بابكر فيصل بابكر

يوجد اتفاق عام بين خبراء التعليم والمواطنين العاديين على أن مستوى التعليم الأساسي (الابتدائي والثانوي) وكذلك التعليم الجامعي في السودان تدهور بصورة مريعة، منذ استيلاء جماعة الإخوان المسلمين على الحكم عبر الانقلاب العسكري في حزيران/يونيو 1989، نتيجة أسباب عدة يأتي في مقدمتها ضعف واختلال المناهج التربوية.

 

ولا تقتصر مشكلة مناهج التعليم على مخرجاتها الهزيلة في الفروع المختلفة للعلوم الطبيعية أو الاجتماعية، بل في كونها تشكل خطرا كبيرا على التكوين العقلي للطلاب ونظرتهم لموضوعات هامة ذات دلالات مؤثرة على قضايا ومفاهيم أساسية مثل الوطنية والدولة المدنية وحقوق المواطنة والتعايش السلمي المشترك.

 

وفي هذا الإطار فإن منهج التربية الإسلامية (العقيدة والفقه) الذي يدرس لطلاب المرحلة الأساسية ومنهج الثقافة الإسلامية المقرر بالجامعات يحتويان على دروس تتعارض مع الدستور ولا تساير روح العصر وتضعف الانتماء الوطني وتحض على الكراهية والعنف وتعتبر الديموقراطية وحقوق الانسان مخالفة للإسلام.

سأحاول في السطور التالية عرض ومناقشة بعض الأمثلة الواردة في ذلك المنهج حول هذه القضايا.

 

جاء في صفحة 69 من كتاب “الدراسات الإسلامية” للصف الثاني الثانوي تحت عنوان “شروط تولي القضاء” ما يلي: “لا يلي القضاء من يطلبه حرصا عليه إلا من توافر فيه الشروط التالية: الإسلام: فلا يجوز أن يلي قضاء المسلمين والدولة المسلمة غير المسلم“.

 

كما جاء في نفس الكتاب صفحة 71 تحت عنوان: “كيفية التعامل مع الدولة القائمة على المواطنة” ما يلي: “ولغير المسلمين في الدولة بحكم المواطنة المشاركة في الأمور كلها التي لا تخص المسلمين فقط كالولاية العامة لأنها تفرض على المسلمين أن يلتزموا بأحكام الشرع في المسؤولية العامة، ولا شك أنه من مصلحة غير المسلمين أن يكون التعامل على عقد يقوم على الدين فإن ذلك أدعى لإنصافهم“.

وكذلك ورد في صفحة 26 من كتاب الثقافة الإسلامية المقرر على طلاب الفرقة الأولى بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا أن “من شروط الحاكم في الإسلام الذكورة”، ويؤكد الكتاب في صفحتي 27 و28 أنه “لا يجوز أن يكون الخليفة أنثى“.

 

إن الأمثلة المذكورة أعلاه تتناقض جذريا مع نصوص الدستور الحالي (دستور2005) وجميع الدساتير التي حكم بها السودان منذ الاستقلال عن بريطانيا في عام 1956، حيث ينص الدستور في مادته السابعة على أن: “تكون المواطنة أساس الحقوق المتساوية والواجبات لكل السودانيين“.

 

أما فيما يختص بأهلية الترشح لمنصب رئيس الجمهورية فإن المادة 53 من الدستور تنص على أنه “يجب أن تتوفر في المرشح لمنصب رئيس الجمهورية الشروط التالية: (أ) أن يكون سودانيا بالميلاد، (ب) أن يكون سليم العقل، (ج) ألا يقل عمره عن أربعين عاما، (د) أن يكون ملما بالقراءة والكتابة، (ه) ألا يكون قد أدين في جريمة تتعلق بالأمانة أو الفساد الأخلاقي“.

 

ولا يتورع المنهج عن الإشارة لمفاهيم خطيرة مثل مفهوم “الولاء والبراء” وهو المفهوم الذي يمثل أحد الأدوات الرئيسية لاستقطاب الكادر للانضمام للحركات المتطرفة التي تتخذ منه وسيلة لغرس كراهية غير المسلمين في نفوس الشباب المتحمس، ومن ثم استغلالهم لتحقيق أهدافها.

 

حيث جاء في صفحة 131 من كتاب “القرآن الكريم وعلومه” للصف الأول الثانوي تحت عنوان “نواقض الإيمان” ما يلي: “من نواقض الإيمان الولاء لغير الله تعالى، وللولاء والبراء فقه عظيم لا بد أن يعرفه المسلم حتى يخرج مما ينقض إيمانه وهو لا يشعر أو يستهين“.

