الوطن ذلك البرنامج الذي حققته سلطة الإنقاذ على مدى 30سنة من عمرها شديد الوطأة على الوطن معنى ومبنى .

  كيف يبدأ تشكّل الوعي بالوطن ومن ثمّ بلوغ مرحلة الإنتماء له شعورا وممارسة ؟ في تقديري يتم ذلك عبر مراحل العمر المختلفة بالنسبة للفرد , فالوطن لدى طفل في حواكير أهلنا الفور مثلا يبدأ من هناك , تظل الحاكورة وطنه بكل ثقافتها وشؤون حياتها وطقوسها , قبل أن ينمو وعيه رويدا رويدا بالمجاورين والآخرين والوطن الكبير بالحيل لاحقا , تُرى ما مصير طفل يُولد اليوم بلا حاكورة ؟ من أين يبدأ وعيه بالوطن ؟ من خيمة معسكر النازحين واللاجئين  , من هم أبناء وطنه المفترضين ؟ أهم عصابات الجنجويد الذين يسمع قصص جرائمهم متداولة بين الكبار , أم هم حكام الخرطوم وجندها الباطشين ؟ ما الوطن لذى ذلك الطفل , أهو مندوب منظمة الإغاثة وأطقمها التي يعيش تجربة توليها تدبير أمر حياته , أكله وشرابه وعلاجه ومدرسته وحمايته أم الوطن عنده صورة عرضة وطبل ورقصة في ختام كل احتفال بشئ لا يمت له بصلة وليس له أدنى علاقة بواقع عيشه مثل تكريم (رمز كرامة افريقيا في أديس أبابا ) ؟ أيّهم أدنى لوعي ذاك الطفل بالوطن , طبيبة بيضاء شقراء الشعر تحنو عليه حنو المرضعات على الفطيم أم وجوه عابسة صادمة تتمنطق الكلاشنكوف وتضرم النار فيما تبقى من آثار قريته التي صارت مجرد ذكرى يتنهدها الكبار من الآباء والأمهات والأجداد ؟  وكذا الحال مع طفل آخر من صناقير جبال النوبة أو وعورة تضاريس الأنقسنا أو هضاب وشعاب حمداييت !

 ما صورة الوطن لدى ملايين السودانيين /ات ممن تتراوح أعمارهم بين الأربعين والثلاثين عاما , وأول معرفتهم بالحياة صورة أهل الكهف قبل سورتهم , وواقع معايشتهم لأهل القصر وكيف تبدّلت الأحوال من دقن أشعث تحت (الكاب) _كما في قول شعري لشاعر الشعب الراحل محجوب شريف _ إلى حائق غلبا وفاكهة وأبّا مما يتلون من آي القرآن , كيف صار الوطن لدى من حُرموا الحقّ في التعليم  وأُبدلت المقررات في مدرستهم  إلى حشو من أدبيات التنظيم , وبرع وزير التربية في التفسير المبتكر لسورة البقرة بعد أن فسّر على الملأ قصص مريم الشجاعة وطه القرشي في المستشفى ومحمود الكذّاب بأنّها (طعن في الذات المحمدية ) , وليلة المولد يا سرّ الليالي ظلّت نغما شجيا مذ صدح بها الرائع ود المجذوب ورنّمها القامة الفارعة الكابلي , وكانت الأجيال تقرأ في قصص المطالعة دون أن تنتقص محبتها لرسول مدينته (الهدى والنور ) على قول ودالمكي إبراهيم , ولكنها خطط الحرامية الذين سرقوا الوطن وحولوه لبنك دوّار بينهم بالتمويل بتسهيلاته والقرض بحسنه في سبيل تكوين حزب القوي الأمين كما أفصح قلم كادرهم د. التجاني عبدالقادر ذات مقال له منشور , الوطن يضمحل لدى أجيال السودانيين الذين حُرموا نعمة الحلم ب وطن حدادي مدادي فانفصل الجنوب , وصارت الفيللا وماركات السيارات هي البديل وتجارة العملات والصفقات ذات العمولات هي مصادر الدخل الوفير , والوطن يضمحل عندما يعزّ العلاج على الفقير فإمّا يُذلّ ويهان على عتبات ذاك الديوان نظير قريشات لا تضاهي سعر أنبولة كلوروكوين أو يتلوى ويموت ليصبح تلة تراب في وطن مزعوم , حقّه في التوظيف بتزكية (شيخ) واصل من شيوخ التنظيم , حقّه في السكن وفي المواصلات والكهرباء ومياه الشرب عطيّة يتبختر بها حاكم متغطرس ويمتن بها معتمد معطوب الإنسانية , تلفّت جيل من السودانيين فإذا كل المرافق العامة شركات آلت أسهمها لآل التنظيم ومن لفّ لفّهم من الإخوانيين المحليين والدوليين , هكذا أصبح الوطن هلاما يتردد لفظه في الأناشيد والتلفاز لكنه في الحياة اليومية لهيب من العذابات والمظالم المتواصلة التي تبدو بلا نهاية مثل صفوف الوقود , فهلا نهض طائر الفينيق من تحت الرماد ينفض بجناحيه  ما علق من غبار , لتعود الشمس مشرقة بعد طول غياب وليعيد السودانيون اكتشاف الوطن بعد أن تم محوه قصدا من الأذهان ؟ هلا فعلها الشعب ليعيد اسمه ورقمه وقيمته بين العالمين ؟ هذا ليس ببعيد ولو بعد حين .