 

وأيضا ورد في صفحة 13 من مقرر العقيدة للصف السابع تعريف الولاء المحرم بأنه إظهار “المودة والمحبة للكافرين”، وقد نهى المقرر عن “نصرة المسلم للكافرين وربط مصيره بمصيرهم”، وقال بعدم جواز “تقريب الكفار وإكرامهم واتخاذهم بطانة من دون المسلمين وكذلك التشبه بهم وتقليدهم في شؤون الحياة وأخذ قوانينهم في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية لتحل محل النظم الإسلامية“.

 

ليس هذا فحسب بل إن المنهج يدعو لأن تنبني علاقة المواطنين في الدولة على عقد يقوم على الدين، أي أنه يدعو لدولة دينية تكون السيادة فيها للمسلمين بينما يتم التعامل مع أصحاب الأديان الأخرى كأهل ذمة.

 

وهو الأمر الذي تم ذكره بوضوح في صفحة 170 من كتاب الدراسات الإسلامية للصف الأول الثانوي تحت عنوان “الحرية الشخصية وضمان الكرامة” حيث يقول: “والحرية الشخصية لغير المسلم مضمونة لأن القاعدة التي قررها الفقهاء هي: “لهم ما لنا وعليهم ما علينا” وأنهم كما يقول الإمام علي بن أبي طالب (رض) ـ إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا. والحق أن غير المسلم ظفر بقسط كبير جدا من رعاية الشريعة وحماية الدولة. ففي الحديث “من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة“.

 

إن إطلاق مصطلح ذميين على المسيحيين يعني أنهم يعيشون في كنف المسلمين وتحت حمايتهم وأن المواطنة ليست هي أساس الحقوق والواجبات في الدولة كما يقول الدستور، وبالتالي فإن التسلسل المنطقي لهذا الفهم يوجب على المسيحيين أن يدفعوا الجزية حتى يضمنوا العيش بسلام داخل الدولة.

 

الخطورة الحقيقية لتضمين هذه المفاهيم في المنهج الدراسي تكمن في أنها ترسخ لدى الطلاب الأساس الذي يجعلهم يتقبلون تطبيقها في أرض الواقع وهو الأمر الذي يضرب في صميم التعايش السلمي المشترك.

كذلك جاء في المنهج أن “الانتماء إلى المذاهب الإلحادية كالشيوعية والعلمانية والرأسمالية ردة عن دين الإسلام. وإن كان المنتمي إليها يدعي الإسلام، فهو منافق تجب إقامة الحجة عليه واستتابته حتى يدخل في حظيرة الإسلام وإلا أجريت عليه أحكام المرتدين المارقين في الحياة (القتل حدا) وبعد الوفاة” وذلك بحسب ما جاء في صفحة 137 من كتاب الثقافة الإسلامية المقرر على طلاب جامعة النيلين.

 

وأيضا ورد في صفحة 140 من ذات الكتاب أن “الديموقراطية شرك بالله لأنها تعطي الحكم للشعب“.

الحديث أعلاه يناقض ما جاء في المادة الأولى من الدستور المعنية بتعريف طبيعة الدولة والتي تقول: “جمهورية السودان دولة مستقلة ذات سيادة، وهي دولة ديمقراطية لا مركزية تتعدد فيها الثقافات واللغات وتتعايش فيها العناصر والأعراق والأديان“.

 

من المؤكد أن التناقض بين ما يدرس في منهج التربية الإسلامية وما يقول به الدستور في موضوعات المواطنة والديموقراطية والعلاقة بغير المسلمين في إطار الدولة يخلق حالة من الازدواجية العقلية والانفصام في شخصية الطالب.

 

فمن ناحية، ستتشكل لدى ذلك الطالب قناعات بأن الديموقراطية كفر وأن الإسلام يدعو لأن تنبني العلاقة مع غير المسلم داخل الوطن على أساس ديني، ومن جانب آخر فإن الدستور يعلمه أن دولته تتبنى نظام الحكم الديمقراطي وتدعو للتعامل مع شركاء الوطن من غير المسلمين كمواطنين من الدرجة الأولى لهم نفس الحقوق التي يتمتع بها وعليهم ذات الواجبات التي يقوم بها.

 

ومن أجل إزالة هذه التناقضات يتوجب إجراء مراجعة شاملة ودقيقة لمحتويات منهج التربية الإسلامية كي يتماشى مع الدستور وروح العصر، وحتى لا تتحول المدارس والجامعات لمراكز لتغذية التطرف والكراهية والتكفير.

 

الحرة